الخميس، 31 مايو 2012

يستحق القراءة


نظام الحكم الجديد في مصر والارتماء الكامل في أحضان واشنطن


د. أشرف الصباغ


قبل إجراء انتخابات الرئاسة في مصر بأيام قليلة، لا يمكن فهم ما يجري إلا بوضعه ضمن سيناريو الصراع بين المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمين على رضاء واشنطن والحصول على ضمانات أمريكية بعدم إزاحة أي من التيارين أو كلاهما لصالح أي قوة مدنية قد تظهر في المستقبل. هذا الصراع يروق تماما للإدارة الأمريكية ويتوافق بدرجات معينة مع استثمارها لنتائج الأحداث التي تمر بها المنطقة طوال عام ونصف العام تقريبا.

إن الصراع الدائر حاليا يقتصر فعليا على المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمين. وكلا الطرفين جزء لا يتجزأ من نظام مبارك، أو في أحسن الأحوال مرتبط بهذا النظام ويرغب في إعادة إنتاجه بأشكال مختلفة. وهو ما يوضح ارتباط هذين الطرفين الرئيسيين بما يطلق عليه المصريون (الفلول). بينما القوى الليبرالية والوطنية واليسارية متشرذمة، وكأنها تناضل من أجل دور هامشي تجميلي لنظام ما قد يسفر عنه الصراع بين العسكر والإخوان. أو بمعنى أدق نظام يكون حصيلة التوافق بين العسكر والإخوان بعد الاتفاق على توزيع السلطة والأدوار وترسيم الحدود من أجل الحفاظ على الثروات والمصالح المالية.

وعلى الرغم من أنه في الحالات الطبيعية تكون العوامل الداخلية هي المتحكم الرئيسي في حسم نتائج أي انتخابات تشريعية أو رئاسية، إلا أن الحالة المصرية تخضع لرغبات قوى إقليمية (السعودية وقطر) وقوى دولية (الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية). الأمر الذي يؤكد أن الأمور لا تسير في طريقها الصحيح، ويشير في الوقت ذاته إلى إمكانية استمرار الثورة وتوتر الأوضاع بعد الانتخابات، سواء اتفق العسكر مع الإخوان أو لم يتفقوا. وبالتالي سيكون الصراع بين هذين الطرفين الرئيسيين من جهة وبين القوى الأخرى المتشرذمة من جهة أخرى. ولن ينتفي الصراع أيضا بين المؤسسة العسكرية وبين الإخوان مهما كانت الاتفاقات والتوافقات. وهذا الصراع سيكون على مساحة النفوذ في مختلف أجهزة السلطة وعلى المصالح الخاصة والمباشرة والكعكة المالية والاقتصادية. وهنا ستتعزز الأدوار الإقليمية للسعودية وقطر والأدوار الدولية للولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، وبالذات بريطانيا.

هناك سيناريوهات أكثر قتامة تدور حول إمكانية انزلاق الأوضاع إلى ما آلت إليه الأمور في ليبيا وسوريا. وأصحاب هذه النظرة يؤكدون بما لا يدع مجالا للشك أن المؤسسة العسكرية والإخوان سيشاركان في هذا السيناريو كجزء من سياسة عض الأصابع. ولكن السلفية الجهادية والمجموعات المتطرفة التي تلقى دعما أمنيا واستخبارتيا وماليا إقليميا ودوليا لن تفوت الفرصة وستدخل في الوقت المناسب. وهناك تلميحات بأن العسكر على علم بهذا السيناريو، بل ويستخدمونه للتخويف والتهديد. بل وأحيانا يشاركون في تحقيق أجزاء منه لفترات محدودة ثم يعودون لضبط الأمور. بينما الإخوان يحافظون على هذا الخيار كورقة أخيرة في حال غدر بهم المجلس العسكري ووجدوا أنفسهم خارج اللعبة. المثير أن الولايات المتحدة تراهن أيضا على هذا الخيار، ضمن خيارات أخرى، لا من أجل الديمقراطية أو الحرية في مصر أو في أي من الدول العربية، ولا من أجل تحديث المجتمع المصري أو المجتمعات العربية، بل من أجل حسابات أكبر وأوسع تخص صراعاتها الدولية والإقليمية ومصالحها الاقتصادية المباشرة عموما، وفي مجال الطاقة على وجه التحديد. وهناك تقارير عديدة أكدت أن أسعار الغاز يمكن أن تنخفض في حال تنفيذ السيناريو الأمريكي لأسلمة المنطقة وبنتيجة خطط مستقبلية لإبعاد مركز الغاز عن روسيا سواء في مجال الإنتاج والتصدير أو وسائل ووسائط النقل. والمسألة لا تقتصر فقط على المجال الاقتصادي والطاقة، بل تنسحب على الساحتين الجيوسياسية والجيواقتصادية.

إن الانتخابات الرئاسية المصرية ستجري في ظل أزمات وتوترات، ما يلقي بظلال الشك على شرعيتها وقانونيتها ونتائجها، وبالتالي جدواها. ولكن التوافق بين العسكر والإخوان، حتى وإن بدا تحت ضغوط إقليمية ودولية، لن يستمر طويلا، لأن التناقضات كثيرة وحادة. وكل السيناريوهات تروق للولايات المتحدة، عدا سيناريو واحد ووحيد، ألا وهو وصول القوى الشبابية والثورية الجديدة إلى السلطة، لأن ذلك تحديدا سيفسد الطبخة في المنطقة. وقد ينعكس سلبا على الأوضاع في كل من تونس وليبيا واليمن وسوريا، ويضرب مشروع أسلمة المنطقة من جذوره. هنا تحديدا، سيكون من مصلحة القوى الإقليمية والدولية التي نفذت السيناريو الليبي، وارتاحت كثيرا للسيناريو التونسي، وتعمل الآن على تنفيذ السيناريو السوري، سيكون من مصلحتها الدفع بالقوى المتطرفة الموجودة حاليا في مصر وبعلم من الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية والإخوان والسلفيين الرسميين. والمثير أن كلا من هؤلاء يستخدم هذه الورقة في سياسة عض الأصابع واستخدام العنف وخرق القانون ومواجهة القوى الشبابية والثورية الطامحة لبناء دولة مواطنة حديثة ومجتمع مدني لا عسكري ولا طائفي.

في كل الأحوال لن يكون هناك مكان لروسيا. وسيبدأ العد التنازلي لتحجيم المد الاقتصادي الصيني في المنطقة. وهذان الأمران يخصان موسكو وبكين ويتعلقان بقدرات كل منهما ليس فقط في المحافل الدولية والصراعات الدبلوماسية في مجلس الأمن، بل وأيضا بقدرة كل منهما على فتح قنوات مع كافة القوى والنظر بجدية لمصالحهما الاقتصادية والعسكرية والأمنية والجيوسياسية. فهناك حديث يجري، وكأن روسيا والصين ومعهما إيران يشكلون محورا أو تحالفا غير رسمي ضد تحالف ما غربي بقيادة الولايات المتحدة. ولكن الأمر ليس كذلك إطلاقا. المسألة ببساطة تدور حول الصراع على مصالح حقيقية وواقعية، وكل حسب قدراته ورؤيته لمصالحه. والواضح إلى الآن، أن الولايات المتحدة هي الرابح من كل ما يجري في المنطقة، سواء استمرت الأنظمة القديمة مع إجراء تغييرات شكلية، أو جاء تيار الإسلام السياسي، أو حتى جاء نظام مهجن من بقايا الأنظمة وتيارات الإسلام السياسي. بل وحتى إذا جاءت القوى المتطرفة التي يمكن أن تقلب الطاولة على رؤوس الجميع. وسيكون هذا السيناريو ملائما تماما للولايات المتحدة التي لديها خبرة بالتعامل معه، كما حدث في أفغانستان والعراق وليبيا التي نشاهد فيها حجم الدمار والفاقة والديون الخارجية.

وعلى الرغم من أن الجميع (القوى الإقليمية والدولية) يدرك بوجود قوى سياسية جديدة يجري القفز على منجزاتها وتوريطها، بل وتهديدها والتعامل معها بقسوة، إلا أن كل الأطراف الإقليمية والدولية تعزف عن التعامل مع هذه القوى إلا بشروط مجحفة. بل وأحيانا تكيل لها الاتهامات ويجري تشويهها عمدا والضغط عليها بوسائل متعددة، إما عن طريق ممارسة العنف معها، أو التجاهل، أو التهميش والتحييد. وكذلك باستخدام القوى السياسية العتيقة المتمثلة في الأحزاب التي كانت شبه معارضة لنظام حسني مبارك. إن كل المؤشرات تؤكد أن هناك جولات ومواجهات مقبلة ليس فقط في مصر، بل في المنطقة ككل. أما الإجراءات التشريعية والقانونية مثل الانتخابات أو المسكنات الاقتصادية، فما هي إلا معالجات مؤقتة لمشاكل مزمنة تتطلب حلولا جذرية لا مسكنات وحلولا جزئية..


توزيع السلطة بين نظام مبارك والإخوان: استقرار أم بداية مخاض جديد أكثر عنفا؟


من الصعب أن نصف ما يجري في الانتخابات الرئاسية المصرية بأنه صراع بين نظام مبارك بقيادة المجلس العسكري وبقايا الطغم المستفيدة من هذا النظام من جهة وبين قوى الإسلام السياسي بقيادة الإخوان المسلمين من جهة أخرى. والأقرب إلى الواقع أنه صراع بين التيارين السابقين وبين بقية القوى المدنية والعلمانية في مصر. ويبدو أن هذه الانتخابات بالذات تهدف بالدرجة الأولى إلى شرعنة نظام مبارك مجددا أمام الكثير من علامات الاستفهام، وغياب الدستور، واختفاء مهام رئيس الدولة الذي تجري من أجله الانتخابات، وهي كلها أمور منافية للعقل والمنطق والقانون وكل التشريعات الحديثة والقديمة. لقد رفض العسكر والإخوان الاختيار الوسط المتمثل في عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح. وهو خيار وإن كان يحمل ثنائية العسكر والإخوان، وثنائية الفلول وتيارات الإسلام السياسي، إلا أنه كان خيارا غير تصادمي بالمرة. ولكن شاء العسكر والإخوان الجنوح إلى التصادم المباشر تجسيدا لواحدة من أخطر صفات عهد مبارك ونظامه، ألا وهي الاستهانة بالمصريين وبعقولهم وإجبارهم على الاختيار بين السئ والأسوأ، أو بين الطاعون والكوليرا!!

لقد دفعت موارد الدولة ورأسمال الفلول وإرادة العسكر بأحمد شفيق إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بينما دفع مكتب الإرشاد ورأسمال الإخوان وإرادة الشعوذة واللاهوت الإخواني بمحمد مرسي إلى المنافسة. وأصبح المصريون بالفعل أمام الخيار بين الطاعون والكوليرا. ومن الواضح أن لغز التراجع الغريب لموسى وأبو الفتوح سيظل محور شك ونقاش لفترات طويلة. بينما صعود مرسي وشفيق يشكل حالة من حالات التصادم المباشر لا بين العسكر والإخوان إطلاقا، بل بين كل منهما من جهة وبين المصريين والقوى الثورية والوطنية من جهة أخرى. هذه الثنائية الخادعة (ثنائية العسكر والإخوان) لا يمكن أن تحقق معادلة الثورة، أو حتى معادلة أي انتفاضة لها مطالب اجتماعية وسياسية وتشريعية. وهي إن عكست شيئا، فهي تعكس حرص وإصرار العسكر والإخوان المسلمين على تشكيل منظومة تحافظ على المصالح الاقتصادية والسياسية للبرجوازية المحلية. ولكن كان خيار، أو ثنائية، عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح أقرب إلى تحقيق هذا الهدف بقفازات ناعمة. بينما ثنائية أحمد شفيق ومحمد مرسي أكثر فجاجة وعنفا. ما يشير بدرجات متفاوتة إلى إصرار المجلس العسكري ومكتب الإرشاد على المواجهة المكشوفة مع القوى المدنية والعلمانية في مصر. خاصة وأن كل الأسباب التي أدت إلى اندلاع ثورة 25 يناير 2011 لا تزال موجودة بالكامل ولم ينتف أي منها على الإطلاق، بل إزدادت وتجذرت واستفحلت.

إن كل الشواهد تؤكد أن هناك اتفاقا بين قيادات كل من المجلس العسكري ومكتب الإرشاد على توزيع السلطة. وإذا كان مرشح الإخوان محمد مرسي يعرف بالاتفاق، فتلك مصيبة. وإذا كانت من وراء ظهره، فتلك كارثة بكل المعايير. والاتفاق يتلخص ببساطة في أن تكون الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بين محمد مرسي وأحمد شفيق، ليفوز شفيق وفقا لاتفاق على توزيع السلطة بين العسكر والفلول والإخوان المسلمين. ولكن ذلك بشرط إما إجراء كل ذلك بدون علم محمد مرسي وتركه يعمل بجد واجتهاد لكي لا تفقد القواعد الإخوانية ثقتها بمكتب الإرشاد، أو بعلم مرسي على أن تقدم له ضمانات بعدم فقدان ماء الوجه ومواصلة طريقه في نظام الدولة بتولي هذا المنصب أو ذاك. وبالتالي سيتمكن مرشح الإخوان من سحب قطاعات واسعة من التيارات الثورية الليبرالية واليسارية. وسيتنافس مرشح المجلس العسكري أحمد شفيق معه على هذه القطاعات. ولكن بعد الفوز المؤكد لشفيق سينتهي الصراع الشكلي بين جناحي السلطة، ولن تقع أي مواجهات بين المجلس التشريعي ومؤسسة الرئاسة. بل وستتشكل الحكومة من هاتين القوتين مع تطعيمها أو تجميلها ببعض الوجوه من القوى اليسارية والليبرالية كشكل من أشكال الرشوة. هذا الكلام يعني شئنا أم أبينا أنه إذا تكتلت القوى السياسية من غير الإخوان والعسكر والفلول خلف شخصية أخرى، مثل محمد البرادعي أو حمدين صباحي، سيتحد العسكر والفلول والإخوان لمواجهة أي منهما أو كلاهما.

إن الانتخابات الرئاسية المصرية في مصر في جولتيها الأولى والثانية، جرت وتجري في ظل إعلان دستوري، وحالات استثنائية أخرى، يقف على قمتها غياب مهام رئيس الدولة. الأمر الذي يثير الكثير من علامات الاستفهام لا على ما يجري فقط، بل وأيضا على مستقبل العملية السياسية والتشريعية والدستورية، ومستقبل مصر بالكامل في ظل ما يصفه المراقبون بالفاشية العسكرية والدينية التي تدفع بالأمور إلى الزاوية الضيقة للحفاظ على أكبر قدر من مصالحها المالية والاقتصادية والسياسية، ومساحة سلطتها في البلاد. ولن ينجو الدستور المقبل من صراعات حقيقية قد تصل إلى صدامات. وذلك بعد انتهاء الخلافات الشكلية على توزيع السلطة (مجلسا الشعب والشورى للأغلبية الدينية، والرئاسة لنظام مبارك الذي سيقوده بقايا النظام المدعومين مباشرة من المؤسسة العسكرية، والحكومة التي ستتشكل من الطرفين). غير أن فوز محمد مرسي بمنصب الرئاسة قد يقلب كل الأمور رأسا على عقب، لأنه أولا ضد الاتفاق بين قادة المجلس العسكري ومكتب الإرشاد. وثانيا، سيضع كل السلطة تقريبا في يد الإخوان المسلمين، ما يهدد وجود العسكر وطواغيت المال التابعين لنظام مبارك. وثالثا، سيضرب الدولة العميقة في مقتل، لأنه يهدد كل الأجهزة الأمنية التي لم تعترف إلى الآن بالثورة وتعمل بكل قوتها على إعادة إنتاج النظام. ورابعا، سيمكن رأسمال الإخوان من احتلال الساحة الاقتصادية في مواجهة القوة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية وطواغيت المال التابعين لنظام مبارك. أما وصول أحمد شفيق إلى منصب الرئاسة سيكون أخف وطأة على المشهد السياسي والاقتصادي والأمني للدولة. ولكن كلا من مرسي وشفيق غير مقبولين على المستوى الشعبي من جهة، وعلى مستوى الكثير من القوى السياسية الجديدة. وكل ما يجري، في واقع الأمر، هو مجرد حراك على مستوى النخبة، سواء كانت الأحزاب العتيقة أو بقايا نظام مبارك أو حتى قيادات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومكتب الإرشاد والتنظيمات الدينية الأخرى. وأكبر دليل على ذلك نسبة الإقبال في المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية، مقارنة بالانتخابات التشريعية، وطريقة إدارة هذه الانتخابات والمشاركة فيها وحجم المخالفات الذي وقع.

هناك جانب آخر في غاية الخطورة، ألا وهو عودة الدولة الأمنية، سواء بشكلها السابق أو بشكلها الديني. فكل ما يجري في المشهد السياسي المصري الذي تقوده قوتان إحداهما عسكرية والثانية دينية يشير إلى أن العوامل الخارجية هي التي تتحكم في هذا المشهد بدرجات أكبر بكثير من العوامل الداخلية. خاصة وأن لا شئ على الإطلاق قد تغير في ما يتعلق بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية للغالبية العظمى من المصريين، ولا في ما يخص أيضا المطالب التشريعية والسياسية للنخب التي أفرزتها الثورة خلال العام ونصف العام الأخيرين. هذا إذا تجاهلنا أن الدولة الأمنية الجديدة، سواء كانت بقيادة شفيق أو مرسي أو بالتوافق بين المجلس العسكري ومكتب الإرشاد، سوف تكون دولة قمعية بالمعنى الكلاسيكي من أجل الحفاظ على البناء الهش لهذه الدولة. فالعسكر سيرفعون شعار الحفاظ على أمن البلاد ووحدتها وسيادتها، ما سيؤثر مباشرة على الحريات المدنية ويعيد إنتاج المنظومة الأمنية بشكل أكثر شراسة وانتقاما من الثورة ومن قاموا بها وشاركوا فيها. والإخوان سيرفعون شعارات التكفير وضوابط الحريات الشخصية والعامة والاندماج في مشروعهم الأكبر للخلافة الإسلامية السنية بطبيعة الحال، ما سيؤثر على كل المصريين الآخرين المخالفين لهذا الطرح. وقد يمتد طرح الإخوان ليمس قوى بعينها في المنطقة، وعلى رأسها إيران، ما سيبدو شئنا أم أبينا أنه تنفيذ لأجندة أمريكية – خليجية لمواجهة إيران الشيعية.

وفي حال توافق العسكر والإخوان على إدارة البلاد، ستكون العوامل السابقة مجتمعة هي التي تحكم المشهد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتشريعي في مصر. الأمر الذي يعيد كل الأمور إلى مربع الصفر من جديد، حيث ستزداد المسافة بين هذا المشهد وبين الاستقرار المزعوم، وستكون البلاد عرضة لمخاضات جديدة أكثر حدة وإيلاما مع التدخلات الإقليمية السافرة ومرونة السيناريوهات الغربية عموما والأمريكية على وجه الخصوص. وعلى الرغم من التعتيم الكامل على القوى السياسية والوطنية الجديدة ومواجهتها بالعنف الأمني أو الديني، إلا أنها لم تستخدم إلى الآن قوتها الحقيقية، ولا تدرك بالكامل مكامن قوتها وتأثيرها إلا في حدود ضيقة لأسباب كثيرة. ويبدو أن ذلك يجبر الطرفين الرئيسيين (العسكر والإخوان) على التحالف غير المقدس وغير المبدئي والالتزام فقط بسياسة عض الأصابع وتفادي الصدام المباشر الذي لا مفر منه مستقبلا عندما تبدأ الصدامات المالية والاقتصادية الحقيقية. كما أنه يجبر أيضا الأطراف الإقليمية والدولية على اعتماد سيناريوهات متحركة ومرنة مختلفة. والأخطر من كل ذلك هو عدم استخدام هذه الأطراف، إقليمية كانت أو دولية، للمجموعات الأكثر تطرفا كما حدث في السيناريو الليبي. ويبدو أن هذه الورقة قد تكون مجدية لا للأطراف الإقليمية والدولية فقط، بل وأيضا لكل من العسكر والإخوان في حال اهتزت المعادلات الهشة التي تعتمدها القوتان في توزيع السلطة والمال، أو راهن هذا الطرف الإقليمي أو ذاك الطرف الدولي على هذه القوة أو تلك بشكل أكبر، وهو ما يمكن أن يحدث بالفعل خلال أي حلقة من سلسلة الصراع والتحالفات وتوزيع السلطة والمال.

يستحق القراءة

                

سفير سوفيتي سابق يكشف خفايا الحرب العربية - الاسرائيلية في عام 1973

سفير سوفيتي سابق يكشف خفايا الحرب العربية - الاسرائيلية في عام 1973
يكشف السفير السوفيتي السابق فلاديمير فينوغرادوف (عمل في فترة 1970-1974 في القاهرة) في مذكرته الموجهة الى القيادة السوفيتية وغير المنشورة سابقا خفايا حرب اكتوبر ( تشرين الاول) عام 1973 بين مصر وسورية من جهة واسرائيل من جهة أخرى، والتي وصفتها وسائل الاعلام ب"الحرب المزيفة".ونظرا لوجوده في العاصمة المصرية طوال فترة الحرب فقد كان فينوغرادوف على إتصال دائم بالاركان العامة والقيادة السوفيتية ، كما إلتقى هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي آنذاك. وقد أعد السفير مذكرة من أجل تقديمها الى المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي والحكومة السوفيتية في كانون الثاني(يناير)عام 1975 فور عودته الى موسكو بعد ترك منصبه كسفير في مصر. وبقيت هذه الوثيقة في الارشيف الشخصي لفينوغرادوف وتم الكشف عنها بعد وفاته. ويتبين من المذكرة التي حصلت عليها "روسيا اليوم" ان السادات خان سورية في اثناء الحرب من أجل كسب ود أمريكا ، بينما ضحت غولدا مائير في هذه الحرب بحياة ألفين وخمسمائة جندي وضابط اسرائيليين دون ان يرف لها جفن ارضاء لرغبات الامريكيين في الهيمنة على الشرق الاوسط.


لعبة الشرق الاوسط

أسئلة منبثقة عما يسمى بحرب اكتوبر(تشرين) عام 1973


1. كيف أمكن ان تغدو الحرب مفاجأة بالنسبة الى إسرائيل اذا ما كان القرار قد اتخذ بشأنها منذ أبريل ( نيسان) بصورة مشتركة من قبل مصر وسورية والأردن. ألم يكن جليا للعيان ان الأردن كان يعرف ذلك ، مما يدل في الواقع على ان الولايات المتحدة – حليفة الأردن وبالتالي إسرائيل كانتا تعرفان ذلك؟
2. كيف غدا الهجوم المصري والسوري مباغتا اذا ما كان الاتحاد السوفيتي قد أجلى قبل عدة ايام من 6 أكتوبر( تشرين الأول) افراد أسر الرعايا السوفيت العاملين في مصر وسورية؟ وأجلي من مصر فقط خلال فترة قصيرة جدا 2700 شخص ، علما ان هذا تم ليس في رحلات جوية خاصة فقط بل وبواسطة سفن نقل الركاب وسفن الاسطول البحري – الحربي السوفيتي . هل ان هذا الأمر كان من الممكن ان يخفى عن عيون العملاء السريين الأمريكيين والإسرائيليين؟ زد على ذلك ان الصحافة الغربية حتى نشرت أنباء إجلاء الأفراد هذا بصورة جماعية.
3. كان المصريون يجرون في تلك الفترة مناورات استخدمت كتغطية لتحشيد جميع قواتهم المسلحة عمليا من أجل عبور قناة السويس. فهل لم يلاحظ ذلك العملاء السريون الأمريكيون والإسرائيليون؟ فقد لاحظ ذلك حتى الأهالي المدنيون. وفي نهاية المطاف يعرف جيدا ان الولايات المتحدة كانت تقوم بعمليات إستطلاع مستمرة بإستخدام الطائرات التي تحلق على ارتفاعات عالية والأقمار الصناعية. وكان لابد ان يتم رصد تحشد القوات المصرية قبل يومين او ثلاثة أيام من بدء العمليات القتالية.
4. لماذا لم يحذر السادات الاتحاد السوفيتي من العمليات الحربية القادمة؟ فقد كان من النافع بالنسبة له الحصول على الدعم السوفيتي مسبقا – لأن مصر كانت تعتمد كليا على إرساليات المعدات الحربية والذخائر وقطع الغيار السوفيتية ؟
5. لماذا طلب السوريون من الاتحاد السوفيتي فورا لدى ابلاغه في 4 تشرين الاول(اكتوبر) بموصوع العمليات الحربية ان يأخذ المبادرة بعد بدءها وبلا تأخير في طرح مسألة وقف اطلاق النار؟
6. لماذا طلب السوريون مجددا– بعد بدء العمليات الحربية – طرح مسألة ايقاف إطلاق النار؟
7. لماذا لم تواصل القوات المسلحة المصرية بعد عبور القناة الزحف الى عمق شبه جزيرة سيناء – بالرغم من عدم وجود قوات اسرائيلية في هذا الإتجاه قادرة على إبداء مقاومة جدية ( اذا لم يكن لها وجود هناك فحسب)؟.
8. لماذا لم تتوفر لدى القوات المسلحة المصرية عموما الخطط لمواصلة الهجوم في العمق في حالة نجاح العبور ؟
9. لماذا لم تقدم الولايات المتحدة المساعدة العسكرية الى إسرائيل فور بدء العمليات الحربية ، بل تريثت على مدى بضعة أيام قبل ان تبدأ بإقامة الجسر الجوي لنقل المعونات بواسطة الطائرات؟.
  1. لماذا أعطت الولايات المتحدة الى المصريين الفرصة لتوجيه الضربات الموجعة الى القوات الاسرائيلية ، وبدأت العمل الحازم بصورة متأخرة كهذه؟
  2. لماذا لم تنضم القوات الاردنية الى العمليات في المسرح الطبيعي بالنسبة لها وذلك بقطع طرق المواصلات من اسرائيل الى مصر ، الأمر الذي أتاح الى الاسرائيليين إمكانية توجيه قواتها ضد مصر بدون عقبات بعد هزيمة سورية؟
  3. لماذا لم يتم اطباق اجنحة الجيشين الثاني والثالث المصريين في سيناء مما يعتبر خطأ فاحشا حتى بالنسبة للضباط من المرتبة المتوسطة ، ناهيك عن الجنرالات؟
13 . كيف أمكن ان تعبر أولى الدبابات الاسرائيلية من الضفة الغربية للقناة "دون ان تلاحظ". فهل لم توجد لدى المصريين دوريات ومفارز استطلاع بسيطة والتي توجد حتى لدى قوات حرس الحدود؟
14 . لماذا أصر السادات على عدم الرغبة في إتخاذ أية تدابير حاسمة من أجل سد ثغرة الدفرسوار الاسرائيلية ، بالرغم من انه كان يعرف بها بل تلقى نصائح مباشرة من الجانب السوفيتي بشأن ضرورة تصفية الثغرة فورا بالوسائل المتوفرة وحتى كيفية القيام بذلك؟
15 . لماذا أصر السادات على عدم الاصغاء الى النصائح السوفيتية بشأن ايقاف إطلاق النار ، حين حققت القوات العربية في الايام الاولى نجاحات عسكرية باهرة ، بينما أعلن السادات حسب أقواله ان مقصده لم يكن تحرير سيناء كلها؟
16 . لماذا لم يوافق السادات على جميع حجج ألكسي كوسيغين حول إيقاف اطلاق النار ، حين بات واضحا ان سورية تكبدت الهزيمة ، بينما كان يتوسع لديه في مصر على الضفة الغربية لقناة السويس رأس الجسر الاسرائيلي الكبير؟
17 . لماذا لم تتوفر أبدا قوات إحتياطية على الضفة الغربية للقناة وراء خطوط القوات المصرية ؟
18 . لماذا طلب السادات حين كانت العمليات الحربية في ذروتها ان يتواجد في القاهرة ممثلون سياسيون ليس من الاتحاد السوفيتي فقط بل ومن الولايات المتحدة أيضا؟
19 . لماذا رفض السادات الاصغاء الى النصيحة السوفيتية بشأن اقتراح الوسط الذي اقترحه الامريكيون في حوالي 15 أكتوبر (تشرين الأول) ، اي إجابة الأمريكيين بأن يتصلوا بالاتحاد السوفيتي وان ينسقوا معه قضايا الشرق الاوسط؟
20 . لماذا لم يبلغ المصريون الاتحاد السوفيتي بأهداف زيارة فهمي الى واشنطن في أواخر أكتوبر(تشرين الاول) عام 1973.
21 . لماذا لم يبلغ المصريون الاتحاد السوفيتي بنتائج زيارة فهمي ، ولاحقا بنتئاج مباحثات السادات مع هنري كيسنجر في 7 نوفمبر(تشرين الثاني) عام 1973؟
22 . لماذا توقف المصريون فجأة في مطلع نوفمبر( تشرين الثاني) عام 1973 عن إجراء المشاورات مع الاتحاد السوفيتي بشأن اعداد مواقف مشتركة من مؤتمر السلام؟
23 . لماذا لم ينفذ السادات وعوده ولم يطلع الشعب على أفعال الاتحاد السوفيتي في اثناء العمليات الحربية في اكتوبر (تشرين)؟
24 . لماذا طلب السادات من الاتحاد السوفيتي بغتة وبصورة " عاجلة" التعويض عن الخسائر من الطائرات فقط بعد انتهاء العمليات الحربية في 26 اكتوبر(تشرين الاول) وأبدى إلحاحا غير مفهوم بشأن توريدها فورا ، ثم أعلن بعد عدة أيام فحسب ان الاتحاد السوفيتي قد غير سياسته كما يبدو حيال مصر؟ فقد كانت لدى السادات الفرصة لمراقبة تحركات الاتحاد السوفيتي ، الذي ساعد مصر في المرحلة الابتدائية في كسب المعركة ، ومن ثم انقذها من الهزائم؟
25 . لماذا رفضت سورية بغتة المشاركة في مؤتمر السلام في جنيف ؟


الاجوبة المحتملة عن 25 سؤالا: " لماذا" ؟


ان الاجوبة عن هذه الاسئلة صعبة جدا ، لكن اذا ما فرضنا أمرا لايصدق وهو ان العمليات الحربية بدأ ت بموافقة الولايات المتحدة فأن الاجابة تكون منطقية لحد ما:
1 . كانت الولايات المتحدة تعرف بالعمليات الحربية المتوقعة ووافقت عليها وسعت الى " غض النظر " عن الانباء الواردة من الأردن وفي أغلب الظن من مصادر أخرى.
2 . طبعا رصدت دوائر الإستخبارات الامريكية والإسرائيلية عملية اجلاء افراد الاسر السوفيتية بصورة جماعية – وكان لا بد لها من ذلك. ويبدو ان الولايات المتحدة عملت بالاتفاق مع القيادة العليا في اسرائيل أملا في ان تلحق الهزيمة بالقوات المسلحة العربية حتما ، الأمر الذي سيمنح اسرائيل فترة استراحة أخرى لمدة 10 – 15 عاما. وكانت ‘سرائيل على استعداد لهذا الغرض بالتضحية بجزء من قواتها في سيناء ،وبهذا تركز إنتباهها على الهزيمة ... وعدم وجود التواطؤ والذي شكل خطرا فعليا.
3 . لا ريب في انه كان من الصعب ألا يلاحظ العملاء السريون الامريكيون والاسرائيليون تحركات قوات كبيرة ناهيك عن التقارير ذات الطابع المحدد اكثر الآتية من العملاء حول عمل" الاماكن الطيبة " في الجهاز العسكري وجهاز الدولة في مصر . فهذه التقارير قد أهملت لهذا السبب او ذاك بدون ان تترك عواقب ، لأنه تقرر سوية مع الأمريكيين ان يجري " التراجع " في الفترة الاولية ، أي اعطاء السادات الفرصة لبدء الحرب ، وبعد ذلك توجيه ضربة تلحق الهزيمة به.
4 . انطلاقا من عدم توفر النية لدى السادات لتحرير الاراضي المحتلة من قبل الاسرائيليين باستخدام العمليات العسكرية ، بل فقط " ممارسة لعبة" بموافقة الولايات المتحدة ، ولم تكن لديه أية مسوغات لجر الاتحاد السوفيتي إليها: اذ كان يعرف موقف الاتحاد السوفيتي الجاد من قضايا الحرب والسلم ، وتنبأ مسبقا بأن الاتحاد السوفيتي سيسعى الى ايقاف الحرب ، اي منعه من ممارسة اللعبة. علما ان الذخيرة كانت غير كافية لديه لممارسة لعبة الحرب.
5 . يبدو ان السوريين كانوا يعرفون نوايا السادات في ان يمارس فقط لعبة الحرب سوية مع الولايات المتحدة .ومن الطبيعي لم يكن من العسير بالنسبة لهم التنبؤ مسبقا بأن سورية ستقوم بدور " المهزوم" ، لأنهم كانوا يدركون ان القوات الاسرائيلية الرئيسية ستوجه ليس ضد مصر بل ضد سورية ولا يعتزم السادات خوض أي حرب على جبهتين.
6 . لم يرد اي رد فعل من جانب الاتحاد السوفيتي حين حذره السوريون في 4 اكتوبر ( تشرين الاول) ، وطرحوا المسألة بشكل ملموس أكثر حين كان من النافع فعلا ايقاف العمليات الحربية ، اي عندما بلغت القوات السورية الحدود القديمة.
7 . لم تواصل القوات المصرية الهجوم في عمق سيناء لأن هذا لم يكن يتفق مع خطة السادات – في ان يبدأ الحرب فقط ثم ينتظر تدخل الولايات المتحدة. علما ان هجوم المصريين كان يمكن ان يؤدي الى هزيمة اسرائيل ، وهو ما لم يدخل أبدا في خطط الولايات المتحدة.
8 . لم توجد لدى مصر خطة الزحف الى عمق سيناء. وفي أقصى الاحوال كان السادات مستعدا للإكتفاء بالحفاظ علي أي رأس جسر خلال فترة من الزمن ، لأن المسألة كانت فقط تظاهرة عسكرية.
9 . كان بوسع الولايات المتحدة ،طبعا، منذ الأيام الاولى ،وقبل ان يبدأ الاتحاد السوفيتي في تقديم المساعدة الى العرب، مساعدة اسرائيل بنشاط ، لكن في هذه الحال كانت ستنهار فكرتهم الاساسية في الحفاظ على المصالح الامريكية نفسها ، ألا وهو حلق إنطباع بأن الولايات المتحدة أنقذت اسرائيل. ووجب على الاسرائيليين إراقة شئ من الدماء من أجل ضمان المصالح الامريكية.
10. لهذا السبب قدم الامريكيون طلائع القوات الاسرائيلية في سيناء ، بموافقة القيادة العليا الاسرائيلية، قربانا لأهداف " السياسة العليا".
11. إن دخول الأردن الحرب كان سيقود إما الى هزيمة اسرائيل وإما الى كشف اللعبة المصرية كليا أمام الجميع. وصدر الأمر الى الملك بالبقاء في مكانه.
12. ان الانفصال بين جناحي القوات ربما كان خطأ فاحشا ، لكن تم بهذه الطريقة بالذات اظهار موقع ضعف المصريين امام اسرائيل ، لأن اهداف الولايات المتحدة كانت تتضمن إضعاف الجيش المصري أيضا.
13. إن اختراق أول الدبابات الاسرائيلية كان في أغلب الظن نتيجة توزيع القوات المصري المعد مسبقا بمهارة.
14 . لم يرغب السادات في سد الثغرة لأنه تلقى في أغلب الظن تحذيرا من الامريكيين بأن الحدث الذي يتحكم به الامريكيون ضروري من اجل تبرير التدخل الامريكي في لعبة الشرق الاوسط.
15. لم يرغب السادة في وقف اطلاق النار منذ الايام الاولى لأن اللعبة لم تكن قد أنجزت بعد: إذ وجب طبقا لقواعد اللعبة أن يوجه الضربات الى الاسرائيليين. لكن " خانته" الجودة العالية للسلاح السوفيتي والروح الوطنية لدى الجنود والضباط. ولم يطلب منا العمل على وقف اطلاق النار الا عندما رأى ان الامريكيين قد خدعوه.
16. لم يتفق السادات مع الاتحاد السوفيتي بشأن وقف اطلاق الناس لأنه لم ترد إشارة من الامريكيين ، بأن يتدخلوا الى جانب مصر. وأحبط الاتحاد السوفيتي بأفعاله لعبة السادات مع الولايات المتحدة.
17. كان يجب عدم نشر قوات الاحتياط وراء خطوط الجبهة في مصر حيث وجب على السادات وفق قواعد اللعبة ان ينقل الجيش كله الى الشرق.
18 . ان طلب السادات بصدد ارسال مبعوث سياسي امريكي الى القاهرة كان اجراءا مدبرا مسبقا للخطوة المقررة من قبل حول اقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة. وليس من قبيل الصدف ان أشار السدات لدى استفسار السفير السوفيتي حول السبب الذي جعل مصر تعجل في اعادة العلاقات الدبولماسية مع الولايات المتحدة الى انه اقترح منذ فترة العمليات الحربية حضور مبعوث سياسي امريكي في القاهرة.
19 .لم يكن من منفعة السادات البتة ان يدفع الامريكيين نحو الاتحاد السوفيتي ، لأن هدفه كان التعاون مع الامريكيين بدون الاتحاد السوفيتي. أن غياب الاتحاد السوفيتي كان الشرط الرئيسي للتدخل الامريكي.
20 . كانت زيارة فهمي الى واشنطن اول خطوة سافرة تدل على انعطاف السادات نحو الولايات المتحدة. فلم يكن لديه اي مغزى لابلاغ الاتحاد السوفيتي بهذا التحول والانعطاف.
21 . ان غياب المعلومات حول خطوات السادات اللاحقة تنطبق تماما منطقيا مع سياسته في الانعطاف باتجاه الولايات المتحدة. فماذا كان سيبلغ الاتحاد السوفيتي؟ هل سيبلغه بأنه يعتزم سوية مع الولايات المتحدة تقليص العلاقات مع الاتحاد السوفيتي؟
22 . أوقف المصريون المشاورات مع الاتحاد السوفيتي بصدد مؤتمر جنيف لأنهم اقتنعوا( أو علموا) ان الولايات المتحدة لا تريد هذا المؤتمر ، انها ليست بحاجة اليه ، اذ سيرى هناك بشكل ساطع دور الاتحاد السوفيتي ، أي ان هذا يتعارض تماما مع هدفها الرئيسي – دخول الشرق الاوسط بمساعدة السادات.
23 . ان السادات لم يعط حق قدره أبدا موقف الاتحاد السوفيتي في حرب اكتوبر(تشرين) لأن هدفه الرئيسي كان إحداث الانعطاف بإتجاه الولايات المتحدة ، وتطلب ذلك ولو التلميح بأن الاتحاد السوفيتي لم يعمل شيئا ما بصورة مقبولة. فكيف كان بالمستطاع عندئذ التحدث عن موقف الاتحاد السوفيتي ؟
24 . كان توجيه الطلب المفاجئ بالحصول على الطائرات بمثابة " لقية" بالنسبة الى السادات. وكان ذلك السبب الذي استخدمه مستقبلا لتبرير سلوكه حيال الولايات المتحدة. وهذا ما جرى في الماضي ايضا. بعبارة أخرى انه استخدم الاسلوب المألوف – هذا لو اننا لبينا طلبه بالموافقة على تقديمها لوجد حجة آخرى مماثلة.
26 . رفضت سورية فجأة المشاركة في مؤتمر السلام، وفي اغلب الظن عندما علمت ان مصر وكذلك الولايات المتحدة لا تعتزمان المشاركة فيه. انهم في سورية علموا بنوايا مصر والولايات المتحدة في التواطؤ على اجراء صلح انفرادي ، وسيدفع ثمنه السوريون كما كانت الحال في الايام الاولى للحرب.

الموجز

اذن ان العمليات الحربية للعرب في أكتوبر (تشرين الاول) عام 1973 قد تركت الكثير من الأسئلة – المحيرة .. والمشروعة والمنطقية. وفعلا من الصعوبة بمكان ايجاد حدث تأريخي كبير من الماضي القريب ابرز مثل هذا العدد من التساؤلات ، حيث انبثق العديد من الاوضاع غير المعقولة التي لا توجد ايضاحات لها.
لم توجد ايضاحات ؟ هل ان الأمر كذلك حقا؟
نعم ، لا توجد إجابات عن كثير من الاسئلة حتى أبسطها، إذا ما أتبع منطق أحد الاطراف ، إذ انها تعطى فرضيات لافعال السادات بدوافع معينة ، يود أحد ما افتراضها. وإذا ما أعتبر السادات وطنيا حقا في بلاده ، ولم يقدم على عقد صفقات قذرة مع خصومه السياسيين ، وهذا حال الولايات المتحدة على الدوام، فهو شئ . ونحن لن نجد هنا أجوبة عن ابسط الاسئلة.ولا يمكن ان ننسب عبقرية وتنظيم المصريين .. الى غباء وسهو الامريكين ، والى غباء وسهو الاسرائيليين ... فالاسرائيليون ليسوا اغبياء ، ولديهم مخابرات جيدة – على أي حال افضل مما لدى المصريين . هذه حقيقة لا مراء فيها.
لكن اذا ما نظرنا الى جميع الاسئلة المنبثقة من منطق آخر ، اي افتراض دوافع أخرى لسلوك السدات ، وكذلك لسلوك الامريكيين والقيادة العليا في اسرائيل، ولم نعتبرهم من الاغبياء والسذج ، فعندئذ نحصل على صورة مغايرة. عندئذ نحصل على صورة حتى تبعث على الرعشة : وهي صورة وجود تواطؤ بين السادات والولايات المتحدة والقيادة العليا في اسرائيل. وكل طرف يرمي في هذا التواطؤ الى تحقيق اهدافه الخاصة. التواطؤ الذي لا يعرف كل طرف فيه جميع تفاصيل لعبة الطرف الآخر. التواطؤ الذي يسعي فيه كل طرف الى خداع الطرف الآخر.
واذا ما افترضنا ذلك نحصل على صورة عجيبة. فأننا سنجد الاجوبة المنطقية والوحيدة عن جميع الاسئلة الغريبة التي لا توجد لها اجوبة .
كما يمكن للمرء ان يتصور وضع وسلوك بعض اطراف هذه اللعبة الدموية؟

مصر

يغدو الوضع الداخلي بالنسبة للسادات لا يحتمل أكثر فأكثر . فشعبتيه تتدهور حتى بين أوساط الذين يحمي مصالحهم – اي البرجوازية المصرية.
إنه بالنسبة لها مجرد شخصية عابرة – فهو لا يتمتع بذلك القدر من الذكاء والحزم في الدفاع عن مصالحها. انه يمهد الطريق للبرجوازية في وضع صعب حيث ما زال نفوذ المبادئ الناصرية سائدا. ودعه يصفي الناصرية باسرع وقت ممكن ، وعندئذ سيرحل - لأن البرجوازية بحاجة ليس الى زعيم يترنح في موقعه بل الى زعيم حازم ، ورجل " يقف معها حتى النهاية". اما السادات فقد أبدى الكثير من المجاملات للاتحاد السوفيتي ولو انها كلامية.
ولم يفلح الرئيس في تنفيذ وعوده وشعاراته حول الأعوام " الحاسمة". ومضت الأعوام ولم تنجز اي حلول للنزاع مع اسرائيل. وتدهور الوضع الاقتصادي كثيرا بعد أن أقصى حكومة صدقي ، آخر المدافعين عن الناصرية في الاقتصاد ، لأن البرجوازية المصرية تريد الانتقام لجميع ما عانته في السابق.
أثار القلق البالغ تراجع مكانة السادات في العالم العربي. وبدأ يشعر ان الرئيس السوري حافظ الاسد لا يثق به ، بالرغم من ادراكه ان سورية الصغيرة بحاجة الى التحالف مع مصر القوية. ولا يمكن اقامة علاقات مع " خير صديق " – الزعيم الليبي معمر القذافي. فان القذافي شعر بالمهانة للغاية من سلوك السادات الذي لم يسمح الى مسيرة تتألف من 100 ألف ليبي للزحف الى القاهرة من أجل تسليم الرئيس المصري عريضة موقعة بالدم تتضمن المطالبة باندماج ليبيا مع مصر فورا.
وكان الملك السعودي فيصل " العبقري الشرير " في العالم العربي ينظر بامتعاض الى مواقف السادات. وبالرغم من انه راض عن سلوك السادات في معاداة السوفيت والناصرية ومغازلة الامريكيين ، لكنه غير راض عن تردد الزعيم المصري في تحرير الاماكن المقدسة لدى كل عربي والتي يحتلها الغزاة الاسرائيليون ، وهو- أي السادات- يقف خلال فترة طويلة جدا مترددا في التوجه الى الاتحاد السوفيتي ام الى الولايات المتحدة. الا ان الملك فيصل يمثل الاموال ، الاموال الكثيرة جدا . والملك يهبها متى ما رغب في ذلك ، وبسخاء ...
اما الزعيم الجزائري هواري بودمين فكان ينظر الى السادات بشئ من الريبة منذ وقت بعيد. وكانت الجزائر تصبو منذ وقت بعيد الى تولي زعامة الامة العربية ، كما كان ذلك في زمن عبدالقادر. كما ان الجزائر تمثل في العالم العربي " بلاد الشهداء" ، والبلاد التي ضحت بمليون شهيد من أجل نيل الحرية. وكان لدى بومدين مفهومه حول كيف تجب ممارسة دور الزعيم. لكن السادات ليس الشخصية المناسبة لذلك. فهو من عيار آخر. ان مصر اكبر بلاد عربية ، لكنها صارت تتخلف في تطورها السياسي بعد رحيل عبدالناصر.
ومكانة السادات ليست افضل في البلدان العربية الأخرى. لكن بوسعه عدم ايلاء الاهتمام لها ، ودعها نفسها تأخذه في الحسبان.
بدا ان السادات قد أوضح موقفه من الاتحاد السوفيتي . وبإعتقاده انهم هناك يعرفون بأنه ليس صديقا لهم: فقد فقد أودع في السجون رفاق عبدالناصر ، وطرد الخبراء العسكريين السوفيت مجللين بالعار ، ورفض تسديد الديون بشكل استعراضي ، وكذلك اقصاء حكومة صدقي ، والاقوال الفظة التي اوردها السادات بحق القادة السوفيت – وقد فعل هذا كله بغية ان تصل احاديثه الى موسكو حتما : وفي عام 1973 رفض السادات استقبال رئيس الدولة السوفيتية بذريعة أراد نفسه ان تكون مضحكة وان يظهرها للروس كما طلب ان يأتي الى القاهرة رئيس لجنة أمن الدولة السوفيتي كما لو انه يجب ان يقدم تقريره اليه وهلمجرا ، وبضمن ذلك بث الاشاعات بين فترة وأخرى بصدد رغبته في إلغاء معاهدة الصداقة السوفيتية – المصرية، وخلق المضايقات للسفن الحربية السوفيتية في الاسكندرية. وكذلك نشر افراد حاشيته المقربون بإيعاز منه مقالات معادية للسوفيت وغير ذلك.
كان السادات واثقا بأن الاتحاد السوفيتي يهتم باقامة علاقات طيبة مع مصر ، أكثر من إهتمام مصر بإقامتها مع الاتحاد السوفيتي . ومعنى ذلك انه قرر خياره في الجهة التي ينضم اليها. وحتى ذلك الحين يمكن الاستفادة من الاتحاد السوفيتي قدر الامكان.
كما لم يكن السادات يتمتع بمكانة في الغرب ، ولوحظ ذلك من سلوك البلدان حياله. وكانت البلاد الوحيدة التي غالبا ما تخاطبه وبكل احترام هي الولايات المتحدة وقادتها. وعندما اعلن هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي الجديد بصراحة ان الهدف الرئيسي لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط هي ابعاد الاتحاد السوفيتي من هذه المنطقة ، شعر السادات ان هناك قوة واحدة فقط يمكن ان تساعده في البقاء في السلطة. انها ليست ممثلة بالكادحين في مصر والبلدان العربية الاخرى – بل انها قادة الولايات المتحدة. فهم وحدهم يتمتعون بالامكانية ما اذا ارادوا في الضغط على اسرائيل. ولا ينتظر ذلك من الروس ، وهم انفسهم اعترفوا أكثر من مرة ، بأنه لا تتوفر لديهم الوسائل لآجبار اسرائيل على تغيير سياستها. انهم كانوا يعنفون الولايات المتحدة بهمة مشيرين الى ان سياسة الولايات المتحدة بالذات تحول دون احلال السلام العادل في الشرق الاوسط : لأن الولايات المتحدة تتمتع بالامكانية لممارسة الضغوط على اسرائيل ، لكنها لا تريد ذلك. ومعنى ذلك ان الروس يعترفون بان الولايات المتحدة قادرة على الضغط على اسرائيل ، أي مساعدة السادات.
ويتبقى أمل واحد هو اقامة العلاقات مع الولايات المتحدة.بيد ان سمعة الولايات المتحدة مشينة في العالم بأسره ، ناهيك عن منطقة الشرق الاوسط. وقد وجه السادات نفسه اللعنات أكثر من مرة الى الامبريالية الامريكية. اذن ما العمل اذا لا يوجد مخرج آخر؟ ألا يمكن عقد صفقة والتوصل الى حل وسط مع العدو ؟..أي الولايات المتحدة – يجب امعان الفكر في هذه المسألة. وبرأي السادات ان الولايات المتحدة ليست عدوا سياسيا ، بل انها فقط احدى " الدولتين الاعظم" التي تكافح من اجل السيطرة على العالم. وبرأيه ان الاتحاد السوفيتي لا يختلف عن الولايات المتحدة في شئ من هذه الناحية. تلك هي فلسفة النزعة القومية البرجوازية.
يجب من اجل اقامة علاقات مع الولايات المتحدة التخلي عن العلاقات الوثيقة مع الاتحاد السوفيتي. وقد ادرك السادات ذلك منذ وقت بعيد. وقد عمل كل شئ من أجل ذلك. وفي هذا المضمار كان كل شئ جاهزا. والامريكيون يعرفون ذلك. انهم يرون ما يجري في مصر ، ويتلقون الرسائل من السادات.
كان السادات بحاجة فقط الى ذريعة جيدة جدا من اجل القيام بالانعطاف السافر. الذريعة التي تكون مقنعة لشعبه ولحكام الاقطار العربية الاخرى وشعوبها ، لأنه يجب ان يعاد تكوين هالة حول رئيس مصر باعتباره زعيم الأمة العربية بأسرها.
وهكذا أتخذ القرار: يجب تعديل مكانته المتزعزعة ( والتي كان الشعب يتحدث عنها بصراحة) في داخل البلاد وفي الخارج بمعونة الولايات المتحدة. لكن يجب القيام بذلك بواسطة تظاهرة علنية ، امام سمع وبصر الجميع ، وبغية صعود المنصة ، وبعبارة مجازية " المجئ على صهوة جواد".
ماذا يمكن القيام به لهذا الغرض من العمليات العسكرية؟ فقد قال الرئيس نفسه مرة في نوبة صراحة غير مفهومة ( او ثرثرة؟): " اذا ما تم تحرير الاراضي العربية بدون حرب ، ولو بدون حرب صغيرة ، فسيكون ذلك أسوأ من مواصلة احتلال العدو للأرض".
ومعنى ذلك لا بد من خوض العمليات العسكرية. كلا ، ليس الحرب ، بل العمليات التي لن تقود الى الهزيمة ، بل تساعد على حفظ الكرامة. لكن من يعرف كيف سيكون سلوك الاسرائيليين ؟ اذ يمكن ان يوجهوا ضربة جوابية عنيفة تعادل الهزيمة. من هنا يستخلص الاستنتاج التالي: يجب العمل على ألا يحدث ذلك. ولا يمكن بلوغ ذلك إلا عبر الامريكيين.
اذن كانت خطة العمل واضحة بالنسبة للسادات. يجب خوض العمليات العسكرية ، وهي ستساعد على " تخفيف الضغط" في داخل الجيش. ويجب ان تظهر قدرات القوات المسلحة المصرية، ويقصد بذلك طبعا اظهاره نفسه بصفته القائد الاعلى ( اذ يكسب الحروب دائما القادة الكبار) من خير وجه. ويجب ألا يراد من هذه العمليات تحقيق نصر كبير ، فلا حاجة اليه ، با انه حتى غير ممكن – اذ يقول الجميع ان القوات المسلحة المصرية مجهزة بأسلحة سوفيتية من نوعية غير جيدة. طبعا ان الاتحاد السوفيتي سيدعو صارخا مجددا الى السلام وسيعمل كل ما في وسعه من أجل ايقاف اطلاق النار ( اذ ليس من مصلحتهم – أي السوفيت-الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة ). واذا فضح الاتحاد السوفيتي نفسه فسيكون من الاسهل بالنسبة له اقامة العلاقات لاحقا مع الامريكيين ، اذ سيكون مطلق اليدين و حرا في العمل. وسيلقى اللوم في جميع الاخفاقات والهزائم العسكرية وغيرها على السلاح السوفيتي السئ، وقلة الارساليات والموقف السياسي للأتحاد السوفيتي الذي يمكن اتهامه بأنه انتزع النصر من ايدي العرب.( بالمناسبة ان هذا ما قاله الرئيس المصري للسفير السوفيتي في سياق العمليات العسكرية :"انتم تريدون انتزاع النصر من أيدي العرب !". ولكنه استطرد قائلا :" لقد تبين للعرب بوضوح احتمال تكبدهم هزيمة عسكرية ساحقة لا نظير لها. مع هذا ان استخدام السادات لهذه العبارة له دلالته).
لهذا وضعت أمام القوات مهمة الحد الأدنى وهي عبور قناة السويس والاستيلاء على رأس جسر – لا يهم كم ستكون مقاييسه- والاحتفاظ به اطول فترة ممكنة بغية بدء اللعبة السياسية .. بمعونة الامريكيين. ووجب استدعاؤهم الى الشرق الاوسط.

الولايات المتحدة



لقد ابعدت رياح حركة التحر الوطني الولايات المتحدة عن الشرق الاوسط ، لكن هذه المنطقة هامة جدا بالنسبة لها : فهناك أضخم احتياطيات للنفط في العالم ، وفيها قناة السويس الاستراتيجية ، كما توجد هناك المشارف الجنوبية القريبة من الاتحاد السوفيتي ، ويوجد هناك أسوأ شئ – الا هو مركز الصراع ضد الاستعمار والامبريالية ، ولذلك فان نفوذ الاتحاد السوفيتي السياسي هناك كبير جدا. وتوجد هناك اسرائيل – القلعة الامامية للولايات المتحدة ، والتي تبقى على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاما في حالة فزع مما يترك انطباعا بالغا لدى العرب ، والاعتماد على القوة ، حقا يجب تعزيزها. ينبغي دعم اسرائيل ، وينبغي الحفاظ عليها حتى لدى اتباعها النهج السياسي الذي تتبعه حاليا – رفض اية " تصرفات يسارية " ، ويجب التمسك بالعنصرية الخالصة اي الصهيونية. علما بأنه لابد من ملاحظة ان الدول العربية تتطور وتغدو أقوى يوما بعد يوم ، ولا تفتر عزيمتها في تحرير الاراضي التي احتلتها اسرائيل ، ومع تناميها تزداد قوتها فحسب . وبفضل الاتحاد السوفيتي اصبحت قوتها العسكرية أكبر ، اما عدد نفوس اسرائيل فلا يمكن مقارنته بالدول العربية المجاورة.
يجب على اسرائيل ابداء مرونة أكبر. ان سياستها متشددة وفظة ، وهي تسئ الى سمعة صديقتها وحاميتها – الولايات المتحدة ، وتعرقل مساعي امريكا في اقامة العلاقات مع البلدان العربية. ومعنى ذلك تنبثق لدى الولايات المتحدة مهمة مزدوجة حيال اسرائيل – هي عمل كل ما يمكن من اجل الحفاظ على دورها كسند لها ، والعمل على تخفيف عجرفتها قليلا ، وارغام الاسرائيليين على التنازل قليلا خدمة لمصلحتهم انفسهم من اجل المحافظة على الشئ الرئيسي. فكيف يتم ذلك ؟
يجب الحصول على امكانية " انقاذ" اسرائيل ، حين تواجه المصاعب ، لكن يجب "انقاذها" بصورة دراماتيكية وجلية للعيان ، بغية ان يرى ذلك في اسرائيل وان يظهر بصورة منطقية بالنسبة للعرب – فهم اعتادوا على اعتبار ان الولايات المتحدة تقف الى جانب اسرائيل في كافة الاحوال. وفي الوقت نفسه يجب ان يبين للاسرائيليين إنهم يجب أان يقدموا شيئا من التازلات وبهذا يتولد انطباع مؤثر لدى العرب بغية ان تنتشر الاشعات حول " تغير" موقف الولايات المتحدة من الدول العربية. ومن هنا يبرز الحل المحتمل : يجب منح العرب امكانية توجيه الضربات الى اسرائيل – ضربات غير عنيفة بإسلوب يتم التحكم به أن جاز القول : التضحية ب " عدد ما " من الاسرائيليين من اجل " إنقاذ " اسرائيل لاحقا.
ومعنى ذلك ان المعلومات التي وردت الى الامريكيين عبر المخابرات حول الاستعدادات العسكرية في مصر اتاحت لهم فرصة إقامة ‘تصال مع السادات ، والتلميح له بان الولايات المتحدة موافقة على العمليات العسكرية – طبعا اذا لا تجاوزت الاطر اللازمة. وهذا سيساعد الولايات المتحدة على " ادارة وجهها نحو مصر" ، ويبرر افعال الحكومة الامريكية امام الرأي العام.
ولربما ان الولايات المتحدة قد ألمحت الى السادات بأنها لاتعارض البتة في شن عمليات عسكرية " محدودة".
ولسخرية القدر ان ما حدث هو ان الولايات المتحدة علمت بالتحضير للعمليات العسكرية ، اما الاتحاد السوفيتي حامي مصالح العرب فلم يعلم شيئا من ذلك.

اسرائيل    

لا تسطيع الفئة الحاكمة في اسرائيل الإمتناع عن مساعدة حاميتها الرئيسية وولية نعمتها – الولايات المتحدة الامريكية. ولو تصورنا للحظة وجود اسرائيل بدون الدعم الامريكي الكامل ، بالاخص في المجالين العسكري والاقتصادي ، فأنه يتضح للجميع ان الدول العربية ستقضي على اسرائيل في لحظة خاطفة – مهما كانت سياستها. علما ان الولايات المتحدة بحاجة الى ان يكون الوضع في الشرق الاوسط اكثر استقرارا. وليس لديها من صديق آخر فيما عدا اسرائيل سوى الملك فيصل. وهذا قليل. يجب ان يتوطد نفوذ الولايات المتحدة في البلدان العربية ، على أقل تقدير الكبيرة منها ، التي تهدد اسرائيل ، وعندئذ يمكن التعويل على ان تراقب الولايات المتحدة افعالها. والشئ الرئيسي هو انه في حالة دخول الولايات المتحدة الى الشرق الاوسط فمعنى ذلك تقلص نفوذ الاتحاد السوفيتي فيه. فكل شئ يستثني الآخر. وسيعني ذلك تقلص الايديولجية التقدمية ، وتحول الانظمة الداخلية بإتجاه اقامة دول رأسمالية عادية الطراز. والرأسمالي يجد لغة مشتركة مع الرآسمالي دائما بشكل أسرع : فالنقود عديمة الرائحة ولا تفرق بين الناس طبقا للون البشرة او المعتقدات.
اذن ان تقوية نفوذ الولايات المتحدة في العالم العربي مفيد لاسرائيل. اذن يجب مساعدة الامريكيين فهذا في مصلحة اسرائيل نفسها. لكن كيف يتم ذلك؟
قبل كل شئ يجب البحث عن الحلقة الاضعف. وتعتبر مصر بلا جدال هذه الحلقة في العالم العربي. ويعرف الجميع موقف السادات من الحركة التقدمية في داخل البلاد وبشكل خاص حيال الاتحاد السوفيتي. بالاضافة الى كونها اكبر دولة عربية. اما سورية فيمكن ان تتم المحاولة للتخلص منها بطريقة عسكرية، فالفرص عندئذ طيبة.
هل يستعد السادات للحرب ؟ حسنا. كيف يمكن ان يقاتل؟ فقط بعبور قناة السويس . هل تحتاج اسرائيل من وجهة النظر الاستراتيجية الى خط دفاع طويل على امتداد قناة السويس كلها؟ انه لا ينفع. والأفضل بكثير اقامة الدفاع بنقاط حيوية صغيرة – مثلا في ممري متلا والجدي الجبليين في شبه جزيرة سيناء. ففي حرب عام 1967 أصر كثيرون ، ومنهم موشى دايان ، على الانسحاب من القناة واقامة خط الدفاع في هذين الممرين. لكن انتصرت يومذاك الاعتبارات السياسية. اذن فخط الدفاع على القناة لا يعتبر مكانا مباركا. وفي أغلب الظن ولدت بالاشتراك مع الامريكيين فكرة احتمال الانسحاب لدى الضرورة من خط الدفاع على امتداد القناة. طبعا ان هذا سيتم في أسوأ الاحوال ، لكن يجب القتال ، فلا يسلم الخط بلا قتال.
أما فيما يتعلق الأمر بسورية فأن المسألة اكثر صعوبة. ان المسافات هناك قصيرة وقد يزحف السوريون الى الوديان في داخل اسرائيل نفسها. وهنا لا يمكن التنازل عن شئ. هنا يجب العمل في الاتجاه المعاكس مباشرة – يجب استغلال الفرصة السانحة وتفتيت القوات المسلحة السورية بغية ألا تستطيع الصمود.
ولهذا وجهت القيادة العليا الاسرائيلية جميع القوات الى الحدود مع سورية ، في اغلب الظن انها تلقت معلومات حول تحشد القوات المصرية والوسرية بشكل منقطع النظير ، ولم ترسل اية تعزيزات الى سيناء وقناة السويس حيث تقدمت قوات مصرية ضخمة وبقدر أكبر . ووجب على الجنود الاسرائيليين في سيناء القيام بدورهم في المسرحية السياسية – دور المعذبين الذين حكم عليهم بالهلاك مسبقا.

الاتحاد السوفيتي

لقد كان استئناف العمليات العسكرية في الشرق الاوسط فعلا امرا غير مرغوب فيه كليا بالنسبة الى الاتحاد السوفيتي.ولو انطلاقا من انها لم تكن محاولة نزيهة من مصر لاستعادة الاراضي العربية التي احتلتها اسرائيل. علاوة على ذلك فان العمليات العسكرية بحكم طابعها كانت دوما غير معروفة النتائج . انها الوسيلة القصوى وغير المرغوب فيها جدا. بالاخص ان احتمال هزيمة الجيوش العربية كان كبيرا جدا لاسيما بعد سحب الخبراء العسكريين السوفيت.
لكن ما دامت العمليات العسكرية قد بدأت يجب تحديد الموقف. ولم يكن ذلك أمرا عسيرا. نعم استجاب الاتحاد السوفيتي الى رغبة الاسد قبل بدء العمليات العسكرية بأن يطرح الاتحاد السوفيتي بعد بدء العمليات العسكرية مبادرة ايقاف اطلاق النار وبقاء القوات في المواقع التي تشغلها.
ودعا الاتحاد السوفيتي مصر وسورية ، الى جانب تقديمه مساعدات عسكرية عاجلة بكميات ضخمة ، الى ايقاف اطلاق النا ر ، بينما كان ذلك في ذلك الوقت غير نافع بالنسبة الى مصر وسورية. فقد حقق العرب نجاحات عسكرية كبيرة وغير متوقعة في الايام الاولى : اذ تم عبور القناة في جبهة واسعة واستعاد السوريون مرتفعات الجولان وفي بعض الاماكن بلغوا حدود عام 1967 . لكن السادات ابدى العناد والاصرار. لماذا ؟
يمكن الافتراض بان لعبة السادات احبطت منذ البداية . وسارت جميع الامور في مسار غير مقرر.
ووقف الاتحاد السوفيتي بحزم الى جانب الدول العربية ليس سياسيا فقط بل بإرسال احدث المعدات العسكرية. وفي الواقع انه غامر بالدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة. ولكن السادات لم يضع هذا في حسابه ابدا.
والضربة الاخرى هي ان السلاح السوفيتي الذي كان لدى الجنود والضباط المصريين كان كما تبين عالي الكفاءة. وكان أفضل من السلاح الامريكي الموجود لدى الاسرائيليين.
وثمة ضربة أخرى هي ان تدريب القوات الذي جرى ايامذاك تحت اشراف المستشارين والخبراء السوفيت بموجب طرق التدريب القتالي السوفيتية كانت تتفوق في حالات كثيرة على كفاءة تدريب الاسرائيليين. تضاف الى ذلك الروح المعنوية العالية للجنود والضباط المصريين. وكان هذا كله شيئا غير متوقع.
لقد عبرت القوات المصرية القناة في الوقت المحدد وفي فترة أقصر لحد ما مما كان مخططا له.اما الخسائر فكانت بنسبة 10 بالمائة من الافراد بينما كان من المتوقع ان يبلغ الثلث. وانتصر العرب على الاسرائيليين. وكان هذا نبأ رائعا لدى السادات ، كما كان في الوقت نفسه نبأ سيئا: فقد انهارت خطط اللعبة. فماذا سيعمل الامريكيون ؟ وكيف سيكون دورهم ؟ ان السادات تجاوز قواعد اللعبة التي حددها لنفسه ، ومارس دوره جيدا جدا فيها.
ولهذا أوقفت القوات المصرية زحفها بعد عبور القناة. انها وقفت فحسب على مسافة 3-5 كيلومترات عن القناة - ولم تتوفر الخطط العسكرية لما يجب عمله لاحقا. كما لم تكن امامها قوات اسرائيلية ، لأن القوات الرئيسية الاسرائيلية كانت على الجبهة السورية.
وصار السادات ينتظر مجئ القوات الاسرائيلية! شئ غريب ، لكنه واقع . وقال السادات الحقيقة تقريبا :... قال الحقيقة للاتحاد السوفيتي.. وتوقف وانتظر، حدث هذا في الحرب التي تلقى فيها السوريون ضربة الجيش الاسرائيلي كله.
لم يقبل السادات اية نصائح : بشأن ايقاف اطلاق النار او مساعدة السوريين. كان ينتظر لأنه وجب ان يعطي الفرصة الى الامريكيين للانخراط في اللعبة ، بعد ان انتهكت جميع الخطط.
اما الولايات المتحدة فأنها خلال اسبوع تقريبا لم تقدم اية مساعدة عسكرية تذكر الى اسرائيل : فقد حدث اختلال في قواعد اللعبة لديهم أيضا. ولم يكن يشغل بالهم مصرع الاسرائيليين على القناة ، فقد كان هذا " ضمن الخطة".
لكن سرعان ما أتضح شئ آخر. فقد تكبد الجيش الاسرائيلي خسائر فادحة في الافراد والمعدات على الجبهة السورية. كما ان خسائر اسرائيل على الجبهة المصرية - لاسيما في المعدات الغالية الثمن – كانت كبيرة للغاية : اذ كانت الصواريخ السوفيتية المضادة للطائرات والدبابات تصيب اهدافها بدقة. وبلغت الخسائر فى الدبابابت عدة مئات وفي الطائرات – العشرات. وهذا كله لم يكن مدرجا في الخطة. وهكذا تحولت العملية العسكرية " المحدودة" ، المتفق عليها مع السادات، الى ترف غالي الثمن ، كما كانت تهدد بفشل اللعبة كلها ، أي هزيمة اسرائيل – أحد اللاعبين الرئيسيين فيها.
لقد اضحت الولايات المتحدة من الناحية السياسية في حالة عزلة تقريبا، بالرغم من ان الجميع كانوا يعرفون ان العرب بدأوا الحرب. ولم يتراجع الاتحاد السوفيتي عن مواقفه ، وابدى الصلابة ، بالرغم من انه اقترح على الامريكيين القايم بأعمال مشتركة من أجل احلال السلام الحقيقي أي العادل في الشرق الاوسط.
وأضطر الامريكيون ، لو بصورة متأخرة ، الى فتح جبهة واسعة من الارساليات العسكرية الى اسرائيل المؤلفة من المعدات وحتى مع العسكريين الامريكيين.
كما ان القيادة العسكرية والقيادة السياسية في اسرائيل أصابها القلق من نتائج الايام الاولى للعمليات القتالية التي جرت بشكل يختلف تماما عما كان مقررا. فقد كانت القوى كلها موجهة ضد سورية لكن الخسائر الطبيعية كانت جسيمة ، واصبح كل كيلومتر بمثابة كابوس. حقا ان السادات انقذ الوضع: اذ اوقف قواته ولم يتقدم، بالرغم من انه كان بالمستطاع نقل جميع القوات الى سورية. وبدأ وصول طائرات ودبابات ومروحيات ووسائل توجيه امريكية جديدة الى اسرائيل. ورفع الحظر عن قصف دمشق واللاذقية. وسرعان ما تراءت امكانية تحقيق النصر التام بالاستيلاء على دمشق . وكان هذا النصر ثقيلا ، وكان الافضل ألا يحدث. وتراجع السوريون لكن لم يلحق قواتهم الدمار ، وعوضت المعدات العسكرية السوفيتية مكان المدمرة – اذ كان هدف اسرائيل هو تدمير سورية التام من الناحية العسكرية. لكن هذا لم يتحقق.
وعندما بدا ان من الواجب القيام بهجوم آخر وستسقط دمشق أوقف الاسرائيليون الهجوم. ولم يحدث هذا برغبتهم فحسب. فقد اضطروا الى ايقافه بسبب الصعوبات وربما ورد الأمر بأن الاستيلاء على دمشق سيجعل من الصعب تنفيذ لعبة الامريكيين الرامية الى كسب ثقة العرب. فمن سيتحدث الامريكيون معهم اذا ما سمحوا للاسرائيليين بالاستيلاء على دمشق ؟
كما ان السوريين لم يكونوا قادرين على الهجوم على اسرائيل – وهذا يكفي. الآن يجب معاقبة السادات – فقد ظهر ان جيشه ذا فعالية قوية جدا ، والشئ الرئيسي انه في هذه الايام لم يبتعد عن الاتحاد السوفيتي بل إلتصق به كما يبدو: فليس من العبث ان ارسلوا له السلاح عبر جسر جوي. والارساليات بواسطة البحر؟ هل انها بقيت بعيدة عن الانظار. فلم تدخل وتخرج من الاسكندرية الميناء المصري الوحيد على ساحل البحر الابيض المتوسط سوى السفن السوفيتية. ولا يتطلب الأمر ان يكون المرء رجل مخابرات محنكا – ويكفي استئجار رصيفين في الميناء لرصد ، ولو بصورة تقريبية ، ما تحمله هذه السفن وعدد العسكريين الذين ينزلون الى البر. ان تدخل الاتحاد السوفيتي قد أفسد اللعبة كلها، وقرر السادات الاستفادة من الطرفين وحلب بقرتين.
توقف الهجوم الاسرائيلي على سورية وزحفت القوات بصورة عاجلة نحو الجنوب ، الى سيناء ، حيث كان السادات ينتظرها على أحر من الجمر.
وماذا عن موقف الملك حسين ؟ ألم يكن باستطاعة الاردن سد هذا الطريق غير المحصن من الشمال الى الجنوب؟ طبعا كان يستطيع ذلك. وقد طرح هذا السؤال على السادات. فـأجاب ان دخول الاردن الحرب لم يكن مناسبا لأنه كان سيمني بالهزيمة حسب زعمه. علما انه لم يكن مطلوبا من الحسين عمل أي شئ على الاخص سوى سد الطريق. لكن هذا لم يدخل في خطط لعبة الامريكيين والسادات . وهكذا تدفقت القوات الاسرائيلية نحو الجنوب دون ان يعترضها أحد.
ان عبور القوات الاسرائيلية الى الضفة الغربية للقناة يعتبر من اكثر الجوانب غموضا في هذه العمليات العسكرية. فما حدث هناك هو أحد أمرين: اما عدم كفاءة المصريين عسكريا بشكل يبعث على الدهشة ، وهو أمر يمكن تقبله لكن بصعوبة ، واما انها عملية مدبرة ، وهو امر يصعب تصديقه ، لكنه محتمل.
على أي حال تجذب الانظار رحابة الصدر العجيبة وحتى لا مبالاة الرئيس حيال واقع تسلل الدبابات الاسرائيلية عبر القناة. فقد أجاب عن الاسئلة حين عبرت القناة خمس دبابات فحسب بقوله: ليس في هذا أي خطر ، انها عملية "سياسية"(؟). وحتى عندما تشكل على الضفة الغربية رأس جسر اسرائيلي كبير لم يكف السادات عن تكرار ان هذه المجموعة من القوات لا قيمة لها من الناحية العسكرية !
ان التدابير التي اتخذت من أجل تصفية الثغرة تبعث على السخرية فحسب ، ولم يرغب الرئيس في الاصغاء الى النصائح الواردة من موسكو . وبدا كما لو انه سمح للأسرائيليين عن قصد بالتوغل في افريقيا. وفي أغلب الظن ان هذا بدا غريبا حتى بالنسبة الى الاسرائيليين أنفسهم – على اي حال هذا ما كتبه شهود العيان.
لماذا لم يوقف الامريكيون الاسرائيليين؟ ان الجواب يكمن في رغبتهم في الحصول على أداة للضغط على السادات الذي وفر لهم الفرصة للظهور بمظهر صانعي السلام ومنقذي مصر ، واستغلال الفرصة لحلب بقرتين هما مصر واسرائيل. فقد جرى حتى ذك الحين خرق جميع الخطط ، واضطرت الولايات المتحدة بحكم الظروف وبدون ارادتها الى الغلو في ممارسة دور منقذ اسرائيل أيضا!
لكن تدخل الاتحاد السوفيتي خلط الاوراق مجددا. فقد استطاع الاتحاد السوفيتي بطلب من السادات الذي رأى ان الامريكيين خدعوه الآن من التوصل الى ايقاف اطلاق النار مع بقاء القوات في المواقع التي ترابط فيها. وواصل الاسرائيليون بموافقة الامريكيين بجلاء انتهاك قرار مجلس الامن الدولي وواصلوا هجومهم على قناة السويس سعيا الى عزل الجيش الثالث المصري الموجود في الجناح الجنوبي لسيناء.
ولم ينقذ مصر سوى الموقف الحازم للأتحاد السوفيتي الذي اعلن بطلب من السادات استعداده لأرسال قوات الى الشرق الاوسط من جانب واحد اذا لم ترغب الولايات المتحدة بالعمل المشترك.
وفيما يخص الاتحاد السوفيتي فان العمليات العسكرية المفاجئة في الشرق الاوسط منحته الفرصة لكي يحرك قدما الى الامام قضية تسوية أزمة الشرق الاوسط بالوسائل السياسية. ولهذا اعتبر القرار حول عقد مؤتمر جنيف للسلام في الشرق الاوسط انجازا كبيرا لجميع المهتمين فعلا بتسوية الازمة الخطرة في هذه المنطقة من الكرة الارضية ، واجراء التسوية بالوسائل السلمية.
بيد ان هذا لم يكن مخطط الولايات المتحدة واسرائيل والسادات. وكان كل طرف كما نرى يصبو الى تحقيق اهداف مختلفة تماما بعيدة عن الرغبة في تسوية النزاع لصالح شعوب هذه المنطقة. ولهذا تبدو مفهومة تماما الخطوات التالية لهذه البلدان الرامية الى احباط انعقاد المؤتمر.

أذن .. النتيجة

لقد " انقذت" الولايات المتحدة مصر بتصفية ثغرة الدسرفوار في الضفة الغربية للقناة.
أعطت الولايات المتحدة الفرصة الى اسرائيل( بمعونة السدات) لتوجيه ضربة عسكرية قوية الى سورية.
ضمنت الولايات المتحدة أمن اسرائيل بعقد اتفاقيات فصل القوات مع مصر وسورية ، حيث استحدثت مناطق ترابط فيها القوات الدولية واتخذت إلتزامات جديدة بشأن وقف اطلاق النار.
عوضت الولايات المتحدة اسرائيل عن جميع خسائرها في الحرب (بلا ريب ان الخسائر بالافراد والمعدات لا تعني شيئا بالنسبة الى الولايات المتحدة ).
دخلت الولايات المتحدة الشرق الاوسط بمساعدة السادات في محاولة لاظهار انها صانع السلام الوحيد في هذه المنطقة.
شن السادات ثمنا لهذه الخدمات حملة ضد السوفيت هدفها التشهير بالاتحاد السوفيت وبكل من يرتبط معه. علما ان هذا كان ايضا احد الاهداف الرئيسية للولايات المتحدة.
توطدت مواقع السادات في الاشهر الاولى بعد حرب اكتوبر في داخل البلاد على موجة " الانتصارات".
شغلت مصر في الاسابيع الاولى بعد الحرب عن حق موقعا قياديا بين الدول العربية.
بدا ان جميع الاهداف الموضوعة قد تحققت. فهل ان الأمر كذلك؟
ان هذه كلها ظواهر مؤقتة . فبعد مضي عام ...

ماذا حدث لاحقا؟

اهتزت مواقع السادات مجددا في داخل البلاد بسبب التوجه الكامل نحو الولايات المتحدة ، كما لم يطرأ تحسن على الوضع الاقتصادي ، وما كان بوسعه ان يتحسن في وجود مثل هؤلاء الحكام. وبدأت المظاهرات – بدا وكأنها ذات طابع اقتصادي ، لكنها ذات سمة سياسية.والجدير بالذكر ان السادات بدأ مجددا بإعتقال اليساريين. وهذه علامة غير طيبة بالنسبة له.
تراجعت مكانة مصر مجددا. وصارت اللعنات توجه الى السادات في سورية وفي الجزائر ولدى الفلسطينيين ومن جانب القذافي. بينما كان الملك فيصل بن عبدالعزيز الوحيد الذي ابدى رضاه. كما ربطت اواصر المودة بين شاه ايران والسادات . وهذا فقط. ان هذه الانجازات في مجال السياسة الخارجية متواضعة.
وماذا بعد ؟
هل ستنشب حرب جديدة ؟ بتواطؤ او بدونه؟.
يناير (كانون الثاني) 1975

* * *
زرت الاردن بمهمة رسمية في مارس(آذار) عام 1975 . ودعاني ابوزيد الرفاعي رئيس الوزراء لتناول طعام الفطور في بيته. وكان هناك ايضا عبدالمنعم الرفاعي عم رئيس الوزراء عضو مجلس الاعيان وحسن ابراهيم وزير الدولة للشؤون الخارجية الامين العام لوزارة الخارجية وكذلك السفير الكسي ليونيدوفيتش فورونين وشريكي ساشا كالوغين السكرتير الثالث في السفارة.
وفجأة سأل ابو زيد الرفاعي :" أتعرف ان الرئيس السوري حافظ الاسد على ثقة بأن عبور الاسرائيليين الى الضفة الغربية لقناة السويس في اثناء العمليات العسكرية في عام 1973 قد جرى بموافقة السادات ؟".
فأصابتني غصة في حلقي وبحلقت في رئيس الوزراء. فما معنى ذلك ، هل انهم قرأوا افكاري؟ وأبديت دهشتي ، بل حتى نفيت بشكل قاطع مثل هذه الفكرة ، الا انني سألت الرفاعي:" غير مفهوم ، أمر عجيب – وحتى اذا قبلنا بهذا الاحتمال ، فما حاجة السادات الى ذلك؟".
وأعاد الرفاعي السؤال:" كيف لماذا ؟ ان الأسد على ثقة بأن هذا ما جرى فعلا. اما السبب فهو انه كانت ثمة حاجة لاعطاء الفرصة الى كيسنجر من أجل " التدخل" ، ومنحه الحجة لتنفيذ خطته البعيدة المدى " لفصل القوات ودخول الولايات المتحدة الى الشرق الاوسط".
لم أجبه ولم أواصل الحديث حول هذا الموضوع...
وذكر الرفاعي شيئا آخر. فقد كان الاردن يعرف فعلا بقرار مصر وسورية حول بدء العمليات العسكرية لكنه لم يعرف موعد بدئها بدقة. اما الدور العسكري الذي أعطي الى الاردن فهو عدم التحرك وتحشيد القوات على التلال المشرفة على وادي نهر الاردن – من الجهة المعاكسة فقط. ووجب ان يغطي الاردن الجناح الايسر لسورية.
عندما بدأت العمليات العسكرية وظهرت بوادر النجاح غير المتوقع اقترح الملك حسين على مصر وسورية فورا بدء العمليات العسكرية حالما تبلغ القوات المصرية الممرات في سيناء ، بينما تسيطر القوات السورية على مرتفعات الجولان. وأعطى الرئيس السوري موافقته على ذلك فورا. اما السادات فأنه كان يرسل يوميا برقيات تدعو الاردن الى عدم التحرك. وحسب اقوال الملك حسين فأنه كان يرجو الاردنيين عدم التحرك ويبرهن على بكل السبل على ان احتلال اسرائيل ولو " شبر واحد" من الضفة الشرقية سيترك اثرا سلبيا أكثر من احتلال سيناء كلها. وقال لي الملك حسين ان الاردن لم يتحرك طبعا بسبب رد الفعل ذاك ، وكما اظهرت الاحداث انه عمل بشكل صائب. والاردنيون يرتابون ايضا في ان السادات كان يمارس لعبة قذرة.
وقال الاسد في حديث مع الرفاعي انه لن يسمح بأن "تستغل" مصر سورية مرة أخرى ، كما فعلت حين بدأت العمليات القتالية ومن ثم اوقفت اطلاق النار بدون الاتفاق مع سورية ، ومن ثم في عقد مؤتمر جنيف والخروج منه ، وبعد ذلك بدء المفاوضات المباشرة مع اسرائيل بوساطة امريكية وهلمجرا. اذن ذلك هو تقييم الوضع. انه يتفق مع تفكيري ..
وعموما ، لماذا توفي المشير احمد اسماعيل علي ؟ فهو الشخص الوحيد الذي كان يعرف خلفيات الاحداث كلها. لماذا ؟ أو كيف ؟
* * *
لقد ابلغني محيي الدينوف سفيرنا في سورية ان الرئيس السوري حافظ الاسد قال له في 12 أكتوبر (تشرين الاول) حين أوقفت القوات المصرية التي عبرت الى الضفة الشرقية لقناة السويس العمليات القتالية فجأة، انه على ثقة بأن افعال السادات كانت مقصودة ، ووصفها بانها خيانة لسورية.

* * *
يمكن الاطلاع على النسخة الاصلية للوثيقة (باللغة الروسية) على
http://arabic.rt.com/media/files/docs/Vinogradov-1.doc.pdf
http://arabic.rt.com/media/files/docs/Vinogradov-2.doc.pdf
http://arabic.rt.com/media/files/docs/Vinogradov-3.pdf
* * *

Photoفلاديمير فينوغرادوف
موجز سيرة حياة فلاديمير فينوغرادوف

- ولد في 2 أغسطس(آب) عام 1921 في مدينة فينيتسا الاوكرانية.
- في عام 1944 إلتحق بمعهد منديلييف الكيميائي – التكنولوجي بموسكو.
- في عام 1948 درس في اكاديمية التجارة الخارجية لعموم الاتحاد السوفيتي.
- في فترة اعوام 1939-1943 أدى الخدمة العسكرية في الجيش الأحمر.
- في فترة 1948-1950 ترأس أحد أقسام الممثلية التجارية السوفيتية في بريطانيا.
- في فترة 1950-1952 رقي الى منصب نائب رئيس البعثة التجارية السوفيتية في بريطانيا.
- في فترة 1952-1956 تولى منصب نائب رئيس دائرة التجارة مع البلدان الغربية في وزارة التجارة الخارجية السوفيتية.
- في فترة 1956 -1962 تولى منصب رئيس دائرة التجارة مع البلدان الغربية في وزارة التجارة الخارجية السوفيتية.
- عمل منذ 16 يوليو(تموز)1962 وحتى 3 أبريل(نيسان)1967 سفيرا فوق العادة مطلق الصلاحيات للأتحاد السوفيتي في اليابان.
- في فترة 1967 – 1970 تولى منصب نائب وزير الخارجية السوفيتي.
- في فترة 9 أكتوبر(تشرين الاول) 1970 – 4 أبيل(نيسان) 1974 في منصب سفير الاتحاد السوفيتي في مصر.
- في فترة 1974 – 1977 تولى منصب سفير المهام الخاصة في وزارة الخارجية السوفيتية.
- في فترة 29 يناير(كانون الثاني) 1977 – 2 يونيو(حزيران) 1982 تولى منصب سفير الاتحاد السوفيتي في ايران.
- في فترة 28 مايو (أيار) 1982 – 11 أكتوبر(تشرين الاول) 1990 تولى منصب وزير خارجية جمهورية روسيا الاتحادية السوفيتية الاشتراكية.(وجدت هذه الوزارة في عهد الحكومة الشيوعية وكانت تمارس حصرا مهام سفر المواطنين الى الخارج).
- في فترة 1982 – 1987 – عضو مجلس ادارة وزارة الخارجية السوفيتية.
- في فترة 1987 – 1988 – رئيس الهيئة الادارية لجمعية الصداقة السوفيتية – المصرية.
- في فترة 1988 – 1992 – النائب الاول لرئيس الهيئة الادارية المركزية لجمعية الصداقة السوفيتية – الفنلندية.
- بدأ منذ عام 1990 العمل مدرسا في معهد العلاقات الدولية بموسكو.
- تولى في عام 1992 رئاسة لجنة المنظمات الاجتماعية لدعم تسوية ازمة الشرق الاوسط.
- توفي في 21 يونيو(حزيران) عام 1997 بموسكو.

الأربعاء، 30 مايو 2012

برنار هنري ليفي: حمص اليوم هي بنغازي أمس
عبدالاله مجيد


إعداد عبدالاله مجيد:
يقول المفكر الفرنسي برنار هنري ليفي، ولم يطعن احد حتى الآن في ما يقول، انه هو الذي اقنع الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في آذار/مارس 2011 بالاعتراف بالمعارضة الليبية ومجلسها الانتقالي وان ساركوزي الذي اتصل فورا برئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، هو الذي حشد المجتمع الدولي لدعم التدخل العسكري في ليبيا.
وهذه القصة هي التي يرويها بلا مواربة فيلم وثائقي من اخراج وبطولة ليفي قُدِّم في عرض خاص خلال مهرجان كان السينمائي. ويتضمن الفيلم عرضا وثائقيا مسهبا لأحداث ليبيا ومقابلات مع ساركوزي وكاميرون ووزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلنتون. وحصل على حقوق الفيلم المنتج المختص بالأعمال السينمائية المستقلة هارفي واينستين.
وقال ليفي في مقابلة مع صحيفة الغارديان ان الهدف من الفيلم هو ان يبين ما يمكن ان يفعله الفرد. واضاف "ان البشر كثيرا ما يصابون باليأس من وجود شيء يمكن عمله حين يواجهون وضعا مريعا ولكن من الممكن دائما عمل شيء ما".
وهذا الفيلم ليس اول فيلم يخرجه الفيلسوف الفرنسي بل انجز عام 1994 فيلما وثائقيا عن الوضع المفجع لمدينة سراييفو خلال حصارها في حرب البوسنة. وشارك ذلك الفيلم ايضا في مهرجان كان. ثم اخرج فيلما روائيا هو "النهار والليل" بطولة الن ديلون ولورين باكال وزوجة ليفي الممثلة ارييل دومباسل. وباء الفيلم الذي شارك في مهرجان برلين السينمائي بفشل ذريع تبدى حين استقبل الجمهور موت البطل في حادث منطاد مأساوي على ما يُفترض، بالهتاف والضحك.
وقال ليفي ان فيلمه الجديد يختلف اختلافا تاما وان له رسالة سياسية عاجلة. واضاف انه يريد ان ينظر العالم الى ما حدث في ليبيا على انه دليل يؤكد ان التدخل الخارجي ممكن في سوريا مشيرا الى"ان حمص اليوم هي بنغازي أمس".
أطلق ليفي اسم "قَسَم طبرق" على فيلمه الوثائقي احياء لقسم كوفرا الذي قطعه جنود فرنسا الحرة عندما حققوا نصرهم الأول على الألمان في ليبيا وأقسموا بألا يلقوا السلاح حتى تحرير فرنسا من النازيين.
وأكد ليفي ان 99 في المئة مما شهدته ليبيا العام الماضي حدث بأيدي الليبيين وحلف الأطلسي ودبلوماسيين وكان هناك قسط صغير لم يكن لهؤلاء دور فيه بل حققته مجموعة صغيرة من الأشخاص "احدهم أنا".
واعترف ليفي بأنه كانت لديه شكوكه وما زالت لديه شكوكه في ما سيأتي بعد سقوط الدكتاتورية. وقال في حديثه لصحيفة الغارديان "ان الديمقراطية تعني الصالح والطالح. تقدميون، ليبراليون، واخوان مسلمون، وأنا لست ساذجا بحيث اتجاهل ذلك". ولكنه استدرك قائلا ان أمرين لا يساوره الشك فيهما "الأول ان حمام دم كان سيحدث لو لم نتحرك والثاني ان تدخلنا كان ممكنا".
وأكد ليفي انه لا يطمح في اي منصب سياسي بل يفضل العمل من خلال علاقاته مع ذوي السطوة والنفوذ والثروة الكبيرة التي ورثها. وقال ليفي "أنا أفعل ما أُريد. أنا حر وهذا ما يميزني عن الآخرين، فأنا حر تماما.... وأُحب فكرة ان أفوض نفسي بنفسي وان أكون مسؤولا امام نفسي".
في عهد مبارك، الملف القبطي شكل مؤسسي وليس ملفا وطنيا

محمد الحمامصي من القاهرة:
 يتناول الباحث المتخصص في الشأن القبطي هاني لبيب في كتابه "الكنيسة المصرية.. توازنات الدين والدولة" الصادر عن دار نهضة مصر للنشر تفاصيل العلاقة بين الكنيسة كواحدة من أهم مؤسسات الدولة المصرية، وبين الدولة المصرية التي تقع هذه الكنيسة تحت مظلتها الوطنية والسياسية.. فيناقش العديد من القضايا الخلافية السياسية على غرار: جماعات الضغط السياسي، والعلمانيين المسيحيين المصريين، والقضايا الجدلية المسيحية – المسيحية على غرار:الطوائف المسيحية، والمنشقون، والقضايا الجدلية الطائفية على غرار: بناء الكنائس، وحرية العقيدة. فضلاً عن تلك العلاقة الملتبسة بين التيارات الإسلامية والمواطنين المسيحيين المصريين. لينتهي برؤية حول بعض القضايا المستقبلية مثل المشاركة السياسية للمواطنين المسيحيين المصريين، وقضية البابا القادم.
ويدعم الكاتب رؤيته بالعديد من الشهادات والملاحق ذات الدلالة حول علاقة الكنيسة بالدولة، بالإضافة إلى العديد من الوثائق الهامة.. التي ينشر الكثير منها للمرة الأولى، حيث تطرق إلى الروايات التي تتردد حول أن البابا كبرلس عمل معجزة مع الرئيس عبد الناصر وأيضا الرواية التي تقول عن شفاء البابا كبرلس لابن أو ابنة عبد الناصر، مشيرا إلى أنه إلتقى المتنيح الانبا غريغوريوس، أسقف البحث العلمي، وحكى له كيف بدأت العلاقة بين البابا كبرلس وعبد الناصر، من خلال مقابلة الإمبراطور هيلاسلاسى للبابا كبرلس وانحنائه له وهو ما جعل "عبد الناصر" يدرك قيمة البابا ودور الكنيسة المصرية في علاقة الدولة بأثيوبيا. وجاءت فترة الرئيس السادات وحدث الصدام بينه وبين البابا شنودة وحدد إقامته في الدير، وتميزت هذه الفترة كونها علاقة شخصية بين البابا والرئيس وليست علاقة بين الكنيسة والدولة، فعندما تتوتر العلاقة بين الرئيس والبابا تتوتر العلاقة بين الدولة والأقباط في مصر. فالكنيسة المصرية مع بداية عصر السادات تم اختزال المواطنين المسيحيين في الكنيسة، وتم حصر المسيحيين في شخص البابا، وبالتالي فأي مسيحي مصري يواجه مشكلة أصبح لديهم قناعة أن مشاكلهم لن تحل إلا عن طريق الكنيسة وهو ما أدى إلى قوقعتهم
وأشار لبيب إلى أنه في عهد الرئيس السابق مبارك، تحول الملف القبطي إلى شكل مؤسسي ولكن تديره مباحث أمن الدولة، وليس ملف وطني أو سياسيي للتعايش المشترك، وشدّد على أن مشاكل المسيحيين بعد الثورة مازالت تحل كونهم رعايا وليسوا مواطنين ولازالت تحل المشاكل بجلسات "التهريج العرفي"، مشيرًا إلى أنه لو ثبت اتهام اى رجل دين في التوترات الطائفية وتم معاقبتهم لم تكن تتطور الأمور.
وأكد لبيب الحاجة الماسة إلى دولة قانون ناجز وعادل يطبق على الجميع وتوعية على المدى الطويل.
يطرح لبيب مواصفات البابا القادم الخاصة والعامة من واقع الدور المنوط القيام به في ظل زخم الميراث التاريخي الهام والضخم للبابا شنودة الثالث، وذلك على النحو التالي: أولاً المواصفات الخاصة: أهمية أن يكون البابا القادم من الشخصيات المعروفة ليس في الداخل فقط، بل وفي الخارج أيضاً.. خاصة بين المهاجرين المسيحيين المصريين.. ليكون بمثابة نقطة الالتقاء التي تجمع كافة الأطراف. ولكي لا يبدأ
عهده بتحفظات وافتراضات تحكمها عدم المعرفة به. وهو ما حدث مع البابا شنودة الثالث نفسه حيث كان ضمن عدد من الشخصيات الشهيرة بجوار البابا الراحل كيرلس السادس.. فكان هناك الراحل الأنبا غريغوريوس والأنبا صموئيل (الذي اغتيل في حادث المنصة مع الرئيس أنور السادات سنة 1981). مما كان له أثر كبير في دعمه ومساندته من قبل العديد من المواطنين المسيحيين المصريين، أعتقد في أهمية أن يسبق ما سبق التأكيد على صعوبة وخطورة أن يأتي على كرسي البابوية راهب من الصحراء غير معروف لدى المجتمع، ومنقطع ليس فقط عن أحوال الدنيا، بل والدين أيضاً، في تفاعله مع القضايا التي ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية، وأن يكون مطلعاً على الخريطة السياسية في الداخل من تيارات فكرية وسياسية ومجتمع مدني لكي يكون للكنيسة دوراً وطنياً في دعم نهضة هذا الوطن. بالإضافة لمعرفته بسير العلاقات الدولية خاصة في القضايا التي تعد محط اهتمام وأولويات النظام المصري على غرار القضية الفلسطينية أو قضية تدويل هموم المواطنين المسيحيين المصريين ومشاكلهم أو قضية علاقة الكنيسة بالمهاجرين المسيحيين المصريين، وأن يكون صاحب منطق فكري في قدرته على الفهم الديني للقضايا الاجتماعية ذات الدلالات الدينية، وذلك على غرار: علاقة الكنيسة بالدولة أو بالحديث عن قضايا: الأحوال الشخصية، والعولمة، والاستنساخ.
أما المواصفات العامة فتتمل في أن يكون له توجه ملحوظ نحو الارتقاء بالمستوي العلمي لرجال الدين المسيحي.. ليس فقط من حيث كونهم حاصلين علي شهادات جامعية. فهذا في اعتقادي غير كافي الآن، ولابد من العمل علي زيادة درجة وعيهم واستيعابهم للمتغيرات الحديثة وموقف الدين منها، وعلي سبيل المثال: العولمة، والإنترنت، والاستنساخ، والهندسة الوراثية. أضف إلى ذلك الوعي بالقضايا السياسية على مستوى العالم، وهو ما ينسحب على الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا المعاصرة. وبالتالي، أعتقد إننا أصبحنا في أمس الحاجة لتفعيل دور أسقفية التعليم وأسقفية الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي علي أسس منهجية من جانب، وعلى أساس استقلاليتهم عن مسؤوليات البابا من جانب آخر، لأنه من خلالهما يمكن الارتقاء بالكنيسة بما يتناسب مع العصر ودون التخلي عن الثوابت الروحية والمعتقدات الإيمانية أو إهمالهما.
* أن يعمل على تفعيل ومساندة كوادر من العلمانيين (أي من غير رجال الدين) داخل الكنيسة وهو ليس موجوداً الآن بالشكل الذي نتصوره. وهذا أمر هام لأن الكنيسة تقوم علي ركيزتين، هما: رجال الدين والعلمانيين، ولا يوجد تعارض بين مهام كل منهما أو عمله. بالإضافة إلى أن هذا يساعد علي تجديد حيوية الكنيسة وفاعليتها.. خاصة في ظل التحديث الإداري لها كمؤسسة دينية. وهو ما يترتب عليه – أيضاً - تفعيل دور المجلس الملي في الفترة القادمة بعد تغيير اسمه الذي يعود إلى مفاهيم السلطنة العثمانية.
* أن يقوم بالتأكيد علي أن الكنيسة هي المؤسسة الدينية والروحية الرسمية للمواطنين المسيحيين المصريين، ولكنها لا تمثلهم سياسياً. بمعنى أن الدور الروحي والوطني للكنيسة هو أمر ضروري وفائق الأهمية (وعلي سبيل المثال موقفها من: قضية القدس وقضية الحماية الدينية). ولكن الدور السياسي للكنيسة هو أمر غير مقبول ومرفوض، ولكنه مقبول لأبنائها من العلمانيين كمواطنين مصريين.. أي بمعنى أشمل فصل الدين عن الدولة تماماً.
* ويترتب على ما سبق، أن يكون البابا وبالتبعية الكنيسة هي المساند والداعم الذي يربط الفرد بالوطن والدولة، وعليه يتحدد مفهوم الانتماء ومعانيه. وهذا لا يعنى بالطبع إننا ننكر هنا الأهمية القصوى للانتماء للدين وللمؤسسة الدينية، لأن هذا الانتماء يمثل واحداً من أهم مرتكزات العقل الجمعي المصري في منظومته الفكرية. غير إن الخطر الشديد أن تكون المؤسسة الدينية سواء كانت مسيحية أو إسلامية هي الوسيط بين المواطن المصري والدولة. وما يمكن أن ينتج عن هذا من حدوث خلل أو شرخ في منظومة انتماء الفرد لوطنه، بحيث نجد أنفسنا في مأزق وطني حينما تصبح المؤسسة الدينية هي البديل الشرعي للوطن والدولة.
* وبناء على ما سبق، أكرر على اعتقادي في أهمية التأكيد على أنه لا يوجد شخص محدد يتكلم باسم المواطنين المسيحيين في مصر لأنه في المسيحية يمثل البابا رأس الكنيسة حيث يعاونه العديد من الأساقفة الذين يشكلوا في مجملهم "المجمع المقدس" الذي يقوم بدور السلطة الدينية العليا للكنيسة وللمواطنين المسيحيين المصريين، وبالتالي فالسلطة هنا هي سلطة دينية فقط، وليست سلطة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية (وهو دور غير مطلوب).. مع تأكيدنا علي التمييز بين كل من: الانتماء السياسي والوطني، وبين الموقف والعمل السياسي أي الفصل بين الموقف السياسي الناتج عن فهم مجريات أمور الوطن والعمل السياسي كرد فعل للفهم السياسي.
* وإذا كنا نؤكد على أهمية أن يكون هناك موقفاً رسمياً وطنياً للمؤسسة الكنسية المسيحية في مصر.. غير أننا نرفض تماماً الرأي الذي يؤكد عليه البعض باعتبار البابا هو الممثل للأقباط عند كل منعطف يمس الوحدة الوطنية.. على اعتبار أن التعامل مع فرد - ممثلاً لجماعة – يجنب الكثير من متاعب التعامل مع القاعدة العريضة، وهو ما يكرس – الأمر الجلل – بأن يتحول البابا إلى زعيم سياسي. وأعتقد أنه أمر يرفضه البابا نفسه قبل غيره.. لما يترتب عليه من تسييس الدين والمصالح. وهو ما يجعلنا نؤكد على فصل الدين عن السياسة، وعدم التداخل بينهما. وهذا لا يعني مطلقاً أن يعتزل الدين المجتمع.. فسيظل الدين بمثابة الحصن الأول لكل ما يهدد القيم والمبادئ الإنسانية السامية.. بالتنبيه لإقرار الحق والعدالة.
* على هذا النحو، تترك الكنيسة للمواطنين المسيحيين المصريين الحرية الكاملة في قيامهم بأعبائهم الوطنية، دون أن توحي لهم بالتزام اتجاه سياسي معين، فيتحرك المواطن المسيحي المصري بحرية تامة حسب نشأته الفكرية والثقافية وتوجهاته السياسية، ومن ثم تظل الكنيسة فوق كل ذلك تعمل في اختصاصها الروحي والديني فقط.
*الاهتمام بالدور الرائد لمدارس الأحد لأنها كانت بمثابة البوتقة التي أفرزت جيل الجامعيين الذي صار فيما بعد يتولى قيادة الكنيسة (بداية من البابا شنودة الثالث نفسه)، وهو ما يحتم علينا الآن أن يكون هناك نوعاً من التقييم لهذه التجربة الهامة والفريدة، لتطويرها للأفضل في ظل الدور المفترض أن تقوم به مدارس الأحد في التنشئة التربوية والدينية والوطنية على قيم الولاء والانتماء والمشاركة.
ويتسم الكتاب بمعالجته لقضية خطيرة، وهي صناعة القرار المتعلق بالتوترات الطائفية .. هو أمر شائك جداً لما يراعيه من أبعاد كثيرة متشابكة ومتداخلة ومتباينة.. ربما يكون أبسطها هو الحل الأمني السريع. إن ملف العلاقات المسيحية – الإسلامية.. كان في الكثير من الأحوال مجرد ملف أمني في مصر حسب تأكيد الكتاب.
وعلى الرغم من أن الحلين "الأمني والديني" يبقيان أبعد الحلول ملائمة.. فالأول "الأمني" يعيد السيطرة على اللحظة (فيقي ويعفي) المجتمع من المصادمات؛ غير أنه يبقى حلاً مؤقتاً طالما ظلت أسباب الأزمة وجذورها كما هي دون حل أو تحليل.. لأنه غير معني بالمستقبل البعيد بقدر حرصه على استقرار الأحوال في لحظتها . أما الثاني (الديني) يظل حلاً محفوفاً بالمخاطر.. لأنه يملك حلولاً عملية، بل قد يسعى لتأكيد التمايز بما يقدمه من تبريرات تعزف على أوتار القيم، والنصوص الدينية أحياناً.
وقد شهدت الفترة الأخيرة من خلال خبرة التعامل مع التوترات الطائفية طيلة الربع قرن الأخير بوجه خاص.. ما يؤكد على أهمية أن يكون الحل دائماً قائم على حلول وطنية.. وهي صمام الآمان الأساسي ضد الطائفية البغيضة. فالتوترات والأزمات الطائفية في العلاقات المسيحية – الإسلامية تحتاج لرؤية وطنية تهتم بالحفاظ على مستقبل هذه العلاقات في ظل كل ما يدور حولنا داخلياً وخارجياً.
ويطرح الكتاب بوضوح أن المشكلة الأساسية لكل هذه النوعية من الأزمات هي الأمية الدينية التي لا يعاني منها المصريين مسيحيين ومسلمين فحسب، بل العديد من رجال الدين من المسيحيين والمسلمين أيضاً. وذلك بعد أن غابت هيبة الدولة في كثير من المواقف والأزمات.. بل أنها في بعض الأحيان تغاضت عن أخطاء كثيرة وغابت في أوقات أخرى.. إن الخلافات الصغيرة يمكن أن تكبر حين يغيب الحسم.. والتجاوزات الصغيرة يمكن أن تصبح أزمات أكبر بالتهاون والإهمال.. ولهذا ينبغي أن تكون الدولة المصرية أكثر حسماً في مواجهة هذه القضايا. يضاف لذلك أن الدولة في معظم الأحيان تلجأ إلى حلول أمنية في قضايا هي أقرب للفكر، وكان ينبغي أن يكون الحوار - وليس الأمن - هو وسيلة الإقناع والاقتناع.
وفي هذا الصدد، يطرح الكاتب العديد من الخطوات لبناء الثقة بين المواطنين المسيحيين المصريين وبين وطنهم مصر، وذلك على غرار:
- كود بناء دور العبادة "المسيحية والإسلامية".
- قانون منع التمييز.
- قانون حرية العقيدة "تغيير الدين".
- قانون الأحوال الشخصية الموحد للطوائف المسيحية.
- تطوير التعليم، وضبط الأداء الإعلامي.
كما يمكن الاستغناء عن كل ما سبق، من خلال صياغة دستور مدني ليبرالي مصري جديد. وذلك على اعتبار أن التسامح الحقيقي هو أساس صناعة القرار المتعلق بالتوترات الطائفية، وهو ما يعني أن يلتزم الجميع السماح لبعضهم بممارسة مختلف عباداتهم الدينية باعتبارها حقاً خالصاً لهم.. وليس تفضلاً عليهم من أحد. أما خارج هذا الإطار.. فينبغي أن يسود بين الجميع العدل ومجموعة القيم المرتبطة بالتسامح، ومنها: الاحترام والصدق والسلام والتعاون والأمانة. وذلك على غرار: نموذج نقل الكنيسة الإنجيلية بمحافظة الأقصر من مسار طريق الكباش الأثري إلى مكان آخر بالاتفاق التام بين رئاسة الكنيسة الإنجيلية والمحافظة التي خصصت الأرض لبناء الكنيسة الجديدة، كما تحملت تكلفة البناء.
تأتي أهمية هذا الكتاب الذي تجاوزت صفحاته الخمسمائة صفحة بالكثير من الأحداث والمواقف التاريخية التي تؤرخ لعلاقة الكنيسة المصرية بالدولة منذ ثورة يوليو 1952 وإلى الآن.
في مواجهة مرشح الفلول أحمد شفيق



بقلم عليان عليان

أمد للاعلام -أثار حصول مرشح الفلول الفريق أحمد شفيق على الترتيب الثاني في الانتخابات الرئاسية المصرية وبنسبة 23,6 في المائة من الأصوات حالة من السخط العارم ، والشك الكبير في النتائج لدى جماهير الثورة وأسر الشهداء والجرحى ، ولدى مختلف الاتحادات الثورية التي صنعت ملحمة الثورة في ميدان التحرير وبقية ميادين مصر، في الخامس والعشرين من يناير 2011 ، ما يمكنه من دخول انتخابات الإعادة مع صاحب الترتيب الأول مرشح حزب العدالة والتنمية – الذراع السياسية لجماعة الأخوان المسلمين – الدكتور محمد مرسي، والذي حصل على 24,7 في المائة من الأصوات .
والسخط العارم مرده أن يحظى شفيق – بوصفه أحد أركان النظام السابق الذي أسقطت الثورة رئيسه ومعظم رموزه – بهذا الكم من الأصوات بما يفتح باب الاحتمالية لعودة النظام القديم – لا سمح الله – من شباك صندوق الانتخاب، بعد أن طردتهم الثورة من الباب العريض، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن شفيق هو مرشح العسكر والنظام القديم بكافة تفاصيله وأن لجنة الانتخابات استثنته من التعديلات الخاصة بقانون مباشرة الحقوق السياسية ، الذي يتضمن حرمان من تولوا مناصب عليا في عهد مبارك من ممارسة حقوقهم السياسية.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أيضاً أن النظام القديم بمجلسه العسكري ومخابراته وأمنه المركزي ومحافظيه ولجانه المحلية وأدواته الإعلامية سخر كل إمكانات الدولة ، بما في ذلك القدرة والخبرة الهائلة في التزوير لصالح حصول شفيق بهذه النسبة العالية، وأن هذا النظام الذي لا يزال مسيطراً على كافة مفاصل الدولة ، قد يواصل لعبته من أجل إيصال شفيق إلى سدة الرئاسة .والشك الكبير لدى جماهير الثورة وقواها مرده ما يلي:
أولاً: حصول شفيق على الترتيب الثاني، رغم أنه ينتمي للفلول الذين قامت الثورة من أجل التخلص من نظامهم ، الذي دمر مصر سيادةً واقتصاداً ودوراً.
ثانياً: أنه حصل على نسبة عالية من أصوات الصعيد وخاصةً في أسيوط رغم عدم تمكنه من دخولها، جراء رفض جماهير أسيوط دخوله المدينة لمتابعة حملته الانتخابية ، وإشهارهم لهذا الرفض بطريقة حملت معنى التهديد.
ثالثاً: أن نسبة لا بأس بها من الذين صوتوا لشفيق دخلوا في كمين تكتيكي مبرمج أعده المجلس العسكري ، ألا وهو إشاعة الفوضى وانعدام الأمن حتى يصبح مطلب الجمهور ، هو البحث عن الأمن والاستقرار الذي يوفره الجنرال الذي رفع شعار تحقيق الأمن والاستقرار ، بغض النظر عن انتمائه للفلول وللعهد البائد.
رابعاً: أن هنالك وثائق ومستندات مقدمة من ضابط في الأمن المركزي تؤكد خرق القانون ، من خلال منح حوالي مليون من منتسبي الأمن المركزي بطاقات هوية ، تمكنهم من المشاركة في الانتخابات لصالح شفيق ناهيك أن ثلاثة من مرشحي الرئاسة ، وهم حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وعمرو موسى ، تقدموا بطعون مستندة إلى أدلة حول تزوير الانتخابات لصالح شفيق ، يضاف إلى ذلك أن مصادر في حملة صباحي الانتخابية بينت أنه في ضوء الطعون المقدمة من صباحي بشأن التزوير وبخاصة في خمس محافظات، طالبت بوقف إعلان النتيجة ريثما يتم التحقيق في كافة الطعون ، إلا أن لجنة الانتخابات الرئاسية رفضت كافة الطعون ، تحت مبرر عدم استنادها إلى مسوغات قانونية أو لأنها قدمت خارج الوقت المحدد.
والآن بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات للمرحلة الأولى والتحضير للمرحلة الثانية بين مرسي وشفيق ، تقتضي المسؤولية الوطنية توحيد الصفوف لإسقاط مرشح العهد البائد، لكن توحيد الصفوف هنا لا يكون بعقلية الفزعة أو بعقلية الاحتواء أو ضمن آلية المحاصصة وإغداق الوعود بالمناصب والمواقع ، بل يكون في سياق برنامجي محدد… كيف؟
والإجابة على سؤال \\\’ كيف\\\’ يكون في التقدير الموضوعي بما يلي:أولاً: أن يعمل حزب الحرية والعدالة ومرشحه الدكتور محمد مرسي على تكييف برنامجه وإجراء تعديلات رئيسية عليه بحيث يتضمن بنوداً جوهرية من برامج مرشحي الثورة ، الذين لم يحالفهم الحظ رغم حصولهم على تأييد كتلة تصويتية ضخمة قلبت كل التوقعات .
فالجمهور الكبير – على سبيل المثال – الذي منح حمدين صباحي ثقته على أرضية موقفه البرنامجي حيال السياستين الداخلية والخارجية لمصر ، لا يقبل من حمدين صباحي أن يشارك في السلطة على أرضية المحاصصة وصباحي نفسه – الذي حصل على الترتيب الثالث بنسبة 20,4 في المائة من الأصوات – أعلن عن ذلك بوضوح كامل بأنه لن يخذل جمهوره ولن يدخل في هذا السياق وأنه يرفضه بقوة.
أما أن تتم المطالبة بتوظيف الكتلة التصويتية الخاصة بمرشحي الثورة التي تتجاوز ( 9 ) مليون ناخب بدون مقابل على صعيد البرنامج فهو أمر غير ممكن إذا لم يكن مستحيلا، وينطوي على تجاهل للمواقف الواعية لجمهور تلك الكتلة ، الذي يعي من منظوره الخاص مصالحه ومصالح مصر الوطنية ، على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والطبقية.
ثانياً: أن يكون التوافق البرنامجي بين قوى الثورة في مواجهة مرشح النظام السابق مبنياً على قاعدتي الضمانات والثقة المتبادلة ، ضمانات بشأن مدنية الدولة والتعددية وتداول السلطة ، لأن مصير مصر الوطن والشعب والدولة والثورة ، أهم من أية حسابات مصلحية أو حزبية.
ثالثاً: أن تكون العلاقة بين قوى الثورة في حال فوز الدكتور محمد مرسي علاقة تشاركية سواء في المؤسسات أو في اتخاذ القرار
ثالثاً: ثم يكون توزيع المسؤوليات محصلة للاتفاق البرنامجي ولكل ما تقدم بحيث يكون الموقع في مؤسسة الرئاسة وفي السلطة التنفيذية( نائب رئيس ، رئيس وزراء ألخ ) بمثابة تكليف وليس تشريف ، ومهمة نضالية شاقة وليس جنياً لمكاسب رخيصة ، حتى تتمكن ثورة 25 يناير من تحقيق أهدافها المعلنة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. لا نبالغ إذ نقول أن الوقت بات من دم ودمار ودموع إذا لم ترتب قوى الثورة أوراقها استعداداً لانتخابات الإعادة ، ففوز شفيق – لا سمح الله – ستدفع مصر ثمنه بأكملها ، وستدفع ثمنه بشكل مرعب القوى الثورية التي فجرت ثورة 25 يناير وكما يقال في المثل الشعبي \\\’ الكل رجليه في الفلقة \\\’.
وعلى القوى الثورية بعد ترتيب أوراقها ، أن تستعد للاحتمال الأسوأ وأن ترسم سيناريو التحرك، في حال لعبت لجنة الانتخابات المركزية لعبتها – والتي هي عملياً مطية للمجلس العسكري – وعملت على تصعيد شفيق زورا وتزويراً وبهتانا في انتخابات الإعادة – خاصة وأن المادة 28 من الإعلان الدستوري ، الذي دعمته جماعة الأخوان المسلمين والسلفيون بالضد من توجهات كافة قوى الثورة ، أصبحت سلاحاً في يد المجلس العسكري ، ولجنة الانتخابات الرئاسية ، كون هذه المادة حصنت قرارات هذه اللجنة من الطعن و جعلتها نهائية غير قابلة للاستئناف ، وذلك في سابقة غير معهودة في الفقه الدستوري لمختلف الديمقراطيات.
وأخيرا نحذر – من على أرضية الانتماء القومي (أولاً ) ( وثانياً ) من على أرضية الحرص على شعب الكنانة الطيب والعظيم ( وثالثاً ) على قاعدة أن مصر الحرة المستقلة السيدة وغير التابعة ، حين تستعيد دورها ستشكل حجر الأساس للمشروع النهضوي التحرري العربي.
نحذر من خطط دسائس وألعاب المجلس العسكري التكتيكية ولجنته الانتخابية وندعو قوى الثورة إلى توحيد صفوفها ، وبلورة خططها التعبوية لإفشال مخطط المجلس العسكري ، الذي يستهدف إعادة إنتاج النظام القديم وإنهاء مفاعيل الثورة .

التقدمية

لن تقبل مصر شفيق رئيساً

الكاتب

Mon, 28/05/2012 - 21:36

يعرف القاصى والدانى أن الفريق أحمد شفيق كان صديقاً للرئيس المخلوع ومقرباً منه، ومن الموثوق بقدرتهم على أداء المهام الصعبة. ولأنه عُرف بالحزم والانضباط، فقد اعتبره الرئيس المخلوع الأقدر على التعامل مع الأوضاع المستجدة بعد 25 يناير، ومن هنا تم تكليفه برئاسة مجلس الوزراء يوم 29 يناير 2011، أى فى اليوم التالى مباشرة على بدء تحول الحركة الاحتجاجية إلى ثورة كبرى. ولكى يثبت شفيق إخلاصه لنظام مبارك وكفاءته فى أداء المهام المكلف بها، لم يتردد فى التعاون مع رموز هذا النظام إلى أقصى درجة ممكنة، قبل وبعد سقوط رأسه.
فقبل تنحى مبارك فى 11 فبراير وحتى رحيل شفيق بضغط من ميدان التحرير فى 3 مارس 2011، لم يتردد الرجل فى تقديم جميع أشكال الدعم للمحاولات الرامية إلى احتواء الثورة أو تصفيتها. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما قام شفيق بتمكين رجال النظام القديم من تدبير وتنفيذ «موقعة الجمل»، وعندما غطى على محاولاتهم التى لم تتوقف لتهريب مليارات الدولارات التى نهبوها إلى خارج البلاد، وعندما قام بتسهيل فرص هروب مجرمين عتاة، من أمثال حسين سالم، إلى خارج البلاد، وعندما سمح ببقاء زكريا عزمى مطلق السراح لأسابيع طويلة يمارس عمله خلالها كالمعتاد من داخل القصر الرئاسى ويتلقى تعليماته مباشرة من رئيس مخلوع يقيم داخل القصر الذى بناه له حسين سالم فى شرم الشيخ من أموال غاز مصر المنهوب والمباع لإسرائيل بأبخس الأثمان!
فكيف لرجل هذا تاريخه أن يتقدم عبدالمنعم أبوالفتوح وحمدين صباحى وعمرو موسى وغيرهم فى انتخابات الرئاسة، ويصبح هو الأقرب إلى اعتلاء أهم موقع لصناعة القرار فى مصر فى مرحلة ما بعد ثورة يناير؟ وكيف يمكن لرجل كهذا أن يتحدث عن «ثورة مسروقة» يتعهد للشعب باسترجاعها إذا ما انتخبه رئيسا، وكأن هذه الثورة لم تقم لهدم النظام الذى ينتمى هو نفسه إليه وكان أحد أهم أركانه؟
لا أحد يمكنه التنبؤ بما قد تخبئه الأيام أو الأسابيع أو الشهور القادمة، التى أظن أنها ستكون حبلى بمفاجآت مذهلة. غير أننى على يقين تام من أن وجود الفريق أحمد شفيق مرشحاً ومنافساً قوياً فى جولة الإعادة فى أول انتخابات رئاسية مصرية تجرى بعد ثورة يناير لهو أكبر دليل فى حد ذاته ليس فقط على سوء إدارة المرحلة الانتقالية وإنما أيضا على خيانة الثورة والتنكر لأهدافها. وأظن أن حقائق كثيرة قد بدأت تتضح الآن، خاصة فى ضوء النتائج التى أسفرت عنها الجولة، أهمها: 1- أن شفيق هو المرشح الحقيقى للمجلس العسكرى، وأن الزج بعمر سليمان لم يكن سوى مناورة تمهيدية للتغطية على خططه فى إدارة المرحلة الانتقالية. 2- تم تسخير جميع أجهزة ومؤسسات الدولة لتقديم كل معاونة ممكنة لشفيق، لكن فى حدود ما هو مباح أو ما قد يتعذر اكتشافه من مخالفات. 3- تعاونت اللجنة الانتخابية مع المجلس العسكرى لتذليل جميع العقبات القانونية التى اعترضت ترشح شفيق، معتمدة على حصانتها القضائية. ويكفى أن نتذكر طريقة تعامل اللجنة مع موضوع ترشح شفيق بعد صدور قانون العزل السياسى.
لن أفاجأ، فى سياق كهذا، إذا ما صحوت يوما فوجدت شفيق معتلياً كرسى الرئاسة فى مصر الثورة. لكن لا أظن أن ذلك سيكون بداية لمرحلة استقرار، اللهم إلا إذا مهد أحمد شفيق لهذه المرحلة بدماء كثيرة ينوى سفكها. وإذ يفترض أنها قامت لهدم النظام الذى ينتمى إليه، وحدث ذلك، لا أظن أن شفيق سيأبه كثيراً إذا ما أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكماً يقر بصحة قانون العزل أو يقرر عدم صلاحيتها فى النظر فيه، مما يعنى أن قانون العزل كان واجب التطبيق منذ لحظة صدوره وأن اللجنة الانتخابية ارتكبت خطأ قانونيا وسياسيا فادحا حين قبلت أوراق شفيق وأدرجته ضمن قائمة المرشحين فى انتخابات الرئاسة.
لا أظن أن الشعب المصرى سيستسلم لأحمد شفيق رئيسا لمصر بعد ثورة يناير، والأرجح أن يكون انتخابه بداية مرحلة من الاضطراب السياسى والاجتماعى. لذا أناشد الفريق أحمد شفيق، باسم الشرف العسكرى والوطنية المصرية، أن ينسحب طواعية من سباق الرئاسة حفاظاً على أمن هذا الوطن.
فى عصر الاقمار الصناعية
سعوديون يتنافسون في تصوير "الجن" بأماكن مهجورة اقتحموها وأحرقوها    
سعوديون يتنافسون في تصوير "الجن" بأماكن مهجورة اقتحموها وأحرقوها
 
شبان سعوديون يحيطون بمستشفى مهجور اقتحمه البعض وأضرموا به النيران لتصوير الجن.
نشرت صحيفة "الاقتصادية" السعودية  تقريراً تحت عنوان "سعوديون يقتحمون أماكن مهجورة في تنافس لتصوير الجن" تتحدث فيه عن "إشاعات" حول ظهور الجن.

وقالت الصحيفة على موقعها الإلكتروني إنه "لم تكن رسائل الجوال أو الرسائل المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر، هي الدافع الوحيد لإقدام نحو 30 شاباً سعودياً (وتحدثت تقارير صحافية أخرى عن مئات الشبان)... اقتحام مستشفى خاص (اسمه عرقة وهو في الرياض) هُجر منذ 16 عاماً (وقالت تقارير أخرى إنه هجر منذ 26 عاماً)، إذ كان دافع هؤلاء الشباب هو الفوز بلقطات إبداعية ومقاطع مميزة لـ (الجن) القابع في هذا المستشفى".

وذكرت صحيفة "سبق" الإلكترونية التي نشرت عدة تقارير عن الموضوع، إن قوات الأمن السعودي أخلت "مستشفى عرقة المهجور من مئات الشباب الذين تجوَّلوا داخل أرجائه قبل أن يتجه بعضهم لإشعال النار في بعض أجزاء المبنى".

وكان سعوديون قد حددوا موعداً عبر رسائل أجهزة البلاك بيري ومواقع التواصل الاجتماعي من أجل اقتحام أماكن عدة في السعودية، إثر مزاعم شعبية بوجود "جنٍّ" يقبع بداخلها، مما أدى إلى هجران أصحابها لها، وأطلق الشباب على هذا الاقتحام "اليوم العالمي لغزو الجن في أماكن مهجورة في عدد من مدن المملكة".

وكانت ثلاثة أماكن هي نصيب المنطقة الشرقية (الخبر، الدمام، الظهران) من تلك المواقع التي وردت في الرسائل وهي: "بيت في حي الجسر في الدمام، وعمارة البريد في الجبيل، ومستشفى الخزان في حفر الباطن"، إضافة إلى "مستشفى عرقة في (العاصمة) الرياض، وبيت عبد الهادي حسين في نجران، والمصباح المهجور في (مدينة) تبوك، ومستشفى الجزيرة في (مدينة) جدة".

وحاول حوالي 30 شاباً في محافظة حفر الباطن، بحسب الموعد المحدد في الرسائل، اقتحام مبنى مستشفى الخزان المهجور منذ أكثر من 16 عاماً، إذ في تمام الساعة التاسعة والنصف مساءًيوم الاربعاء  23 من مايو (بتوقيت المملكة) بدأ تجمهرهم بالقرب من المستشفى، بهدف الدخول وتصوير مقاطع فيديو نادرة، مما أثار مخاوف سكان الحي القريب من الموقع، وأدى تجمهرهم إلى تعطيل حركة السير مما دفع الدوريات الأمنية إلى إغلاق الطرق المؤدية لموقع المستشفى، وتحويل مسار بعض الطرق الفرعية لفك الاختناقات المرورية في الشوارع المحيطة بالموقع، ليسارع العميد ضيف الله العتيبي مدير شرطة محافظة حفر الباطن إلى الموقع.

وقال المقدم زياد الرقيطي الناطق الإعلامي لشرطة المنطقة الشرقية إنه "تم ضبط مجموعة من الشبان على أثر تجمع أثار انتباه المواطنين وإزعاجهم"، مشيراً إلى "تناقل رسائل من خلال خدمة البلاك بيري وبعض برامج التطبيقات لأجهزة الهواتف الذكية، تفيد بتواجد الجن في بعض الأماكن المهجورة المحددة في الرسالة، وتجمع عدد من الفضوليين للتحقق من صحة ما تم تناقله، وتم فض التجمع في حينه وأخذ التعهدات اللازمة عليهم".

الثلاثاء، 29 مايو 2012

النساء والفقراء.. هل ينتخبون أعداءهم؟

 Mon, 28/05/2012
لأن عقل الإنسان لا يرتد إلى عقل الأميبا، تثور شعوب العالم - خاصة النساء والفقراء ضد الديمقراطية المزيفة، القائمة على ما يسمونه: الانتخابات الحرة «برلمانية ورئاسية»: أخطر اللعب الطبقية الأبوية، منذ نشوء العبودية حتى يومنا هذا فى القرن الواحد والعشرين، تم كشف اللعبة فى كل البلاد، من وول ستريت بنيويورك فى الغرب الأقصى، حتى سان بول بلندن فى الغرب الأوسط، حتى تونس وميدان التحرير فى مصر، أو الشرق الأوسط، باللغة الاستعمارية الأكاديمية، حمى الانتخابات المرض المزمن، مثل الملاريا والبلهارسيا فى الترع والأدغال، وجلد الفقراء ورجم النساء فى العهود البائدة.
كيف تكون انتخابات حرة وسط أغلبية ساحقة تعيش تحت خط الفقر، ووجوه النساء تغطى مثل العورة، أو تفرض عليهن الطاعة العمياء، تحت اسم الدين والأخلاق، أو التعرية والبغاء، تحت اسم السوق وحرية الاختيار؟!
فى مطار استوكهولم، بالأمس، رأيت على شاشة التليفزيون «جيمى كارتر»، كأنما بطل الانتخابات الرئاسية المصرية، يعلن عن فرحه العظيم بعرس الديمقراطية فى مصر، كما أعلن من قبل عن فرحه العظيم بعرس السلام بين إسرائيل ومصر.
فى الطائرة إلى القاهرة همست فى أذنى المضيفة المصرية بصوت حزين: مين ينجح فى الإعادة يا دكتورة: مرسى الإخوان المسلمين، أم شفيق فلول مبارك والنظام السابق؟
ناولتنى الصحف المصرية وسألتنى: تشربى إيه؟ قلت: عصير برتقال طبيعى، قالت: كل العصائر مصنوعة
مثل كل الانتخابات، قلت: نعم.. حرية الانتخابات أكذوبة مثل حرية السوق، مثل معاهدة السلام مثل صداقة أمريكا، مثل فرح جيمى كارتر الكبير بعرس الديمقراطية فى مصر.
تسألنى المضيفة: من المسؤول عن هذه الكارثة؟ الإخوان أم الأقباط أم المجلس العسكرى أم الفلول أم الليبراليون أم اليسار أم اليمين أم الشعب المصرى غير الواعى من النساء والعمال والفلاحين والنخبة المتعلمة، أم منظمات ائتلافات الثورة؟
قلت: كلهم مشاركون فى الكارثة بدرجات مختلفة، منذ قبولهم إجهاض الثورة بانتخابات البرلمان المزيفة قبل وضع الدستور الجديد، هللوا لها وقالوا عنها عرس الديمقراطية حتى ظهرت النتيجة المفجعة واستولى على مجلسى الشعب والشورى الإخوان والسلفيون. كرروا الخطأ، وهللوا لانتخابات الرئاسة قبل وضع الدستور الجديد. قالوا عنها انتخابات رائعة، حتى ظهرت النتيجة فقالوا عنها نهاية مفجعة.
سألت المضيفة المصرية: غباء رجال السياسة فى مصر أم الانتهازية لأخذ الفتات من أى شىء؟
قلت: الاثنان معاً.
قالت: لأنهم رجال؟
قلت: ونساؤهم هل أكثر وعياً؟
ضحكت المضيفة، وقالت: إن كان زوجها إخوانياً أو سلفياً فهى تخشى عقاب الله فى الآخرة وعقاب زوجها فى الدنيا، وإن كان زوجها ليبرالياً أو لا دينياً فهى تخشى الطلاق أو الزوجة الثانية فى الدنيا، على الأقل.
كيف ينتخبون رئيساً لا يعرفون ما هى سلطاته، ثم يلطمون الخدود بعد أن تظهر النتيجة؟! ألا يرون إلا تحت أقدامهم؟ هل يعانون قصر النظر إلى هذا الحد، رغم كونهم قيادات ورؤساء أحزاب وأساتذة جامعات؟
ويشيدون اليوم بكفاءة المجلس العسكرى فى إدارة هذا العرس الانتخابى، وينسون أنهم اتهموه، بالأمس، بسوء إدارة المرحلة الانتقالية وما فيها من فواجع.
كم مرة ينادون بتوحيد القوى الوطنية والثورية والليبرالية دون جدوى! كل فريق يجرى ويهرول وحده ليقول للسلطة «أنا أهه» متصوراً أنه سوف يكسب قبل الآخرين.
الفجيعة الكبرى أن أقصى اليسار عاد الى عادته القديمة، ليساند أقصى اليمين وفلول مبارك نكاية فى الإخوان والتيارات الإسلامية، وبالمثل أصبح الليبراليون واللادينون يساندون الإخوان والسلفيين، نكاية فى فلول مبارك والنظام السابق.
مهزلة تكشف عن غياب المبادئ لدى الجميع، غياب مصلحة الوطن، وفساد اللعبة الديمقراطية الانتخابية.
إنه النظام العالمى المحلى القائم على القوة والديكتاتورية تحت اسم الديمقراطية، والحرب والعدوان تحت اسم السلام، والسرقة والنهب تحت اسم السوق الحرة، والازدواجية والكذب الإعلامى والتربوى تحت اسم التعليم، وخيانة العهد فى الحياة العامة والخاصة تحت اسم الرجولة والقيم الموروثة.
بعد كارثة الانتخابات البرلمانية والرئاسية يخططون لتشكيل جمعية الدستور الجديد، تتسرب بعض أخبارها إلى الصحف، فجريدة «المصرى اليوم» ٢٧ مايو ٢٠١٢ حصلت على نسخة من قانون تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الذى وافقت عليه اللجنة التشريعية بمجلس الشعب أمس. القانون من ١٣ مادة، تنص المادة الثالثة على أن يراعى فى تشكيل الجمعية قدر الامكان تمثيل جميع أطياف المجتمع.
كلمة أطياف المجتمع ماذا تعنى؟ هل النساء طيف من هذه الأطياف، يا لطيف الألطاف! أم أنكم تخترعون كلمات غامضة مراوغة، للهرب من الكلمات الواضحة؟
أقباط، مسلمون، نساء، شباب، عمال، فلاحون، جنود، مثقفون، إذا كانت النساء نصف المجتمع، فبكم تحظى النساء من مقاعد فى لجنة من مائة عضو؟ وما هى معايير تقسيم المقاعد؟
كانت طوابير النساء فى عرس الانتخابات أكثر طولاً من طوابير الرجال.. فهل يتم إعادتهن إلى البيوت كما حدث؟
هل تظل المرأة مجرد أداة فى العائلة والدولة، فى السلم والحرب والثورة والانتخابات والدعايات والإعلانات والأزمات، حتى تنتهى الأزمة فيعود الرجل لسلطته القديمة؟
على شباب وشابات الثورة وكهولها تنظيم صفوفهم وتوحيدها كما فعلوا ونجحوا فى إسقاط رأس النظام السابق، لقد استطاعت الثورة المضادة داخليا وخارجيا تفتيتهم إلى مئات الائتلافات من أجل إضعافهم، فهل يتم استيعاب الدرس، أم يستمر النساء والفقراء فى انتخاب أعدائهم؟ هل نظل ندور فى فلك كلينتون وكارتر والسعودية وقطر والإخوان، والسلفيين والفلول واليسار واليمين والليبراليين؟!

Locations of Site Visitors
Powered By Blogger