الأحد، 24 مارس 2013

قطر ترحب بأعلان اوجلان وقف اطلاق النار مع تركيا
 




كتاب فرنسي يفتح خزينة أسرار قطر

صدر كتـاب فرنسـي بعنوان "قطر، أسرار الخزينة" في باريس عن دار ميشيل لافون، وحسب ماورد في الكتاب فإن أمير قطر يعتبر الأزمة في سوريا مسألة شخصية وأن "حمد ضد الأسد، أحدهما سيرحل".

باريس- قصة الكتاب جاءت بعد تحقيق مطول في بلد قناة الجزيرة، قام به الكاتبان الفرنسيان جورج مالبرونو وكريستيان شينو، في إطار بحثهما عن الأسباب التي ساعدت على تحريرهما من العراق، حيث احتجزا كرهينتين في عام 2004. 

ويزيح الكاتبان الفرنسيان النقاب عن محاولات قطر لشراء الفيتو الروسي في الأمم المتحدة، وخفايا استثماراتها في فرنسا، وكيف انتقل هذا البلد الخليجي، المثير للجدل، من "دبلوماسية دفتر الشيكات" إلى تسليح الثوار على غرار ما حدث مع ليبيا وسوريا.

كرة القدم، العقارات، الطاقة… أمراء قطر لم يتركوا قطاعا إلا واستثمروا فيه. وعلى الصعيد السياسي دعموا جماعة الإخوان المسلمين ودعموا الإطاحة بنظام القذافي في ليبيا ويدعمون المعارضة في سوريا وكان لهم دور في انتفاضات تونس ومصر، فلا شيء يوقف أطماع قطر نحو النفوذ، وفق ما جاء في كتاب لشينو ومالبرونو: "قطر، أسرار الخزينة".

"قطر، أسرار الخزينة"، عبارة عن رحلة في خفايا هذا البلد النفطي الذي يعتمد على ثروته ليتوسّع في العالم، وهذه الرحلة انطلقت من تساؤلات رئيسية طرحها جورج مالبرونو وكريستيان شينو من قبيل لماذا تحاول قطر التسلل إلى المؤسسات الدولية مثل اليونسكو وجامعة الدول العربية؟ وهل يسعى هذا البلد، الذي وصف بـ "قزم بشهية غول"، من خلال تسلله المحموم هذا، ومن خلال دعمه للإسلاميين إلى ضمان سلامة نفوذه؟ وكيف تمكنت قطر من إنشاء امبراطورية ممتدة الأطراف، دون استعمال السلاح، ولكن عن طريق شراء العالم بفضل احتياطاتها من النفط والغاز؟ كذلك يسلّط الكتاب الضوء على ما يجري داخل أسوار القصور الفخمة لأمير قطر ومفاوضاته السرية مع الدول الإسلامية الغربية، وأيضا الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام، وبالتحديد قناة الجزيرة الفضائية، في دبلوماسية قطر التي تسعى إلى أن تكون وسيطا مؤثرا في العالم العربي.

في حوار له حول الكتاب يقول الكاتب والصحفي الفرنسي كريستيان شينو إن الكتاب يروي كيف اشترى القطريون "مركز كليبر"، أكبر مركز للمؤتمرات في باريس، والذي وقع في غرامه أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل الثاني، فدفع فيه 400 مليون يورو في حين أن سعر المبنى في سوق العقارات يقدر بـ350 مليون يورو؛ وهي استراتيجية اقتصادية تتّبعها قطر وتقوم على تقديم عروض أسعار أعلى من اسعار السوق بحوالي 30 أو 40 بالمئة مستندة على قوتها المالية التي تسمح لها بالاستيلاء على الكثير
.
ويضيف شينو، يسلّط الكتاب الضوء على دور قطر في الحرب التي دارت في ليبيا، وانتهت بسقوط نظام معمر القذافي، ونكشف كيف أن قطر لم تدعم فقط الثوار بل أيضا قامت بتسليحهم، حتى أن الحكومة القطرية أرسلت قوات خاصة إلى ليبيا.

وفي الشأن السوري من الواضح أن قطر تقوم بتسليح الثوار وتمويل الجماعات المسلحة المعارضة، وليس بالضرورة الجماعات الأكثر ديمقراطية أو الأكثر اعتدالا. بل إن بعض الجماعات مدعومة من منظمات هي الآن على القائمة الأميركية للتنظيمات الإرهابية.

ويضيف الصحفي الفرنسي، عندما يُسأل المسؤولون القطريون عن دور بلادهم في دعم الجماعات الإسلامية يقولون: "نحن نريد أن نكون مواكبين للتغيرات التاريخية". الرياح اليوم تهب كما يشتهي الإخوان المسلمون الذين حققوا فوزا عاما في الانتخابات، في إشارة إلى صعود الإسلاميين في تونس ومصر.

ويخصص الكتاب حيزا مهما للدور القطري في الأحداث الدائرة في سوريا، منذ ما يقرب السنتين، حيث يكشف الصحفيان الفرنسيان أن أمير قطر بات مهوسا بهذا الملف. ويعتبران أن في الأمر معركة شخصية، بمعنى لو نجا الأسد فالشيخ حمد سيدفع الثمن، لذلك يوظف كل طاقته لإسقاطه. وكلام المؤلفين منقول حرفيا عن أحد أبناء عمومة أمير قطر الذي قال: "إذا طال عمر الأزمة السورية فقد يهتز التوازن الداخلي في الدوحة". 

وقال كبير مراسلي محطة "فرانس انتر" كريستيان شينو، أنه تمت مناقشة عدد كبير من الدبلوماسيين الأميركيين والروس والفرنسيين وغيرهم للحصول على تفاصيل كثيرة تمنها كتاب "قطر: أسرار الخزنة" "Qatar: les secrets du coffre-fort".

"الهدف من الكتابه ليس التهجّم أو البروباغندا وإظهار المعجزة القطرية"، وفق شينو، "بل شرح جوانب كثيرة من المسألة المتعلقة بقطر، فالقدرة المالية والثراء الفاحش لهذه الدولة وغيرها من الأمور، أدت إلى طرح أسئلة عن حقيقة شرائها لبعض الشركات، والسلاح". 

ومن قناة الجزيرة. قال شينو إنّ هذه الفضائية، تماما كما السلطات التي ترعاها، فقدت حيادها وشعارها "الرأي والرأي الآخر" لصالح الترويج الأحادي وقضية الثوّار في البلدان التي تعصف فيها رياح التغيير. من جانبه تحدّث الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون العربية جورج مالبرونو، المقرب من دوائر المخابرات الفرنسية، عن تزايد الانتقادات الموجهة إلى حاكم قطر وزوجته خاصة تعارض مواقفه وسياساته مع العادات والتقاليد القبلية السائدة في ثقافة قطر. وأشار إلى أن هناك غليانا ومخاوف في قطر واتهامات للأمير بتبذير ثروة البلاد لصالح الشركات الأميركية.


الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا كبيرا في تغييرات المشهد السعودي اليوم


هل السعودية بمنأى عن رياح "الربيع العربي"

الباحثة كريل مورفي تتحدث عن الوعي السياسي للشباب السعودي في الوقت الراهن وقدرته مستقبلا على المساهمة في تشكيل السياسات في المملكة سواء عن طريق التحديات التي يفرضها أو مطالبته بالمشاركة في صنع القرار. 

منصف الخروبي

لعدة أيام من شهر آذار- مارس 2012 لفتت طالبات جامعة الملك خالد في مدينة أبها جنوب غرب السعودية انتباه مواطنيهن والمؤسسات الإخبارية في العالم. قاطعت الطالبات الدروس وقمن بمظاهرة تعبيرا عن الضجر من رداءة الظروف في المركّب الجامعي للبنات والقيود المفروضة على الدخول إلى الانترنت. 

وألهمت هذه الأعمال الطلاب الذكور التابعين لنفس الجامعة للقيام باحتجاجات تضامنية وطالبوا بوضع حد للفساد في الإدارة وبأساتذة أكثر كفاءة وطرد العميد الذي رأى الطلاب أنه غير أهل لمنصبه بسبب شخصيته المنغلقة والبيروقراطية.

عند انتشار أخبار الأحداث دهش الملاحظون من أنه في بلد تعيش النساء فيه تحت مجموعة من القيود والفصل التام بين الجنسين كانت الشابات هن من أشعلن فتيل الاحتجاجات. وأمام الحركات الشبابية في عدة بلدان عربية أخرى تحدت علنا الحكومات المتسلطة مما أدى إلى حد ذلك الوقت إلى إسقاط أربع منها، تساءل المعلقون إن كانت أبها هي الفصل الأول من "الصحوة العربية" الخاصة بالمملكة.

ومثلما تبين فيما بعد حفزت احتجاجات جامعة الملك خالد عدة تظاهرات في جامعات سعودية أخرى لكنها كانت سريعة. وفي النهاية لم تهز المملكة حركة شبابية ثورية تعم كامل البلاد، بالرغم من أن المملكة لها الظروف المواتية ديمغرافيا لمثل تلك الحركة حيث تمثل نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين سنة 64 بالمئة من السكان البالغ عددهم 19.4 مليون نسمة.

هناك أسباب كثيرة تجعل المملكة العربية السعودية -الملَكية المطلقة- تتفادى انشقاقا سياسيا ضخما ضمن شبابها. أولا الشباب السعوديون مرفهون ماديا مقارنة بالشباب في عدة بلدان عربية أخرى ولا يعانون من الفقر المدقع مثلما هو الحال في مصر واليمن وتونس وسوريا. ومن المؤكد أنه ليس كل السعوديين أغنياء لكن لديهم أنظمة تغطية اجتماعية قوية توفرها الحكومة والعائلات الموسعة الكبيرة.

وثانيا خصصت الحكومة للشباب 130 مليار دولار من المنافع تم الإعلان عنها في شهر شباط/ فبراير 2011. وتتضمن هذه الحزمة من المنافع أول برنامج لمنح البطالة في المملكة. وبعد عدة أشهر أطلقت الحكومة برنامجا تمت الدعاية له بشكل واسع يهدف إلى معالجة بطالة الشباب عبر تخفيض عدد العمال الأجانب وبذلك إحداث شغورات للباحثين عن العمل من السعوديين. 

إضافة إلى ذلك لمحت الحكومة إلى أنها مستعدة للاستماع إلى شكاويهم، فمثلا تحرك المسؤولون في عدة مركبات جامعية بسرعة لمقابلة الطلبة عند ظهور أول بوادر الغضب للاستماع إليهم والنظر في مطالبهم حتى لا تكتسب أي عملية احتجاجية مفعول كرة الثلج فتكبر وتنتشر، ومن ذلك أن تم استبدال العميد في أبها في شهر آب/ يوليو بعد لقاء قادة الاحتجاج لمناقشة مطالبهم.
كما عمدت الحكومة –إلى حد الآن على الأقل- إلى اتخاذ موقف متسامح مع الانتقادات اللاذعة التي تتلقاها عبر تويتر خاصة من الشباب السعودي، وهو ما أتاح للناس متنفسا واضحا لغضبهم. 

زد على ذلك لا يشجع المجتمع السعودي الشباب لاتباع أندادهم من العرب للنزول إلى الشارع بسبب رفضه للمعارضة السياسية العلنية، فالبلاد ليست لها تقاليد مقاومة شعبية أو عصيان مدني ويتعلم المواطنون أن يعبروا عن نقدهم لزعمائهم عبر القنوات الخصوصية. كما تجدر الإشارة إلى أن الكثير من الشباب السعوديين معجبون بالملك عبد الله بن عبد العزيز ويرون أنه حاكم سخي، ومن ثم يعتبر الكثير منهم من غير المناسب تحدي حكومته.

من خلال حوارات الكاتبة مع الشباب خلال جولتها في المملكة عبّر هؤلاء عن إعجابهم بالمحتجين الشبان في مصر وتونس واليمن لكنهم لا يرون حاجة إلى اتباع طريقتهم لأنهم ما زالوا يأملون في قيام العائلة المالكة بإصلاحات سياسية من تلقاء نفسها وتقاسم السلطة مع الشعب السعودي. والشباب السعودي يؤمن بالتطور وليس الثورة، فضلا على أن قطاعا كبيرا منهم لا يعتنون بالسياسة ولا يرون حاجة إلى الإصلاح ويرضون بالوضع الراهن طالما واصلت الدولة توزيع المنافع المالية وحافظت على الهوية الوطنية الإسلامية.

إذن إلى حد الآن يبدو أنه لا يوجد تهديد كبير من الجماهير الشبابية لحكم آل سعود، والحكومة السعودية لا تواجه جيلا من شباب في العشرينات من أعمارهم غاضبين ومتمردين. وبذلك هل من المفترض أن يطمئن بال الحكومة؟ ليس بالضرورة. 

إن الأمم تدخل عهودا فارقة دون جلبة ولا يلاحظ تسلسل الأحداث إلا بعد سنوات، والمملكة العربية السعودية قد دخلت ذلك العهد، وهو عهد سيساهم الشباب في تحديده بشكل متزايد. وزيادة على أن الشباب يمثل غالبية السكان في المملكة، تمثل الفئة العمرية بين سن 13 و17 أكبر نسبة مئوية من السكان "12 بالمئة". وقريبا سيدخل هؤلاء الشباب الجامعات وسوق العمل وهم لا يستطيعون التخلي عن الانترنت وسيزدادون ارتباطا بها وتأثرا بثقافة معولمة أكثر من أقاربهم الأكبر منهم. 

وستزداد مطالبهم للحصول على فرص عمل وترفيه وسكن في المتناول ومن ثم ستتكثف التحديات المادية أمام الحكومة.
وكذلك سيحصل نفس الشيء بالنسبة إلى التحديات السياسية، فبالرغم من اتخاذ كثير من الشباب موقفا غير مسيّس هناك شريحة هامة من الشباب المهتمين بالسياسة ويرغبون في المشاركة في كيفية حكمهم والكثير منهم يفضلون ملًكية دستورية. وكسب هؤلاء الشباب الشجاعة من الصحوة العربية التي ساهمت في رفع وعيهم السياسي واستعداد الناس للمطالبة بما يرونه من حقهم.

هناك ثلاث مسائل حساسة ستؤثر في الموقف السياسي المستقبلي للشباب السعودي حسب تعامل الحكومة معها. إحداها تزايد الغضب بسبب الآلاف من المساجين الموقوفين لعدة سنوات دون محاكمة. وتم اعتقال معظمهم في إطار محاولة الحكومة التصدي لهجمات القاعدة بين سنتي 2003 و2006، وتدعي الحكومة أنهم جميعا متعاطفون مع القاعدة. وحتى المحاكمات التي أجريت لبعضهم لم تكن مفتوحة للعموم وهذه السرية تؤجج نار الغضب لدى الشباب وخاصة المنتمين إلى وسط ديني محافظ.

المسالة الثانية الخطيرة هي تنامي الغضب لدى الشباب الشيعي في المحافظة الشرقية فهم يشعرون بالاغتراب والرفض من قبل أقرانهم السنة وليس لديهم أمل كبير في تحسن وضعهم. وربما بسبب التمييز الذي يعانون منه والرفض الذي يشعرون به اكتسب الشباب الشيعة وعيا سياسيا أكثر تطورا من أقرانهم السنة. كما أنهم لا ينفرون من المعارضة العلنية وكانوا قد قاموا بمظاهرات منتظمة خلال السنتين الماضيتين كان بعضها عنيفا. وبالرغم من أن الشباب الشيعة ليسوا على استعداد الآن لثورة عنيفة فقد أصبحوا أكثر عرضة لأولئك الذين يهدفون لإذكاء التوترات الطائفية. 

وأخيرا بينما يتضخم عدد الشباب في سن العشرينات إلى أكبر نسبة على الإطلاق في السنوات القليلة القادمة ستمر السعودية بمرحلة حاسمة تتمثل في الانتقال من الجيل القديم للعائلة المالكة إلى الجيل الموالي. إن الملك عبد الله وولي العهد الأمير سلمان كلاهما مريض، وستثير وفاتهما مسألة من سيكون أول ملك من الجيل الموالي، ويخشى الكثير من الشباب أن تخرج الصراعات داخل العائلة المالكة عن السيطرة وتعرض وحدة المملكة إلى الخطر. 
العقد القادم سيكون عهدا مضطربا وصعبا بشكل تدريجي بالنسبة إلى الحكومة السعودية وهي تحاول الاستجابة لطموحات شبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 
إن الشباب السعودي اليوم تحت تأثير قوى خارجة عن سيطرة الحكومة مثل العولمة والثورة المعلوماتية والتعرض المتزايد للثقافات الأخرى وارتفاع المستويات التعليمية. ونظرا لأعدادهم الضخمة ينتظر أن تكون لهم تأثيرات هائلة على المملكة بطرق مختلفة على مستويات اقتصادية واجتماعية ودينية وتعليمية وترفيهية وحتى سياسية.

ومن المؤكد أن هذا الشباب سيكون حاسما في تقرير مسألة قدرة المملكة على التحول إلى اقتصاد تنافسي ومرتبط بالعالم ومجتمع ديناميكي وخلاق في القرن الواحد والعشرين المعقد والمضطرب. ومن البديهي أن التحول سيتطلب منح الشباب السعودي قدرا من الحرية الفكرية أكبر بكثير مما يتمتعون به الآن حتى يتمكنوا من الخلق والإبداع.

الدراسة نشرها مركز ولدرو ويلسن في إطار برنامج الشرق الأوسط في شهر شباط – فبراير 2013

الجمعة، 22 مارس 2013


الإخوان سرقوا الصندوق وأضاعوا مفتاحه

أحمد عثمان أحمد++++

حكومة الإخوان تواجه مشاكل اقتصادية وأمنية عديدة، نتجت عن عدم رغبتها في التراجع عن الخطة التي رسمتها للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية

جاء الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بوقف تنفيذ قرار الرئيس مرسي بدعوة الناخبين لانتخابات مجلس النواب الشهر القادم، ليمثل نكسة لجماعة الإخوان المسلمين وبداية النهاية لمشروعها للاستلاء على الحكم في مصر. ورغم تظاهر الإخوان بالموافقة على قرار المحكمة، فإن الجماعة تبحث الآن عن أية وسيلة تمكنها من الالتفاف على قرار المحكمة العليا، كي تتمكن من إجراء الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة. 

ذلك أن حكومة الإخوان تواجه مشاكل اقتصادية وأمنية عديدة، نتجت عن عدم رغبتها في التراجع عن الخطة التي رسمتها للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية، ورفضها الاستجابة لمطالب الجماهير بتغيير الحكومة وتعديل الدستور. 

ولما كان الإخوان يعتقدون أن وجود مرسي على رأس الدولة هي فرصتهم الوحيدة لفرض مشروعهم السياسي، بإقامة دولة إسلامية تمهد لإعلان عودة الخلافة في القاهرة.

فهم ليسوا على استعداد لقبول مشاركة التيارات المدنية معهم في الحكم، ولا في تعديل الدستور الذي وضعوه ليمكنهم من إعلان مصر جمهورية إسلامية. 

ورغم أن الشارع المصري يغلي غاضبا من تصرفات الحكومة والرئيس مرسي منذ حوالي شهر ونصف، ورغم عودة شباب الثورة للاعتصام في ميدان التحرير وإعلان مدينة بورسعيد العصيان المدني، وخروج المحلة والمنصورة والإسكندرية في احتجاجات يومية لا تتوقف، فإن الرئيس مرسي وحكومته يتجاهلان كل هذا وكأنه يحدث في بلد آخر، ويكتفيان بتكليف الشرطة بمواجهة المعارضين، الذين يعتبرهم مرسي من البلطجية والخارجين عن القانون. 

وفي وقت يرفض فيه تحالف الأحزاب المعارضة في جبهة الإنقاذ – ومعه تنظيمات شباب الثورة – المشاركة في الانتخابات البرلمانية، قبل تغيير حكومة هشام قنديل ووضع ضمان لنزاهة التصويت، تسارع حكومة الإخوان في الإعداد لهذه الانتخابات، غيرعابئة باعتراض المعترضين. والسبب الذي تقدمه حكومة الإخوان لتبرير هذا التجاهل، هو أن الرئيس مرسي قد وصل إلى السطة عن طريق الأغلبية التي حصل عليها في صندوق الانتخابات، ولهذا فهو الوحيد الذي يملك الشرعية، ويحق له اتخاذ ما يراه من قرارات. 

يعلن الرئيس مرسي عن رغبته في التفاوض مع المعارضين، ويدعوهم كل يوم للحضور إلى قصره، كما يسمح لهم بإبداء أي رأي لهم دون معارضة منه، إلا أنه يقول منذ البداية إنه لن يلتزم بأي من هذه الآراء وسوف يتخذ ما يراه هو ضروريا من قرارات، لأنه يملك الصندوق الذي جاء به إلى السلطة، وهم ليست لديهم صناديق. ويتحدى الرئيس مرسي معارضيه في ثقة بالغة: تعالوا نحتكم إلى الصندوق ونجري انتخابات البرلمان، وإذا فزتم يصبح القرار لكم.

فرغم انخفاض شعبية الإخوان المسلمين مؤخرا إلى درجة كبيرة – كما ظهر بوضوح من نتائج انتخابات اتحادات الطلاب حيث لم يتجاوز نصيبهم 25 ٪ – فالرئيس مرسي واثق من نجاح جماعته في الانتخابات البرلمانية القادمة، حيث أنه أعد لها عدته. فإلى جانب تعيين حوالي 13 ألف شخص من أنصار الجماعة في غالبية المراكز الـرئيسية التي تتحكم في عملية الانتخابات وفرز الأصوات، قام مجلس الشورى بإعادة تقسم الدوائر الانتخابية بحيث يحصل الإخوان على أغلبية المقاعد في كل الأحوال. فقد خصص مجلس الشورى للمناطق المؤيدة للإخوان عددا أكبر من المقـاعد، تزيد بكثير عن تلك التي تؤيد القوى المعارضة لهم.

فبينما يحتاج المرشح إلى 50 ألف صوت للنجاح في مناطق الإخوان، يجب على المرشح المعارض الحصول على 250 ألف صوت، وهذا هو أحد أسباب اعتراض محكمة القضاء الإداري على قانون الانتخابات.

فمع إن الإخوان وحلفاءهم من دعاة الإسلام السياسي تمكنوا في الانتخابات البرلمانية السابقة من الحصول على حوالي 70 ٪، فقد انخفضت شعبيتهم بعد ذلك، ولم يتمكن محمد مرسي مرشحهم للرئاسة من النجاح إلا بعد أن حصل على حوالي ستة ملايين صوت من التيارات المدنية التي ساندته. ومع هذا ورغم تأييد حمدين صباحي و6 أبريل له، لم يتمكن محمد مرسي من التفوق على منافسه أحمد شفيق، إلا بأغلبية لا تزيد على 882 ألفا و751 صوتا، حيث حصل على 51 ٪ من أصوات الناخبين. وعلى هذا فالصندوق الذي يعتمد عليه مرسي لفرض سيطرته على شعب مصر، لم يوافق عليه سوى نصف الناخبين.

ورغم أن مرسي وجماعته يسيطران على الوضع في مصر عن طريق مواجهة الشرطة للمعارضين، فإنهم في حاجة ماسة إلى إجراء انتخابات سريعة لمجلس النواب حتى لا ينهار حكمهم. ففي ظل تفاقم الوضع الاقتصادي الحالي وانخفاض الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي، لم يعد في استطاعة الحكومة استيراد ما تحتاجه البلاد من ضرورات رئيسية سوى لمدة أقصاها ثلاثة أشهر، تنتهي مع بداية شهر يونيو "حزيران" القادم. 

ولما كان صندوق النقد الدولي يطالب بموافقة الشعب المصري على إجراءات التقشف شرطا للموافقة على قرض بحوالي 5 مليار دولار، فإن الحكومة تريد أن يقوم برلمان الإخوان الجديد بالموافقة على هذه الشروط باعتباره ممثلا للشعب.

وبينما تمكنت الحكومة من السيطرة على الوضع في مصر حتى الآن عن طريق رجال الشرطة، فإن إطالة المدة قبل الانتخابات ستؤدي إلى انهيار جهاز الشرطة قبل موعد الانتخابات، كما حدث قبل سقوط الرئيس مبارك. 

عندئذ سينزل الجيش إلى الشارع ليتولى حماية المنشآت العامة، لكنه لن يواجه المحتجين لن يقمع ثورتهم. وبالفعل فقد بدأت الآن عمليات التمرد والعصيان تمتد إلى جهاز الأمن، حيث تم إغلاق عدد من مراكز الشرطة وطالب ضباط وأفراد الشرطة بعزل محمد إبراهيم – وزير الداخلية الذي ورطهم في المعركة بين الشعب وحكومة الإخوان. 

كما أن انتخاب برلمان جديد يسيطر عليه الإخوان وحلفاؤهم من تيار الإسلام السياسي، سوف يمكنهم من استخدام القانون لفرض شرعيتهم بالقوة، حيث يصبح من حق البرلمان إصدار قوانين تجرم قادة المعارضة باعتبارهم محرضين ضد الحكومة الشرعية، وفرض قانون التظاهر الذي يفرض الحصول على موافقة الشرطة قبل التظاهر.وبما أن القضاء ملزم بتطبيق القوانين التي يصدرها البرلمان، يصبح معارضو الحكومة من شباب الثورة، خارجين على القانون يتم وضعهم في السجون. 

من أجل الإسراع بإجراء الانتخابات البرلمانية، أدركت جماعة الإخوان المسلمين أن قانون الانتخابات الحالي، سوف ترفضه المحكمة الدستورية بسبب العوار القانوني الذي أصابه، كما يتأخر صدور قرار المحكمة النهائي – وبالتالي تتأخر انتخابات البرلمان – لعدة أشهر، مما يعرض مرسي وحكومته لأخطار لن يكون في وسعهم مواجهتها. ولما كانت المحكمة الإدارية قد أحالت هذا القانون إلى المحكمة الدستورية لدراسته بسبب عوار في الشكل، فهم يفضلون تفادي العوار الشكلي دون السماح للمحكمة الدستورية بالبحث في مواد القانون نفسه. 

وفي محاولة منه للالتفاف على قرار المحكمة، قرر مجلس الشورى عدم انتظار قرار المحكمة الدستورية، واعتبار القانون الذي وافق عليه مرسي من قبل كأن لم يكن. على أن يبدأ المجلس فورا بوضع قانون جديد يعرضه على محكمة القضاء الإداري، كي يفوت على المحكمة الدستورية فرصة النظر في شرعية القانون نفسه. 

ومهما قام الإخوان بألاعيب للتهرب من حكم القضاء، فإن قرار المحكمة الإدارية بإلغاء دعوة الرئيس لإجراء الانتخابات البرلمانية في 22 أبريل "نيسان" القادم، قد حرم مرسي وجماعة الإخوان من شرعية الصندوق المزور الذي يعدون له، وأصبح عليهم الآن البحث عن مفتاح جديد لإخراجهم من الورطة التي وضعوا أنفسهم فيها، بعد أن عرضوا الدولة المصرية نفسها للانهيار.


ثقافة الاستبداد تجدد رموزها في العالم العربي
فاروق يوسف

من المؤكد أن سقوط أنظمة الاستبداد هو حدث مدو لايُستهان بقيمته التاريخية غير أن ذلك الحدث في حد ذاته لا يكفي لفتح الأبواب على الحرية. ثقافة الاستبداد أكثر خطورة من الأنظمة التي تنتجها والتي تستمد شرعيتها منها. النظام السياسي، أي نظام، مهما كان قويا ومتيقظا ووقائيا فإن زواله ممكن في أية لحظة. أما ثقافته فإنها لا تمحى من النفوس والعقول والذاكرة بيسر. 

وفي مجتمعات ترسخت فيها ثقافة الاستبداد بسبب عوامل تاريخية واجتماعية ودينية مثل المجتمعات العربية فإن هذا الأمر يبدو مركبا ومعقدا وأكثر عسرا مما هو عليه في مجتمعات أخرى. يكفي أن يُلقي المرء نظرة سريعة على التحولات الديمقراطية السريعة والراسخة التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشيوعية الشمولية فيها ليدرك الفجوة التي تفصل مجتمعاتنا عن العالم. ففي دول الربيع العربي سقط الطغاة غير أن الشعوب ذهبت إلى الفوضى. 

أزيلت أسماء الطغاة من الشوارع، هُدمت تماثيلهم في الساحات، أحرقت الكتب التي تذكر بهم. مُزقت الصفحات التي تحمل صورهم في الدفاتر المدرسية. غيرت الأعلام التي كانت تضلل رؤوسهم ومشيتهم العسكرية. غير أن ذلك كله لا ينتمي إلى الحقيقة التي أنتجتهم. كل ما محاه العراقيون مثلا لا ينتسب إلى فكرة الاستبداد القابعة في أعماق نفوسهم. لقد محوا جزءا من صورة مستبد واحد مر بتاريخهم الغاص بالمستبدين. وهو التاريخ الذي أنتج ثقافة يمكنها في أية لحظة أن تنتج مستبدا جديدا. وهو ما نراه في سلوك محمد مرسي، الرجل الذي انتخبه المصريون رئيسا بأسلوب ديمقراطي فصار بعد أشهر سجين قصره، من غير أن يمتد بصره إلى المدن المصرية الثائرة التي صار نزول أبنائها إلى الشوارع بمثابة تصويت رافض لشرعية استمراره رئيسا. 

وإذا ما كان ما شهده العراق من إعادة إنتاج لرموز الاستبداد مسكوتا عنه إعلاميا، بسبب سطوة الولايات المتحدة على الإعلام العالمي فإن واقع الحال في دول الربيع العربي لم يبخل على وسائل الإعلام بالصور والمعلومات والحقائق التي تؤكد أن الثورات التي قامت بها شعوب تلك الدول قد تم احتواؤها من قبل طبقات سياسية جديدة كان هاجسها النضالي الوحيد أن تحل محل الطبقات السياسية القديمة، أن يحل دورها في الاستيلاء على المغانم. 

الأدهى من ذلك أن أية مقارنة منصفة بين الطرفين لابد أن تذهب نتيجتها إيجابيا لصالح المستبد القديم. ولإثبات ذلك يمكننا أن نتخذ من الوقائع التي شهدها العراق خلال العشر سنوات الماضية دليلا على ذلك. إن عملية واحدة من عمليات الفساد التي شهدها العراق الجديد "اختفت ذات يوم تسعة مليارات دولار من غير أن يتم العثور عليها" تعادل إذا لم تفوق كل عمليات الفساد التي شهدها النظام الذي تم إسقاطه بعد الغزو الأميركي عام 2003، بالرغم من أن ذلك النظام كان قد حكم دولة ثرية طوال 35 سنة وتسلط منفردا على مقدراتها ومصير شعبها. 

يحدث كل هذا الفساد مدعوما بثقافة لا ترى في الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر قد يفوقه قسوة وبطشا وتفردا إلا نوعا من الاستحقاق الموضوعي. ولن نبالغ إذا ما قلنا إن هناك من يعتقد أن مجتمعاتنا لا يمكن أن تدار أو تحكم إلا عن طريق الاستبداد، ومن هنا تحضر بين حين وآخر على السنة بعض مفكرينا وسياسينا فكرة اللجوء إلى المستبد العادل الذي يكون قادرا على تصريف شؤوننا، بحزم لا يخطيء طريقه إلى العدالة. وهي فكرة ظلامية تنسف مفهوم العدالة، القائم على حرية الشعب في اختيار من يحكمه ومن يمثله ومن تعهد إليه الأمانة. 

لقد جرى تسويق فكرة المستبد العادل من قبل جماعات سياسية شتى، تختلف في توجهاتها الفكرية غير أن فكرتها عن الحكم تصدر من تراث ثقافي واحد، جوهره الإيمان بالاستبداد.

وكما اتضح أن تلك الجماعات كانت تسوق تلك الفكرة بين الناس في انتظار اللحظة التي تقفز فيها إلى السلطة. ما يجري في مصر، في تونس، في اليمن، في ليبيا وفي العراق من قبل، ما هو إلا استعادة لمفردات ثقافة الاستبداد التي تجدد رموزها في استمرار.

الثلاثاء، 19 مارس 2013


على ماذا اختلفت دول العالم في "وثيقة وقف العنف ضد المرأة "؟

اتحدت عشر دول في اعتراضها على وثيقة الأمم المتحدة "وثيقة وقف العنف ضد المرأة" دون عرقلة لإقرار نصها بالإجماع أمس الأول الجمعة ضمن أجواء من التحذير والتخويف من عواقبها.


وتختلف أسباب الاعتراض بين دولة وأخرى بين الدول العشر المعترضة  على "وثيقة وقف العنف ضد المرأة" والتي تم إقرارها في 15 آذار/ مارس الجاري وهذه الدول هي: روسيا والفاتيكان ومصر والسعودية والسودان وقطر وليبيا وايران ونيجيريا وهندوراس.
فاتفقت ايران وروسيا والفاتيكان في اعتراضها بسبب مخاوفها من الإشارة إلى عمليات منع الحمل والإجهاض وعلاج الأمراض التي تنتقل بالطرق الجنسية إضافة لحماية حقوق المثليين. في حين رحبت الولايات المتحدة بالإعلان لكنها أبدت أسفها لعدم تضمنه إشارة إلى المثليات والمتحولات جنسيا.
وأخفق تعديل اقترحته مصر بأن يتم تنفيذ الوثيقة طبقا للتشريعات والقوانين الخاصة بكل دولة على حدة لكون هذا البند قادراً على نسف كل ما تضمنته الوثيقة من بنود.
وحذرت جماعة "الإخوان المسلمين" من أن إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق المرأة قد يدمر المجتمع بالسماح لها بأن تسافر وتعمل وتستخدم وسيلة لمنع الحمل بدون موافقة زوجها وإعطاء حرية جنسية كاملة للفتيات.
 وقال "الإخوان المسلمون" إن الإعلان سيعطي الزوجات حقوقا كاملة في اقامة دعاوى قانونية ضد أزواجهن باتهامهم بالاغتصاب أو التحرش الجنسي وهو ما يلزم السلطات المختصة بإنزال عقوبات بالأزواج مماثلة لتلك التي ينص عليها القانون في حالة اغتصاب امرأة غريبة او التحرش بها.
وكشفت صحيفة "اليوم السابع " أن الأزهر الشريف منهمك بإعداد وثيقة المرأة منذ أواخر العام الفائت ليواجه الأفكار التغريبية العلمانية وفي نفس الوقت وبنفس الشدة يواجه الفكر المتشدد الذى لا يعطى للمرأة حقوقها، من مشاركة سياسية وخلافة، وستكون الوثيقة مفاجأة للفكر العلماني التغريبي والمتشدد في نفس الوقت.
يذكر أن "وثيقة وقف العنف ضد المرأة" تتكون من 18 صفحة وتدعو الوثيقة الى تشجيع التربية الجنسية للأطفال بالمدارس، وخلق نظام للرعاية الطارئة لضحايا العنف، إضافة لتشديد عقوبة القتل بدافع التحييز ضد المرأة، وتم إقرار الوثيقة في 15 آذار/مارس الجاري بموافقة جميع الدول المشاركة في الدورة 57 للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة، بعد إخفاق المحاولة الأولى لإقرار وثيقة تحمي حقوق المرأة في العالم في عام 2003، وذلك لاختلاف الدول حول بنودها المتعلقة بالتربية الجنسية والسماح بالإجهاض وتفوق حقوق المرأة على التقاليد والمعايير الدينية.

الثلاثاء، 29 يناير 2013

مخاض مصر العسير في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية

مخاض مصر العسير في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية
مخاض مصر العسير في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية
تنذر الأجواء في مصر بفوضى عارمة قد تجتاح البلاد في حال عدم التوصل إلى حلول للوضع الأمني والاقتصادي، وإيجاد مخرج لإنسداد أفق الحوار السياسي بين الأحزاب والحركات المعارضة والرئيس محمد مرسي المتهم بأخونة الدولة وتنفيذ برامج جماعة الإخوان المسلمين. وتكشف الأحداث أنه لا يمكن لأي طرف أن يستأثر بحكم مصر، وأن زمن الإستبداد ولى، وأن الحل يكمن في التعاون لتنفيذ أهداف ثورة يناير.
وأحيا المصريون الذكرى الثانية لثورة 25 يناير وسط حالة من الانقسام السياسي والمجتمعي الحاد. ويكشف حجم التجمعات وانتشارها عن ازدياد حدة الاستقطاب بين حركة الإخوان المسلمين، وكثير من الأحزاب والحركات التي لعبت دورا رئيسا في انتصار الثورة منذ عامين. وتشير الشعارات المطروحة إلى أن الثورة لم تحقق بعد أيا من أهدافها في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية".
وفي أثناء إحياء الذكرى الثانية لثورة يناير، وماتلاه من أحداث، لم يخطف ميدان التحرير وسط القاهرة وحده انتباه وسائل الإعلام العربية والعالمية، فقد عُمدت مظاهرات السويس بالدم، وتبعتها مدينة بورسعيد التي فقدت العشرات من أبنائها قتلى إضافة إلى مئات الجرحى. وفي مقابل تجمع مئات ألوف المتظاهرين من أنصار المعارضة للتأكيد على رفض سياسات الرئيس محمد مرسي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمطالبة بتعديل الدستور الذي أقر أخيرا باستفتاء شعبي، فإن انفلات الأوضاع الأمنية في مناطق عدة، منها العاصمة، مست بهيبة الدولة وقوى الأمن، وسمحت بسيطرة مجموعات لا تحسب على أي طرف سياسي ولا تعرف توجهاتها. ويزداد الحديث عن مجموعات جديدة "بلاك بلوك" و"الألتراس". وفي الأيام الثلاثة الأخيرة أحرق محتجون عددا من المكاتب والمقار التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وقطعوا الشوارع والجسور في أكثر من مكان، وسرقوا محتويات بعض البلديات والدوائر الحكومية.
 ويبدو أن الأمور في أرض الكنانة ليست في أفضل حالاتها، وتزداد الأمور تعقيدا في ظل انسداد الأفق السياسي، وعدم وضوح سكة الحل للخروج من صعوبات الفترة الانتقالية، والانتقال إلى تنفيذ مطالب الشعب المصري بلقمة العيش، والعدالة الاجتماعية. ومع بروز مشكلة بورسعيد برز انقسام مجتمعي حاد حول قرارات القضاء المصري الذي طالما عرف بنزاهته، ولم يكن محط خلاف بين المصريين حتى في عهد الاستبداد أثناء حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، فقرار القضاء حول "مذبحة بورسعيد" نزلت "بردا وسلاما" على مشجعي النادي الأهلي الذين فرحوا وابتهجوا، ونزلت كوقع الكارثة على قسم من أهالي مدينة بورسعيد(وخاصة اهالي المحكومين) وقابلوها بتنظيم هجوم على السجن تسبب بمجزرة جديدة. وكالعادة استغل الإعلام الواقعة ليصب الزيت على النار، ويعمق من جراح المصريين، ويزيد من حالة الاستقطاب.    
وفي مصر اليوم الكثير من الأسئلة والقليل من الأجوبة. وأهم الأسئلة كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ وهل مازالت هناك إمكانية لتلافي الانزلاق إلى كارثة تأتي على ما تبقى من هيبة الدولة، وتضع حدا للتدهور الأمني والاقتصادي؟ وكيف السبيل إلى تحقيق الاستقرار وتنفيذ مطالب الثورة؟.

ثمار التخبط في الفترة الانتقالية...

قبل عامين استطاع المصريون بثباتهم وصمودهم في الساحات اجبار الرئيس مبارك على التنحي، لينتهي به الأمر إلى المحاكم. لكنهم، رغم بلوغ ثورة 25 يناير سن الفطام، لم يستطيعوا الانتقال بمصر إلى برّ الأمان، بل على العكس من ذلك فإن السنتين الأخيرتين ربما تكونان الأسوأ على مصر من عدة جوانب أولها انعدام الأمن، وتراجع الاقتصاد وشل عجلة الانتاج، والإنقسام الحاد. وتقف مصر على حافة الفوضى، وينحصر الحديث عن استمرار الثورة، أو موجة ثانية من الثورة.
ولا بد من الإشارة إلى عدد من المحطات المهمة بعد انتصار ثورة يناير/كانون الثاني 2011 والتي كان لها دور بارز ومؤثر في تطور الأحداث وصولا إلى ما نشهده حاليا.
فقد رحبت القوى الثورية في البداية بالتدخل "المحمود" للجيش ودوره في منع الانفجار قبل عامين، وفي نفس الوقت فإن القوى السياسية والمجتمعية التي اتفقت على إسقاط مبارك لم تكن جاهزة لرسم تصور لطبيعة الفترة الانتقالية وآلية تنفيذ برامج الثورة.
ومع غياب خطة واضحة، برزت مصاعب الانتقال من الإستبداد إلى حكم الشعب، ومازالت مصر تدفع ثمن اجتهادات خاطئة وسياسات تبناها المجلس العسكري في فترة انتقالية زادت من حجم المشكلات الاقتصادية، وفاقمت الاستقطاب الحاد في ظل حكومات ضعيفة.
فعقب انتصار الثورة بيومين أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولي إدارة شؤون البلاد بصورة مؤقتة في أعقاب الإطاحة بمبارك بيانا دستوريا تضمن تعطيل العمل بأحكام دستور عام 1971. وبعدها نظم استفتاء 19 مارس/ آذار 2011 الذي وافقت فيه غالبية المشاركين على تعديلات دستورية من بينها مادة تحدد آلية لانتخاب جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد. وبعد الاستفتاء صاغ المجلس العسكري إعلانا دستوريا يتألف من 63 مادة، من بينها المواد التي جرى الاستفتاء عليها. وتنص إحدى مواده على أن "يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى في اجتماع مشترك بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال ستة أشهر من انتخابهم لانتخاب جمعية تأسيسية من مئة عضو تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها ، ويعرض المشروع خلال خمسة عشر يوما من إعداده على الشعب لاستفتائه في شأنه ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء". 

استفراد الإخوان وتشبثهم بالسلطة...

ولم تشارك حركة الإخوان المسلمين كتنظيم سياسي في المظاهرات التي بدأت في 25 يناير/كانون الثاني 2011. لكن الحركة استطاعت قطف ثمار الثورة لأنها تملك تنظيما قويا متماسكا، زاد رصيده على حساب تشرذم قوى الثورة، وفشل الحكومات بعد مبارك في تثبيت الأمن وتحقيق الإستقرار، وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية للسكان.
وسمح الفوز الساحق لحركات الإسلام السياسي (الإخوان والسلفيون) بأغلبية مقاعد مجلس الشعب والشورى بفرض تصوراتهم على تشكيلة اللجنة التاسيسة لصياغة الدستور، وسيطرت على معظم مقاعدها حسب تعديلات مارس 2011. وبدأت معركة قضائية بصدور حكم بحل اللجنة التأسيسة في أبريل/نيسان، تلاها انتخاب لجنة في يونيو/حزيران ظلت الهيمنة فيها لـ "الإسلاميين"، وبعدها صدر حكم قضائي بحل مجلس الشعب لعدم دستورية بعض مواد قانون الانتخابات الخاص به. وقبل الانتخابات الرئاسية أصدر المجلس العسكري إعلانا دستوريا مكملا. ولعب تكاتف قوى الثورة دورا مؤثرا في دعم مرشح الإخوان محمد مرسي في الجولة الثانية أمام آخر رئيس وزراء في عهد مبارك أحمد شفيق. وتعهد مرسي بدعم قوى الثورة، وعدم إقرار أي دستور غير توافقي، ومشاركة جميع القوى السياسية لتحقيق أهداف الثورة.
واستغل مرسي هجوم سيناء صيف العام الماضي لينهي هيمنة المجلس العسكري، ويلغي الإعلان الدستوري المكمل، ويصدر إعلانا دستوريا جديدا تضمن نصا يقول: "إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية لعملها شكل رئيس الجمهورية خلال 15 يوما جمعية تأسيسية جديدة تمثل أطياف المجتمع المصري بعد التشاور مع القوى الوطنية لإعداد مشروع الدستور الجديد خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها".  
ويذهب فريق واسع إلى أن الأزمة الحالية تصاعدت بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 ومنحه سلطات واسعة، وحصن الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور من أحكام القضاء، ومدد فترة عملها شهرين إضافيين، كما حصن الإعلان الدستوري مجلس الشورى. واعتبر المعارضون أن مرسي نصب نفسه ديكتاتورا وفرعونا جديدا على أرض الكنانة بعدما نص الإعلان على عدم إمكانية الطعن بقراراته السابقة واللاحقة إلى حين انتخاب مجلس شعب جديد. وفجر الإعلان الدستوري ردود فعل غاضبة واحتجاجات عنيفة من أطياف سياسية ومجتمعية مختلفة. وقد تراجع مرسي عن بعض فقرات الإعلان الدستوري لكنه أصر على تنظيم استفتاء على الدستور أقر بأغلبية في صناديق الإقتراع، رغم المعارضة الكبيرة لبعض بنوده التي تؤكد المعارضة أنها تنتهك حقوق الأقليات والمرأة وتكرس "أخونة" الدولة، مما فجر خلافات جديدة لم تنته في الشوارع والساحات.

تلافي الإنزلاق إلى الفوضى ومفاتيح الحل...

وتواصل المعارضة اتهام  الرئيس مرسي بأنه تحول في أقل من ستة أشهر من مرشح احتياطي لحركة الإخوان المسلمين، ثم إلى ممثل للثورة بعد الخيار الصعب الذي أجبر نحو 22 في المئة من الناخبين للتصويت له ضد شفيق، إلى رئيس ينفذ أجندات حركة الإخوان المسلمين، ويأتمر بتوجهات المرشد العام للحركة.
وأضر الخلاف بين الرئيس والمؤسسة القضائية في شأن عزل النائب العام والصمت عن محاصرة المحكمة الدستورية، اضر بهيبة القضاء. وتأثرت صور مرسي كثيرا عقب اعتداء أنصاره على المعتصمين قرب قصر الإتحادية. وأصبحت قوى الأمن حائرة مما جعلها غير قادرة على ضبط الأمور مع انتشار مجموعات مختلفة تطالب بالقصاص أو الرصاص، وتتردد في استخدام القوة وقت الضرورة لمنع الانجرار إلى الفوضى وما هو أسوأ. ويزداد تدخل "فلول" النظام السابق، وأطراف محلية وخارجية ، كل لأجندة خاصة فيه. ولا يمكن التخفيف من افعال الحركات الشبابية الناشئة ودورها العنيف في قطع الطرق والتخريب.
وبالأمس أعلن الرئيس مرسي حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوما في مدن القناة الثلاث بورسعيد، والإسماعيلية، والسويس، عقب سقوط العشرات بين جريح وقتيل، وجدد دعوته للحوار مع الكتل الرئيسية للمعارضة. وأعلنت جبهة الانقاذ الوطني المعارضة أن خطوات الرئيس الأمنية جاءت متأخرة، رفضت "جبهة الانقاذ الوطني" المصرية دعوة الحوار التي اطلقها الرئيس محمد مرسي، واصفة الحوار بأنه "شكلي ولا مضمون له"، داعية الى "تشكيل حكومة وحدة وطنية تدعم ملف العدالة الاجتماعية". واشارت الى انها مع كل "حوار جدي". وهددت الجبهة سابقا بمقاطعة الانتخابات البرلمانية ما لم تستجب السلطة إلى مطالب حددتها بعدة نقاط هي "تشكيل لجنة قانونية لتعديل الدستور" و"تشكيل حكومة انقاذ وطني" وازالة "العدوان على السلطة القضائية وإقالة النائب العام الحالي" و"اخضاع جماعة الاخوان المسلمين للقانون".
وتحتم التطورات في أرض الكنانة وتصاعد العنف على الساسة تبني قرارات تاريخية لانقاذ البلاد من الإنزلاق الى حالة عامة من الفوضى، وانهيار الاقتصاد الوطني. ومما لا شك فيه أن الحلول الأمنية ضرورية من أجل فرض الاستقرار في البلاد، لكن الأهم الانطلاق إلى حلول سياسية.
وأخيرا فإن مصر تعيش أزمة كبيرة مركبة يتحمل نظام الإستبداد السابق قسما كبيرا منها، وساهمت أخطاء الفترة الانتقالية في تعطيل التوصل إلى حلول سريعة وواضحة للأزمة. لكن الشعارات المرفوعة في الساحات في الذكرى الثانية للثورة تؤكد أن فريقا واسعا من المصريين ضاق ذرعا بمحاولة الإخوان المسلمين حكم مصر لوحدهم وفرض الدستور الملائم لأهواء الحركة. كما أن الغضب يزداد من جراء تأخر الحكومة والرئيس في إيجاد حلول للمشكلات المستعصية مثل الفقر والبطالة وغيرها. ويبدو أنه على الرئيس مرسي تذكر الثمن الكبير الذي دفعه الرئيس مبارك جراء تأخره في تبني الخطوات المناسبة في الوقت المناسب. وعلى قادة حركات الإسلام السياسي التفكير جديا في قدرتهم على حكم مصر بمفردهم، فثورة يناير رفعت الظلم عن حزب الإخوان "المضطهد" منذ عشرات السنين، لكنها في نفس الوقت قوت جميع حركات المجتمع المصري وأحزابه السياسية. وعلى قادة الإخوان إجراء مراجعة نقدية لما قدموه حتى الآن من أجل ملامسة معاناة المواطن البسيط المهتم بلقمة العيش والكرامة وغير المعني كثيرا بالصراع السياسي. ولعل الأهم أن يقنع أول رئيس مدني منتخب لمصر معارضية أنه رئيس كل المصريين، وأن تنخرط المعارضة جديا في بناء مصر وإيصال الثورة إلى أهدافها، وعلى الرئيس والمعارضة السعي بجد إلى صوغ عقد اجتماعي وسياسي جديد يحدد العلاقة بين الحاكم والشعب، وإدارك حقيقة أن تسجيل النقاط على حساب الآخر لا يفيد في المراحل الانتقالية التي تتطلب تكاتف الجميع لانقاذ البلاد من الانزلاق إلى فوضى عارمة، تجعل البعض يترحم على أزمنة الإستبداد.
سامر الياس

Locations of Site Visitors
Powered By Blogger