الاثنين، 29 سبتمبر 2014

GMT 0:26:00 2012
الحياة اللندنية

سبت 5 مايو
السعودية ومصر ... والتحول  من علاقات عمودية إلى أفقية
جمال خاشجقى






ثَمة حقيقة مؤلمة في قصة المحامي المصري الشاب الذي اتُّهم بمحاولة تهريب عقاقير طبية للسعودية، هو أنه كاد أن يفرق بين السعودية ومصر، على رغم كل ما نقوله عن العلاقة الإستراتيجية الحتمية بين البلدين والتي يدركها أي طالب مبتدئ في الجيوسياسة.
السبب أننا لم نكمل عملية التحول من النظام العربي القديم الذي انهار العام الماضي إلى النظام الجديد الذي لا يزال يتبلور من حولنا، ولا نزال نستخدم أدوات النظام القديم التي لم تعد صالحة لعلاج مشكلات النظام العربي الجديد، فالإعلام المصري مثلاً، وهو يحتفل بالحصول على حريته، لم يعرف كيف يستخدمها وفق ضوابط المسؤولية، فكان المؤجِّج للأزمة في حفلة مزايدة على الوطنية، وكاد أن ينافسه في ذلك بعض من الإعلام السعودي لولا أن الحكومة السعودية لفتت انتباه «إعلامها» إلى ضرورة ضبط النفس واتباع سياسة الدولة في الحكمة والصبر، حرصاً على علاقة استراتيجية لا يملك قادة البلدين اختيار غير العض عليها بالنواجذ.
أما في مصر، فلقد فقدت الدولة الجديدة -التي لم تكتمل بنيتها بعدُ- السيطرةَ على الإعلام، وليس هذا عيباً وإنما ميزة وتطور طبيعي للمجتمعات وهي تمضي نحو الديموقراطية. في الماضي، كان يكفي اتصال من وزير الإعلام السعودي لنظيره المصري، أو العكس، لعتاب على مقال أو خبر، وخلال 5 دقائق يتم الاتصال بالكاتب أو المذيع ويوضع حد «للتجاوز» الذي سبب عتب الأشقاء. الوزير السعودي لا يزال يستطيع أن يفعل هذا، ولكن المصري لا يستطيع، بل لن يكون في مصر وزير للإعلام يمكن الاتصال به. كيف إذن يمكن التحكم والتأثير في إعلام حر يفقد منطقه أحياناً، وقد يهدد الأمن القومي العربي -ما سبق عبارة مستعارة من زمن النظام العربي القديم- بقدر ما يهدد الأمن الداخلي لمصر، بنشر الإشاعات التي قد تشعل أزمة محلية، وقد حصل هذا مرات عدة منذ الثورة؟
هذه مشكلة مصر، ومشكلة تونس وليبيا وبقية دول الربيع العربي، وحلها لن يكون بإعادة سيطرة الدولة أو الحزب الحاكم على الإعلام، إذ لن يقبل أحد بذلك، وإنما بتشريعات قضائية وميثاق يحكم أخلاقيات العمل الإعلامي. لقد استشعر عدد من زملاء المهنة في مصر هذا الإشكال مبكراً، ولعل قضية الجيزاوي تضغط عليهم للتعجيل بالخروج بميثاقهم أو التشريعات القضائية المقترحة، ولكن مصر متوقفة حالياً حتى تخرج من مأزق نقل السلطة من المجلس العسكري إلى رئيس منتخب، والذي لا نعرف بعدها هل سيكون هو السلطة أم البرلمان؟
حتى ذلك الحين ستمضي مصر قلقة تحت رحمة إشاعة تحرك العامة إلى العباسية فيقتل منهم عشرون، أو أمام السفارة السعودية في الجيزة، فلا يقتل أحد، ومن ألطاف الله أنه لم يقتل أحد هناك على أسوار السفارة فيطوَّب كـ «شهيد السفارة السعودية» من أحد «فلول» الإعلاميين المصريين، ممن يبحث عن «وطنية» يمحو بها موقفه السابق من الثورة.
أما المملكة، فتحتاج إلى أن تطور أدوات جديدة قديمة في علاقاتها الخارجية مع دول الربيع العربي، والحق أن كل الدول العربية باتت دولاً للربيع العربي الذي لم ولن يسلم منه أحد.
ما قبل الربيع، كانت العلاقات بين السعودية ومصر «عمودية»، بين الملك والرئيس مباشرة، وكل شيء كان يتم بينهما، وما على الوزراء إلا تنفيذ التوجيهات، حتى الأفكار والمقترحات التي تتبلور في اجتماعات اللجان المشتركة أو الوزراء تصعد هي الأخرى عمودياً للقيادة ثم تصدر بها التوجيهات.
السعودية لا تزال محتفظة بهيكليتها «العمودية»، لكن مصر تحولت إلى نظام أفقي، وهو ما يتطلب استخدام أدوات جديدة، لعل هذا يفسر زيارة رئيس مجلس الشعب المصري سعد الكتاتني نهاية الأسبوع الماضي للمملكة على رأس وفد من مجلس الشعب والشورى المصريين.
نحن نحتاج أيضاً إلى اعتماد سياسة أفقية في علاقتنا مع مصر. إنها فكرة قديمة ومؤسسة ومجربة، وهي «الديبلوماسية العامة» التي تقوم على الاتصال بكل أطياف المجتمع. يجب أن نتواصل شعبياً أيضاً، والحق أن بعض الفضل في احتواء أزمة الجيزاوي يعود إلى مبادرات شعبية من مواطنين في البلدين رفضوا أن يستسلموا للمؤججين والمتعصبين، مصريين وسعوديين، فتواصلوا عبر الشبكات الاجتماعية للتعبير عن عمق الأخوة بين الشعبيين. حان الوقت كي نرى شباباً سعوديين في ميدان التحرير يتحاورون مع شباب الثورة بمختلف أحزابهم وتجمعاتهم، وعلماء دين يزورون الأزهر، رجال أعمال يلتقون بنظرائهم، مصر تولد من جديد وبحكم العلاقة الخاصة بيننا يجب أن نحضر تلك الولادة. لا يعني هذا أن نكون كالضيف الثقيل الذي يتدخل في أمور البيت الخاصة، فبالطبع هناك لحظات حرجة أثناء أي ولادة يفضل أن نخرج خلالها من غرفة العمليات.
هذه «الديبلوماسية العامة» التي يكون بعضها رسمياً والآخَرُ شعبياً، كفيلة باحتواء أزمات المستقبل. الحرية تعني أن تسمع ما تحب وتكره. هذه هي مصر الجديدة، ليس كل من فيها يحب السعودية ولا كل من في السعودية يحب مصر، ولكن التواصل كفيل بعلاج حال «الكراهية بين العرب» لدى البعض. إنها حال لا تخص السعوديين والمصريين فقط، لقد حصلت كارثة مشابهة بين المصريين والجزائريين بسبب لعبة كرة قدم قبل عامين، بلغت من السوء أنه لو كانت بين البلدين حدود مشتركة لربما وقعت حرب بينهما.
هذه الديبلوماسية الشعبية يمكن أن تجيب المصريين عن أسئلتهم المعلقة أفضل مما سيفعل مذيعو البرامج الحوارية التي تكاثرت على خراش في فضائيات التلفزيون، هل السعودية ضد الثورة؟ هل تتمنى عودة مبارك؟ هل تدعم السلفيين؟ هل تفضل مرشحاً بعينه؟ وهل تنوي سحب استثماراتها من مصر؟ كما ستجيب عن أسئلة السعوديين: هل ينوي «الإخوان» تصدير الثورة والتدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج؟ هل ينوون التحالف مع إيران؟ هل سيتحول هوى مصر نحو تركيا بعيداً عنا؟ هل ستصدر تشريعات تضيق على الاستثمارات السعودية في مصر؟ وأخيراً متى سنبني جسراً فوق خليج العقبة يربط بين البلدين بعدما فرقت بيننا إسرائيل؟
إلى أن نصل إلى السؤال الأهم: ماذا سنفعل بإسرائيل؟
السعودية ومصر ... والتحول من علاقات عمودية إلى أفقية
الحياة اللندنية

GMT 0:26:00 2012 السبت 5 مايو


جمال خاشقجي

ثَمة حقيقة مؤلمة في قصة المحامي المصري الشاب الذي اتُّهم بمحاولة تهريب عقاقير طبية للسعودية، هو أنه كاد أن يفرق بين السعودية ومصر، على رغم كل ما نقوله عن العلاقة الإستراتيجية الحتمية بين البلدين والتي يدركها أي طالب مبتدئ في الجيوسياسة.
السبب أننا لم نكمل عملية التحول من النظام العربي القديم الذي انهار العام الماضي إلى النظام الجديد الذي لا يزال يتبلور من حولنا، ولا نزال نستخدم أدوات النظام القديم التي لم تعد صالحة لعلاج مشكلات النظام العربي الجديد، فالإعلام المصري مثلاً، وهو يحتفل بالحصول على حريته، لم يعرف كيف يستخدمها وفق ضوابط المسؤولية، فكان المؤجِّج للأزمة في حفلة مزايدة على الوطنية، وكاد أن ينافسه في ذلك بعض من الإعلام السعودي لولا أن الحكومة السعودية لفتت انتباه «إعلامها» إلى ضرورة ضبط النفس واتباع سياسة الدولة في الحكمة والصبر، حرصاً على علاقة استراتيجية لا يملك قادة البلدين اختيار غير العض عليها بالنواجذ.
أما في مصر، فلقد فقدت الدولة الجديدة -التي لم تكتمل بنيتها بعدُ- السيطرةَ على الإعلام، وليس هذا عيباً وإنما ميزة وتطور طبيعي للمجتمعات وهي تمضي نحو الديموقراطية. في الماضي، كان يكفي اتصال من وزير الإعلام السعودي لنظيره المصري، أو العكس، لعتاب على مقال أو خبر، وخلال 5 دقائق يتم الاتصال بالكاتب أو المذيع ويوضع حد «للتجاوز» الذي سبب عتب الأشقاء. الوزير السعودي لا يزال يستطيع أن يفعل هذا، ولكن المصري لا يستطيع، بل لن يكون في مصر وزير للإعلام يمكن الاتصال به. كيف إذن يمكن التحكم والتأثير في إعلام حر يفقد منطقه أحياناً، وقد يهدد الأمن القومي العربي -ما سبق عبارة مستعارة من زمن النظام العربي القديم- بقدر ما يهدد الأمن الداخلي لمصر، بنشر الإشاعات التي قد تشعل أزمة محلية، وقد حصل هذا مرات عدة منذ الثورة؟
هذه مشكلة مصر، ومشكلة تونس وليبيا وبقية دول الربيع العربي، وحلها لن يكون بإعادة سيطرة الدولة أو الحزب الحاكم على الإعلام، إذ لن يقبل أحد بذلك، وإنما بتشريعات قضائية وميثاق يحكم أخلاقيات العمل الإعلامي. لقد استشعر عدد من زملاء المهنة في مصر هذا الإشكال مبكراً، ولعل قضية الجيزاوي تضغط عليهم للتعجيل بالخروج بميثاقهم أو التشريعات القضائية المقترحة، ولكن مصر متوقفة حالياً حتى تخرج من مأزق نقل السلطة من المجلس العسكري إلى رئيس منتخب، والذي لا نعرف بعدها هل سيكون هو السلطة أم البرلمان؟
حتى ذلك الحين ستمضي مصر قلقة تحت رحمة إشاعة تحرك العامة إلى العباسية فيقتل منهم عشرون، أو أمام السفارة السعودية في الجيزة، فلا يقتل أحد، ومن ألطاف الله أنه لم يقتل أحد هناك على أسوار السفارة فيطوَّب كـ «شهيد السفارة السعودية» من أحد «فلول» الإعلاميين المصريين، ممن يبحث عن «وطنية» يمحو بها موقفه السابق من الثورة.
أما المملكة، فتحتاج إلى أن تطور أدوات جديدة قديمة في علاقاتها الخارجية مع دول الربيع العربي، والحق أن كل الدول العربية باتت دولاً للربيع العربي الذي لم ولن يسلم منه أحد.
ما قبل الربيع، كانت العلاقات بين السعودية ومصر «عمودية»، بين الملك والرئيس مباشرة، وكل شيء كان يتم بينهما، وما على الوزراء إلا تنفيذ التوجيهات، حتى الأفكار والمقترحات التي تتبلور في اجتماعات اللجان المشتركة أو الوزراء تصعد هي الأخرى عمودياً للقيادة ثم تصدر بها التوجيهات.
السعودية لا تزال محتفظة بهيكليتها «العمودية»، لكن مصر تحولت إلى نظام أفقي، وهو ما يتطلب استخدام أدوات جديدة، لعل هذا يفسر زيارة رئيس مجلس الشعب المصري سعد الكتاتني نهاية الأسبوع الماضي للمملكة على رأس وفد من مجلس الشعب والشورى المصريين.
نحن نحتاج أيضاً إلى اعتماد سياسة أفقية في علاقتنا مع مصر. إنها فكرة قديمة ومؤسسة ومجربة، وهي «الديبلوماسية العامة» التي تقوم على الاتصال بكل أطياف المجتمع. يجب أن نتواصل شعبياً أيضاً، والحق أن بعض الفضل في احتواء أزمة الجيزاوي يعود إلى مبادرات شعبية من مواطنين في البلدين رفضوا أن يستسلموا للمؤججين والمتعصبين، مصريين وسعوديين، فتواصلوا عبر الشبكات الاجتماعية للتعبير عن عمق الأخوة بين الشعبيين. حان الوقت كي نرى شباباً سعوديين في ميدان التحرير يتحاورون مع شباب الثورة بمختلف أحزابهم وتجمعاتهم، وعلماء دين يزورون الأزهر، رجال أعمال يلتقون بنظرائهم، مصر تولد من جديد وبحكم العلاقة الخاصة بيننا يجب أن نحضر تلك الولادة. لا يعني هذا أن نكون كالضيف الثقيل الذي يتدخل في أمور البيت الخاصة، فبالطبع هناك لحظات حرجة أثناء أي ولادة يفضل أن نخرج خلالها من غرفة العمليات.
هذه «الديبلوماسية العامة» التي يكون بعضها رسمياً والآخَرُ شعبياً، كفيلة باحتواء أزمات المستقبل. الحرية تعني أن تسمع ما تحب وتكره. هذه هي مصر الجديدة، ليس كل من فيها يحب السعودية ولا كل من في السعودية يحب مصر، ولكن التواصل كفيل بعلاج حال «الكراهية بين العرب» لدى البعض. إنها حال لا تخص السعوديين والمصريين فقط، لقد حصلت كارثة مشابهة بين المصريين والجزائريين بسبب لعبة كرة قدم قبل عامين، بلغت من السوء أنه لو كانت بين البلدين حدود مشتركة لربما وقعت حرب بينهما.
هذه الديبلوماسية الشعبية يمكن أن تجيب المصريين عن أسئلتهم المعلقة أفضل مما سيفعل مذيعو البرامج الحوارية التي تكاثرت على خراش في فضائيات التلفزيون، هل السعودية ضد الثورة؟ هل تتمنى عودة مبارك؟ هل تدعم السلفيين؟ هل تفضل مرشحاً بعينه؟ وهل تنوي سحب استثماراتها من مصر؟ كما ستجيب عن أسئلة السعوديين: هل ينوي «الإخوان» تصدير الثورة والتدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج؟ هل ينوون التحالف مع إيران؟ هل سيتحول هوى مصر نحو تركيا بعيداً عنا؟ هل ستصدر تشريعات تضيق على الاستثمارات السعودية في مصر؟ وأخيراً متى سنبني جسراً فوق خليج العقبة يربط بين البلدين بعدما فرقت بيننا إسرائيل؟
إلى أن نصل إلى السؤال الأهم: ماذا سنفعل بإسرائيل؟
في ظلم اليمين واليسار للمرأة المصرية   

د.نوال السعداوى 

                            



لعب «المجلس العسكري» المصري، بعد سقوط مبارك دوراً في عرقلة جهود «الاتحاد النسائي المصري» الذي تشكل في ميدان التحرير (وسط القاهرة) في ١٣ شباط (فبراير) ٢٠١١. أمر «المجلس العسكري» بتشكيل «المجلس القومي للمرأة»، الذي لا يختلف كثيراً عن مجلس سوزان مبارك في خضوعه للسلطة الحاكمة، وتقوده الشخصيات ذاتها التي اشتغلت معها، وبعض قيادات المنظمات النسائية التي نشأت وترعرعت في ظل نظام مبارك. بعد قفز التيار الإسلامي إلى الحكم، برزت النساء المنقبات والمحجبات، وعلى رأسهن زوجة رئيس الدولة، لا نسمع صوت إحداهن تدافع عن حقوق النساء والتي تُسلب على نحو متزايد تحت اسم الدين والشريعة، وتردد هؤلاء النساء ما تقوله التيارات السياسية السائدة من أن الختان والحجاب جزء من هوية المرأة المصرية المسلمة، ويهاجمن المناضلات لتحرير المرأة، ويوجهن اليهن تهمة الكفر أو الخيانة الوطنية، أو على الأقل تقليد الغربيات المنحلاّت أخلاقياً.

قضية تحرير النساء لا تنفصل عن قضية تحرير مصر كلها، وقد ربطت رائدات الحركة النسائية المصرية، منذ ستين عاماً، بين تحرير مصر من الاستعمار الخارجي، وتحرير النساء والرجال من النظام الطبقي الأبوي المستبد داخلياً. وكان المفروض أن تكون قضية المرأة المصرية من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية المهمة بعد ثورة يناير 2011، التي نادت بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة للجميع نساءً ورجالاً، وبعدما شاركت النساء جنباً الى جنب الرجال في الثورة، لكن أهمية القضايا السياسية لا تنبع من مبدأ العدالة للجميع، بل من منطق القوة التي تقفز الى مقاعد السلطة بعد الثورة.

النساء خارج دائرة هذه السلطة. غالبيتهن داخل البيوت محجبات، مقيدات بسلطة الزوج المطلقة بحكم قانون الأسرة الأبوي. وإن خرجت المرأة للعمل وأنفقت على زوجها والأسرة، فإنها تظل تحت حكم زوجها، يُستولى على مالها ويطلقها متى شاء، أو يتزوج عليها.

تصبح المرأة أو الشخص الداعي إلى تحرير النساء داعياً إلى هدم الدين أو إباحة المحرّمات الوطنية والدينية، إضافة الى كونه عميلاً للأجانب، باعتبار أن الأجنبي هو عدو الله والوطن. فشلت النساء المصريات (والرجال من ذوي الضمائر) في تغيير قانون الأحوال الشخصية، على رغم النضال الطويل، بسبب خوف مزمن من «عقاب إلهي». ولم تكن كشوف العذرية للشابات المشاركات في ثورة يناير، إلا محاولة لإشاعة الخوف بين الفتيات وعائلاتهن، وبالتالي يفرض الأهالي على بناتهم عدم الخروج الى التظاهرات، خوفاً على عذريتهن، أو حماية لشرف الأسرة الذي لا يقل المساس به خطورة في نفوس الشعب عن المساس بذات الحاكم. تزيد اشكالية قضية تحرير النساء مع تصاعد قوى اليمين الطبقية الرأسمالية داخلياً وخارجياً، ومعها حلفاؤها من التيارات السياسية الدينية في مصر وخارجها. يزيد من الاشكالية أيضاً أن قوى اليسار (من الاشتراكيين والشيوعيين الذين يحاربون الرأسمالية والقهر الطبقي للعمال) لا يهتمون بقضية نصف المجتمع من النساء، لأنها تخلخل النظام الأبوي داخل الأسرة، مما يهدد المصالح السلطوية للزوج والأب. وقد تتحمس قوى اليسار لقضية النساء (جزئياً) لاستخدامهن في الثورات ضد اليمين الرأسمالي الاستعماري والامبريالية والصهيونية، وضد الدولة المصرية المستبدة داخلياً، بشرط ألا تتجاوز المرأة حدودها وتطالب بتغيير قانون الأسرة، أو المساواة التامة بين الآباء والأمهات والأزواح والزوجات في الدستور.

القوى السياسية بكل أطيافها في مصر (يسار ويمين ووسط) التي استولت على مهمة إعداد الدستور اختلفت على كل شيء، إلا المساس بقانون الاحوال الشخصية القائم على السلطة الأبوية المطلقة. نشر أحد زعماء اليسار المصري الثوري برنامج حزبه لتحقيق مبادئ الثورة، الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، ولم ترد كلمة قضية المرأة في البرنامج أو مساواة النساء والرجال في قانون الأحوال الشخصية. في الدستور تتوقف العدالة الاجتماعية عندهم عند باب البيت. تظل الأسرة الأبوية من الثوابت المقدسة في نظر اليسار واليمين على حد سواء، يشمل اليمين التيارات الدينية السياسية ويشمل اليسار مختلف أطياف الاشتراكيين والشيوعيين والليبراليين المعادين للاستعمار الخارجي. فشل اليسار المصري في تحرير العمال والفلاحين والطبقات الكادحة من الفقر والأمية، مع ذلك يحمّلون النساء مسؤولية القضاء على الفقر والأمية ويتهمونهن بالنخبوية إن ناضلن من أجل تحرير النساء من العنف الجنسي. «يمط الرجال بوزهم» في وجه النساء إن نطقن كلمة حرية المرأة، باعتبار أن حرية المرأة من الكماليات المستوردة من أميركا، أو مطلب قلة من نساء الطبقة العليا البرجوازية ولا تهتم النساء الفقيرات الكادحات بهذه الحرية. أما حرية الرجل فهي حرية محترمة من حق الرجال الفقراء مثلهم مثل رجال الطبقات الأعلى... تدور الحركة النسائية المصرية داخل هذه الحلقة المفرغة من النقد والاتهامات منذ مئات السنين حتى اليوم.

لن تحل الإشكال إلا أجيال جديدة من النساء الشجاعات اللائي لا يستمعن إلى ما يقوله المبتسرون من الزملاء في الأحزاب، اليسار واليمين والوسط، وذوي اللحى أو من دون اللحى، وحين تحترم المرأة المصرية حريتها وكرامتها بمثل ما يحترم الرجل حريته وكرامته.

الأحد، 24 مارس 2013

قطر ترحب بأعلان اوجلان وقف اطلاق النار مع تركيا
 




كتاب فرنسي يفتح خزينة أسرار قطر

صدر كتـاب فرنسـي بعنوان "قطر، أسرار الخزينة" في باريس عن دار ميشيل لافون، وحسب ماورد في الكتاب فإن أمير قطر يعتبر الأزمة في سوريا مسألة شخصية وأن "حمد ضد الأسد، أحدهما سيرحل".

باريس- قصة الكتاب جاءت بعد تحقيق مطول في بلد قناة الجزيرة، قام به الكاتبان الفرنسيان جورج مالبرونو وكريستيان شينو، في إطار بحثهما عن الأسباب التي ساعدت على تحريرهما من العراق، حيث احتجزا كرهينتين في عام 2004. 

ويزيح الكاتبان الفرنسيان النقاب عن محاولات قطر لشراء الفيتو الروسي في الأمم المتحدة، وخفايا استثماراتها في فرنسا، وكيف انتقل هذا البلد الخليجي، المثير للجدل، من "دبلوماسية دفتر الشيكات" إلى تسليح الثوار على غرار ما حدث مع ليبيا وسوريا.

كرة القدم، العقارات، الطاقة… أمراء قطر لم يتركوا قطاعا إلا واستثمروا فيه. وعلى الصعيد السياسي دعموا جماعة الإخوان المسلمين ودعموا الإطاحة بنظام القذافي في ليبيا ويدعمون المعارضة في سوريا وكان لهم دور في انتفاضات تونس ومصر، فلا شيء يوقف أطماع قطر نحو النفوذ، وفق ما جاء في كتاب لشينو ومالبرونو: "قطر، أسرار الخزينة".

"قطر، أسرار الخزينة"، عبارة عن رحلة في خفايا هذا البلد النفطي الذي يعتمد على ثروته ليتوسّع في العالم، وهذه الرحلة انطلقت من تساؤلات رئيسية طرحها جورج مالبرونو وكريستيان شينو من قبيل لماذا تحاول قطر التسلل إلى المؤسسات الدولية مثل اليونسكو وجامعة الدول العربية؟ وهل يسعى هذا البلد، الذي وصف بـ "قزم بشهية غول"، من خلال تسلله المحموم هذا، ومن خلال دعمه للإسلاميين إلى ضمان سلامة نفوذه؟ وكيف تمكنت قطر من إنشاء امبراطورية ممتدة الأطراف، دون استعمال السلاح، ولكن عن طريق شراء العالم بفضل احتياطاتها من النفط والغاز؟ كذلك يسلّط الكتاب الضوء على ما يجري داخل أسوار القصور الفخمة لأمير قطر ومفاوضاته السرية مع الدول الإسلامية الغربية، وأيضا الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام، وبالتحديد قناة الجزيرة الفضائية، في دبلوماسية قطر التي تسعى إلى أن تكون وسيطا مؤثرا في العالم العربي.

في حوار له حول الكتاب يقول الكاتب والصحفي الفرنسي كريستيان شينو إن الكتاب يروي كيف اشترى القطريون "مركز كليبر"، أكبر مركز للمؤتمرات في باريس، والذي وقع في غرامه أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل الثاني، فدفع فيه 400 مليون يورو في حين أن سعر المبنى في سوق العقارات يقدر بـ350 مليون يورو؛ وهي استراتيجية اقتصادية تتّبعها قطر وتقوم على تقديم عروض أسعار أعلى من اسعار السوق بحوالي 30 أو 40 بالمئة مستندة على قوتها المالية التي تسمح لها بالاستيلاء على الكثير
.
ويضيف شينو، يسلّط الكتاب الضوء على دور قطر في الحرب التي دارت في ليبيا، وانتهت بسقوط نظام معمر القذافي، ونكشف كيف أن قطر لم تدعم فقط الثوار بل أيضا قامت بتسليحهم، حتى أن الحكومة القطرية أرسلت قوات خاصة إلى ليبيا.

وفي الشأن السوري من الواضح أن قطر تقوم بتسليح الثوار وتمويل الجماعات المسلحة المعارضة، وليس بالضرورة الجماعات الأكثر ديمقراطية أو الأكثر اعتدالا. بل إن بعض الجماعات مدعومة من منظمات هي الآن على القائمة الأميركية للتنظيمات الإرهابية.

ويضيف الصحفي الفرنسي، عندما يُسأل المسؤولون القطريون عن دور بلادهم في دعم الجماعات الإسلامية يقولون: "نحن نريد أن نكون مواكبين للتغيرات التاريخية". الرياح اليوم تهب كما يشتهي الإخوان المسلمون الذين حققوا فوزا عاما في الانتخابات، في إشارة إلى صعود الإسلاميين في تونس ومصر.

ويخصص الكتاب حيزا مهما للدور القطري في الأحداث الدائرة في سوريا، منذ ما يقرب السنتين، حيث يكشف الصحفيان الفرنسيان أن أمير قطر بات مهوسا بهذا الملف. ويعتبران أن في الأمر معركة شخصية، بمعنى لو نجا الأسد فالشيخ حمد سيدفع الثمن، لذلك يوظف كل طاقته لإسقاطه. وكلام المؤلفين منقول حرفيا عن أحد أبناء عمومة أمير قطر الذي قال: "إذا طال عمر الأزمة السورية فقد يهتز التوازن الداخلي في الدوحة". 

وقال كبير مراسلي محطة "فرانس انتر" كريستيان شينو، أنه تمت مناقشة عدد كبير من الدبلوماسيين الأميركيين والروس والفرنسيين وغيرهم للحصول على تفاصيل كثيرة تمنها كتاب "قطر: أسرار الخزنة" "Qatar: les secrets du coffre-fort".

"الهدف من الكتابه ليس التهجّم أو البروباغندا وإظهار المعجزة القطرية"، وفق شينو، "بل شرح جوانب كثيرة من المسألة المتعلقة بقطر، فالقدرة المالية والثراء الفاحش لهذه الدولة وغيرها من الأمور، أدت إلى طرح أسئلة عن حقيقة شرائها لبعض الشركات، والسلاح". 

ومن قناة الجزيرة. قال شينو إنّ هذه الفضائية، تماما كما السلطات التي ترعاها، فقدت حيادها وشعارها "الرأي والرأي الآخر" لصالح الترويج الأحادي وقضية الثوّار في البلدان التي تعصف فيها رياح التغيير. من جانبه تحدّث الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون العربية جورج مالبرونو، المقرب من دوائر المخابرات الفرنسية، عن تزايد الانتقادات الموجهة إلى حاكم قطر وزوجته خاصة تعارض مواقفه وسياساته مع العادات والتقاليد القبلية السائدة في ثقافة قطر. وأشار إلى أن هناك غليانا ومخاوف في قطر واتهامات للأمير بتبذير ثروة البلاد لصالح الشركات الأميركية.


الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا كبيرا في تغييرات المشهد السعودي اليوم


هل السعودية بمنأى عن رياح "الربيع العربي"

الباحثة كريل مورفي تتحدث عن الوعي السياسي للشباب السعودي في الوقت الراهن وقدرته مستقبلا على المساهمة في تشكيل السياسات في المملكة سواء عن طريق التحديات التي يفرضها أو مطالبته بالمشاركة في صنع القرار. 

منصف الخروبي

لعدة أيام من شهر آذار- مارس 2012 لفتت طالبات جامعة الملك خالد في مدينة أبها جنوب غرب السعودية انتباه مواطنيهن والمؤسسات الإخبارية في العالم. قاطعت الطالبات الدروس وقمن بمظاهرة تعبيرا عن الضجر من رداءة الظروف في المركّب الجامعي للبنات والقيود المفروضة على الدخول إلى الانترنت. 

وألهمت هذه الأعمال الطلاب الذكور التابعين لنفس الجامعة للقيام باحتجاجات تضامنية وطالبوا بوضع حد للفساد في الإدارة وبأساتذة أكثر كفاءة وطرد العميد الذي رأى الطلاب أنه غير أهل لمنصبه بسبب شخصيته المنغلقة والبيروقراطية.

عند انتشار أخبار الأحداث دهش الملاحظون من أنه في بلد تعيش النساء فيه تحت مجموعة من القيود والفصل التام بين الجنسين كانت الشابات هن من أشعلن فتيل الاحتجاجات. وأمام الحركات الشبابية في عدة بلدان عربية أخرى تحدت علنا الحكومات المتسلطة مما أدى إلى حد ذلك الوقت إلى إسقاط أربع منها، تساءل المعلقون إن كانت أبها هي الفصل الأول من "الصحوة العربية" الخاصة بالمملكة.

ومثلما تبين فيما بعد حفزت احتجاجات جامعة الملك خالد عدة تظاهرات في جامعات سعودية أخرى لكنها كانت سريعة. وفي النهاية لم تهز المملكة حركة شبابية ثورية تعم كامل البلاد، بالرغم من أن المملكة لها الظروف المواتية ديمغرافيا لمثل تلك الحركة حيث تمثل نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين سنة 64 بالمئة من السكان البالغ عددهم 19.4 مليون نسمة.

هناك أسباب كثيرة تجعل المملكة العربية السعودية -الملَكية المطلقة- تتفادى انشقاقا سياسيا ضخما ضمن شبابها. أولا الشباب السعوديون مرفهون ماديا مقارنة بالشباب في عدة بلدان عربية أخرى ولا يعانون من الفقر المدقع مثلما هو الحال في مصر واليمن وتونس وسوريا. ومن المؤكد أنه ليس كل السعوديين أغنياء لكن لديهم أنظمة تغطية اجتماعية قوية توفرها الحكومة والعائلات الموسعة الكبيرة.

وثانيا خصصت الحكومة للشباب 130 مليار دولار من المنافع تم الإعلان عنها في شهر شباط/ فبراير 2011. وتتضمن هذه الحزمة من المنافع أول برنامج لمنح البطالة في المملكة. وبعد عدة أشهر أطلقت الحكومة برنامجا تمت الدعاية له بشكل واسع يهدف إلى معالجة بطالة الشباب عبر تخفيض عدد العمال الأجانب وبذلك إحداث شغورات للباحثين عن العمل من السعوديين. 

إضافة إلى ذلك لمحت الحكومة إلى أنها مستعدة للاستماع إلى شكاويهم، فمثلا تحرك المسؤولون في عدة مركبات جامعية بسرعة لمقابلة الطلبة عند ظهور أول بوادر الغضب للاستماع إليهم والنظر في مطالبهم حتى لا تكتسب أي عملية احتجاجية مفعول كرة الثلج فتكبر وتنتشر، ومن ذلك أن تم استبدال العميد في أبها في شهر آب/ يوليو بعد لقاء قادة الاحتجاج لمناقشة مطالبهم.
كما عمدت الحكومة –إلى حد الآن على الأقل- إلى اتخاذ موقف متسامح مع الانتقادات اللاذعة التي تتلقاها عبر تويتر خاصة من الشباب السعودي، وهو ما أتاح للناس متنفسا واضحا لغضبهم. 

زد على ذلك لا يشجع المجتمع السعودي الشباب لاتباع أندادهم من العرب للنزول إلى الشارع بسبب رفضه للمعارضة السياسية العلنية، فالبلاد ليست لها تقاليد مقاومة شعبية أو عصيان مدني ويتعلم المواطنون أن يعبروا عن نقدهم لزعمائهم عبر القنوات الخصوصية. كما تجدر الإشارة إلى أن الكثير من الشباب السعوديين معجبون بالملك عبد الله بن عبد العزيز ويرون أنه حاكم سخي، ومن ثم يعتبر الكثير منهم من غير المناسب تحدي حكومته.

من خلال حوارات الكاتبة مع الشباب خلال جولتها في المملكة عبّر هؤلاء عن إعجابهم بالمحتجين الشبان في مصر وتونس واليمن لكنهم لا يرون حاجة إلى اتباع طريقتهم لأنهم ما زالوا يأملون في قيام العائلة المالكة بإصلاحات سياسية من تلقاء نفسها وتقاسم السلطة مع الشعب السعودي. والشباب السعودي يؤمن بالتطور وليس الثورة، فضلا على أن قطاعا كبيرا منهم لا يعتنون بالسياسة ولا يرون حاجة إلى الإصلاح ويرضون بالوضع الراهن طالما واصلت الدولة توزيع المنافع المالية وحافظت على الهوية الوطنية الإسلامية.

إذن إلى حد الآن يبدو أنه لا يوجد تهديد كبير من الجماهير الشبابية لحكم آل سعود، والحكومة السعودية لا تواجه جيلا من شباب في العشرينات من أعمارهم غاضبين ومتمردين. وبذلك هل من المفترض أن يطمئن بال الحكومة؟ ليس بالضرورة. 

إن الأمم تدخل عهودا فارقة دون جلبة ولا يلاحظ تسلسل الأحداث إلا بعد سنوات، والمملكة العربية السعودية قد دخلت ذلك العهد، وهو عهد سيساهم الشباب في تحديده بشكل متزايد. وزيادة على أن الشباب يمثل غالبية السكان في المملكة، تمثل الفئة العمرية بين سن 13 و17 أكبر نسبة مئوية من السكان "12 بالمئة". وقريبا سيدخل هؤلاء الشباب الجامعات وسوق العمل وهم لا يستطيعون التخلي عن الانترنت وسيزدادون ارتباطا بها وتأثرا بثقافة معولمة أكثر من أقاربهم الأكبر منهم. 

وستزداد مطالبهم للحصول على فرص عمل وترفيه وسكن في المتناول ومن ثم ستتكثف التحديات المادية أمام الحكومة.
وكذلك سيحصل نفس الشيء بالنسبة إلى التحديات السياسية، فبالرغم من اتخاذ كثير من الشباب موقفا غير مسيّس هناك شريحة هامة من الشباب المهتمين بالسياسة ويرغبون في المشاركة في كيفية حكمهم والكثير منهم يفضلون ملًكية دستورية. وكسب هؤلاء الشباب الشجاعة من الصحوة العربية التي ساهمت في رفع وعيهم السياسي واستعداد الناس للمطالبة بما يرونه من حقهم.

هناك ثلاث مسائل حساسة ستؤثر في الموقف السياسي المستقبلي للشباب السعودي حسب تعامل الحكومة معها. إحداها تزايد الغضب بسبب الآلاف من المساجين الموقوفين لعدة سنوات دون محاكمة. وتم اعتقال معظمهم في إطار محاولة الحكومة التصدي لهجمات القاعدة بين سنتي 2003 و2006، وتدعي الحكومة أنهم جميعا متعاطفون مع القاعدة. وحتى المحاكمات التي أجريت لبعضهم لم تكن مفتوحة للعموم وهذه السرية تؤجج نار الغضب لدى الشباب وخاصة المنتمين إلى وسط ديني محافظ.

المسالة الثانية الخطيرة هي تنامي الغضب لدى الشباب الشيعي في المحافظة الشرقية فهم يشعرون بالاغتراب والرفض من قبل أقرانهم السنة وليس لديهم أمل كبير في تحسن وضعهم. وربما بسبب التمييز الذي يعانون منه والرفض الذي يشعرون به اكتسب الشباب الشيعة وعيا سياسيا أكثر تطورا من أقرانهم السنة. كما أنهم لا ينفرون من المعارضة العلنية وكانوا قد قاموا بمظاهرات منتظمة خلال السنتين الماضيتين كان بعضها عنيفا. وبالرغم من أن الشباب الشيعة ليسوا على استعداد الآن لثورة عنيفة فقد أصبحوا أكثر عرضة لأولئك الذين يهدفون لإذكاء التوترات الطائفية. 

وأخيرا بينما يتضخم عدد الشباب في سن العشرينات إلى أكبر نسبة على الإطلاق في السنوات القليلة القادمة ستمر السعودية بمرحلة حاسمة تتمثل في الانتقال من الجيل القديم للعائلة المالكة إلى الجيل الموالي. إن الملك عبد الله وولي العهد الأمير سلمان كلاهما مريض، وستثير وفاتهما مسألة من سيكون أول ملك من الجيل الموالي، ويخشى الكثير من الشباب أن تخرج الصراعات داخل العائلة المالكة عن السيطرة وتعرض وحدة المملكة إلى الخطر. 
العقد القادم سيكون عهدا مضطربا وصعبا بشكل تدريجي بالنسبة إلى الحكومة السعودية وهي تحاول الاستجابة لطموحات شبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 
إن الشباب السعودي اليوم تحت تأثير قوى خارجة عن سيطرة الحكومة مثل العولمة والثورة المعلوماتية والتعرض المتزايد للثقافات الأخرى وارتفاع المستويات التعليمية. ونظرا لأعدادهم الضخمة ينتظر أن تكون لهم تأثيرات هائلة على المملكة بطرق مختلفة على مستويات اقتصادية واجتماعية ودينية وتعليمية وترفيهية وحتى سياسية.

ومن المؤكد أن هذا الشباب سيكون حاسما في تقرير مسألة قدرة المملكة على التحول إلى اقتصاد تنافسي ومرتبط بالعالم ومجتمع ديناميكي وخلاق في القرن الواحد والعشرين المعقد والمضطرب. ومن البديهي أن التحول سيتطلب منح الشباب السعودي قدرا من الحرية الفكرية أكبر بكثير مما يتمتعون به الآن حتى يتمكنوا من الخلق والإبداع.

الدراسة نشرها مركز ولدرو ويلسن في إطار برنامج الشرق الأوسط في شهر شباط – فبراير 2013

الجمعة، 22 مارس 2013


الإخوان سرقوا الصندوق وأضاعوا مفتاحه

أحمد عثمان أحمد++++

حكومة الإخوان تواجه مشاكل اقتصادية وأمنية عديدة، نتجت عن عدم رغبتها في التراجع عن الخطة التي رسمتها للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية

جاء الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بوقف تنفيذ قرار الرئيس مرسي بدعوة الناخبين لانتخابات مجلس النواب الشهر القادم، ليمثل نكسة لجماعة الإخوان المسلمين وبداية النهاية لمشروعها للاستلاء على الحكم في مصر. ورغم تظاهر الإخوان بالموافقة على قرار المحكمة، فإن الجماعة تبحث الآن عن أية وسيلة تمكنها من الالتفاف على قرار المحكمة العليا، كي تتمكن من إجراء الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة. 

ذلك أن حكومة الإخوان تواجه مشاكل اقتصادية وأمنية عديدة، نتجت عن عدم رغبتها في التراجع عن الخطة التي رسمتها للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية، ورفضها الاستجابة لمطالب الجماهير بتغيير الحكومة وتعديل الدستور. 

ولما كان الإخوان يعتقدون أن وجود مرسي على رأس الدولة هي فرصتهم الوحيدة لفرض مشروعهم السياسي، بإقامة دولة إسلامية تمهد لإعلان عودة الخلافة في القاهرة.

فهم ليسوا على استعداد لقبول مشاركة التيارات المدنية معهم في الحكم، ولا في تعديل الدستور الذي وضعوه ليمكنهم من إعلان مصر جمهورية إسلامية. 

ورغم أن الشارع المصري يغلي غاضبا من تصرفات الحكومة والرئيس مرسي منذ حوالي شهر ونصف، ورغم عودة شباب الثورة للاعتصام في ميدان التحرير وإعلان مدينة بورسعيد العصيان المدني، وخروج المحلة والمنصورة والإسكندرية في احتجاجات يومية لا تتوقف، فإن الرئيس مرسي وحكومته يتجاهلان كل هذا وكأنه يحدث في بلد آخر، ويكتفيان بتكليف الشرطة بمواجهة المعارضين، الذين يعتبرهم مرسي من البلطجية والخارجين عن القانون. 

وفي وقت يرفض فيه تحالف الأحزاب المعارضة في جبهة الإنقاذ – ومعه تنظيمات شباب الثورة – المشاركة في الانتخابات البرلمانية، قبل تغيير حكومة هشام قنديل ووضع ضمان لنزاهة التصويت، تسارع حكومة الإخوان في الإعداد لهذه الانتخابات، غيرعابئة باعتراض المعترضين. والسبب الذي تقدمه حكومة الإخوان لتبرير هذا التجاهل، هو أن الرئيس مرسي قد وصل إلى السطة عن طريق الأغلبية التي حصل عليها في صندوق الانتخابات، ولهذا فهو الوحيد الذي يملك الشرعية، ويحق له اتخاذ ما يراه من قرارات. 

يعلن الرئيس مرسي عن رغبته في التفاوض مع المعارضين، ويدعوهم كل يوم للحضور إلى قصره، كما يسمح لهم بإبداء أي رأي لهم دون معارضة منه، إلا أنه يقول منذ البداية إنه لن يلتزم بأي من هذه الآراء وسوف يتخذ ما يراه هو ضروريا من قرارات، لأنه يملك الصندوق الذي جاء به إلى السلطة، وهم ليست لديهم صناديق. ويتحدى الرئيس مرسي معارضيه في ثقة بالغة: تعالوا نحتكم إلى الصندوق ونجري انتخابات البرلمان، وإذا فزتم يصبح القرار لكم.

فرغم انخفاض شعبية الإخوان المسلمين مؤخرا إلى درجة كبيرة – كما ظهر بوضوح من نتائج انتخابات اتحادات الطلاب حيث لم يتجاوز نصيبهم 25 ٪ – فالرئيس مرسي واثق من نجاح جماعته في الانتخابات البرلمانية القادمة، حيث أنه أعد لها عدته. فإلى جانب تعيين حوالي 13 ألف شخص من أنصار الجماعة في غالبية المراكز الـرئيسية التي تتحكم في عملية الانتخابات وفرز الأصوات، قام مجلس الشورى بإعادة تقسم الدوائر الانتخابية بحيث يحصل الإخوان على أغلبية المقاعد في كل الأحوال. فقد خصص مجلس الشورى للمناطق المؤيدة للإخوان عددا أكبر من المقـاعد، تزيد بكثير عن تلك التي تؤيد القوى المعارضة لهم.

فبينما يحتاج المرشح إلى 50 ألف صوت للنجاح في مناطق الإخوان، يجب على المرشح المعارض الحصول على 250 ألف صوت، وهذا هو أحد أسباب اعتراض محكمة القضاء الإداري على قانون الانتخابات.

فمع إن الإخوان وحلفاءهم من دعاة الإسلام السياسي تمكنوا في الانتخابات البرلمانية السابقة من الحصول على حوالي 70 ٪، فقد انخفضت شعبيتهم بعد ذلك، ولم يتمكن محمد مرسي مرشحهم للرئاسة من النجاح إلا بعد أن حصل على حوالي ستة ملايين صوت من التيارات المدنية التي ساندته. ومع هذا ورغم تأييد حمدين صباحي و6 أبريل له، لم يتمكن محمد مرسي من التفوق على منافسه أحمد شفيق، إلا بأغلبية لا تزيد على 882 ألفا و751 صوتا، حيث حصل على 51 ٪ من أصوات الناخبين. وعلى هذا فالصندوق الذي يعتمد عليه مرسي لفرض سيطرته على شعب مصر، لم يوافق عليه سوى نصف الناخبين.

ورغم أن مرسي وجماعته يسيطران على الوضع في مصر عن طريق مواجهة الشرطة للمعارضين، فإنهم في حاجة ماسة إلى إجراء انتخابات سريعة لمجلس النواب حتى لا ينهار حكمهم. ففي ظل تفاقم الوضع الاقتصادي الحالي وانخفاض الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي، لم يعد في استطاعة الحكومة استيراد ما تحتاجه البلاد من ضرورات رئيسية سوى لمدة أقصاها ثلاثة أشهر، تنتهي مع بداية شهر يونيو "حزيران" القادم. 

ولما كان صندوق النقد الدولي يطالب بموافقة الشعب المصري على إجراءات التقشف شرطا للموافقة على قرض بحوالي 5 مليار دولار، فإن الحكومة تريد أن يقوم برلمان الإخوان الجديد بالموافقة على هذه الشروط باعتباره ممثلا للشعب.

وبينما تمكنت الحكومة من السيطرة على الوضع في مصر حتى الآن عن طريق رجال الشرطة، فإن إطالة المدة قبل الانتخابات ستؤدي إلى انهيار جهاز الشرطة قبل موعد الانتخابات، كما حدث قبل سقوط الرئيس مبارك. 

عندئذ سينزل الجيش إلى الشارع ليتولى حماية المنشآت العامة، لكنه لن يواجه المحتجين لن يقمع ثورتهم. وبالفعل فقد بدأت الآن عمليات التمرد والعصيان تمتد إلى جهاز الأمن، حيث تم إغلاق عدد من مراكز الشرطة وطالب ضباط وأفراد الشرطة بعزل محمد إبراهيم – وزير الداخلية الذي ورطهم في المعركة بين الشعب وحكومة الإخوان. 

كما أن انتخاب برلمان جديد يسيطر عليه الإخوان وحلفاؤهم من تيار الإسلام السياسي، سوف يمكنهم من استخدام القانون لفرض شرعيتهم بالقوة، حيث يصبح من حق البرلمان إصدار قوانين تجرم قادة المعارضة باعتبارهم محرضين ضد الحكومة الشرعية، وفرض قانون التظاهر الذي يفرض الحصول على موافقة الشرطة قبل التظاهر.وبما أن القضاء ملزم بتطبيق القوانين التي يصدرها البرلمان، يصبح معارضو الحكومة من شباب الثورة، خارجين على القانون يتم وضعهم في السجون. 

من أجل الإسراع بإجراء الانتخابات البرلمانية، أدركت جماعة الإخوان المسلمين أن قانون الانتخابات الحالي، سوف ترفضه المحكمة الدستورية بسبب العوار القانوني الذي أصابه، كما يتأخر صدور قرار المحكمة النهائي – وبالتالي تتأخر انتخابات البرلمان – لعدة أشهر، مما يعرض مرسي وحكومته لأخطار لن يكون في وسعهم مواجهتها. ولما كانت المحكمة الإدارية قد أحالت هذا القانون إلى المحكمة الدستورية لدراسته بسبب عوار في الشكل، فهم يفضلون تفادي العوار الشكلي دون السماح للمحكمة الدستورية بالبحث في مواد القانون نفسه. 

وفي محاولة منه للالتفاف على قرار المحكمة، قرر مجلس الشورى عدم انتظار قرار المحكمة الدستورية، واعتبار القانون الذي وافق عليه مرسي من قبل كأن لم يكن. على أن يبدأ المجلس فورا بوضع قانون جديد يعرضه على محكمة القضاء الإداري، كي يفوت على المحكمة الدستورية فرصة النظر في شرعية القانون نفسه. 

ومهما قام الإخوان بألاعيب للتهرب من حكم القضاء، فإن قرار المحكمة الإدارية بإلغاء دعوة الرئيس لإجراء الانتخابات البرلمانية في 22 أبريل "نيسان" القادم، قد حرم مرسي وجماعة الإخوان من شرعية الصندوق المزور الذي يعدون له، وأصبح عليهم الآن البحث عن مفتاح جديد لإخراجهم من الورطة التي وضعوا أنفسهم فيها، بعد أن عرضوا الدولة المصرية نفسها للانهيار.


ثقافة الاستبداد تجدد رموزها في العالم العربي
فاروق يوسف

من المؤكد أن سقوط أنظمة الاستبداد هو حدث مدو لايُستهان بقيمته التاريخية غير أن ذلك الحدث في حد ذاته لا يكفي لفتح الأبواب على الحرية. ثقافة الاستبداد أكثر خطورة من الأنظمة التي تنتجها والتي تستمد شرعيتها منها. النظام السياسي، أي نظام، مهما كان قويا ومتيقظا ووقائيا فإن زواله ممكن في أية لحظة. أما ثقافته فإنها لا تمحى من النفوس والعقول والذاكرة بيسر. 

وفي مجتمعات ترسخت فيها ثقافة الاستبداد بسبب عوامل تاريخية واجتماعية ودينية مثل المجتمعات العربية فإن هذا الأمر يبدو مركبا ومعقدا وأكثر عسرا مما هو عليه في مجتمعات أخرى. يكفي أن يُلقي المرء نظرة سريعة على التحولات الديمقراطية السريعة والراسخة التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشيوعية الشمولية فيها ليدرك الفجوة التي تفصل مجتمعاتنا عن العالم. ففي دول الربيع العربي سقط الطغاة غير أن الشعوب ذهبت إلى الفوضى. 

أزيلت أسماء الطغاة من الشوارع، هُدمت تماثيلهم في الساحات، أحرقت الكتب التي تذكر بهم. مُزقت الصفحات التي تحمل صورهم في الدفاتر المدرسية. غيرت الأعلام التي كانت تضلل رؤوسهم ومشيتهم العسكرية. غير أن ذلك كله لا ينتمي إلى الحقيقة التي أنتجتهم. كل ما محاه العراقيون مثلا لا ينتسب إلى فكرة الاستبداد القابعة في أعماق نفوسهم. لقد محوا جزءا من صورة مستبد واحد مر بتاريخهم الغاص بالمستبدين. وهو التاريخ الذي أنتج ثقافة يمكنها في أية لحظة أن تنتج مستبدا جديدا. وهو ما نراه في سلوك محمد مرسي، الرجل الذي انتخبه المصريون رئيسا بأسلوب ديمقراطي فصار بعد أشهر سجين قصره، من غير أن يمتد بصره إلى المدن المصرية الثائرة التي صار نزول أبنائها إلى الشوارع بمثابة تصويت رافض لشرعية استمراره رئيسا. 

وإذا ما كان ما شهده العراق من إعادة إنتاج لرموز الاستبداد مسكوتا عنه إعلاميا، بسبب سطوة الولايات المتحدة على الإعلام العالمي فإن واقع الحال في دول الربيع العربي لم يبخل على وسائل الإعلام بالصور والمعلومات والحقائق التي تؤكد أن الثورات التي قامت بها شعوب تلك الدول قد تم احتواؤها من قبل طبقات سياسية جديدة كان هاجسها النضالي الوحيد أن تحل محل الطبقات السياسية القديمة، أن يحل دورها في الاستيلاء على المغانم. 

الأدهى من ذلك أن أية مقارنة منصفة بين الطرفين لابد أن تذهب نتيجتها إيجابيا لصالح المستبد القديم. ولإثبات ذلك يمكننا أن نتخذ من الوقائع التي شهدها العراق خلال العشر سنوات الماضية دليلا على ذلك. إن عملية واحدة من عمليات الفساد التي شهدها العراق الجديد "اختفت ذات يوم تسعة مليارات دولار من غير أن يتم العثور عليها" تعادل إذا لم تفوق كل عمليات الفساد التي شهدها النظام الذي تم إسقاطه بعد الغزو الأميركي عام 2003، بالرغم من أن ذلك النظام كان قد حكم دولة ثرية طوال 35 سنة وتسلط منفردا على مقدراتها ومصير شعبها. 

يحدث كل هذا الفساد مدعوما بثقافة لا ترى في الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر قد يفوقه قسوة وبطشا وتفردا إلا نوعا من الاستحقاق الموضوعي. ولن نبالغ إذا ما قلنا إن هناك من يعتقد أن مجتمعاتنا لا يمكن أن تدار أو تحكم إلا عن طريق الاستبداد، ومن هنا تحضر بين حين وآخر على السنة بعض مفكرينا وسياسينا فكرة اللجوء إلى المستبد العادل الذي يكون قادرا على تصريف شؤوننا، بحزم لا يخطيء طريقه إلى العدالة. وهي فكرة ظلامية تنسف مفهوم العدالة، القائم على حرية الشعب في اختيار من يحكمه ومن يمثله ومن تعهد إليه الأمانة. 

لقد جرى تسويق فكرة المستبد العادل من قبل جماعات سياسية شتى، تختلف في توجهاتها الفكرية غير أن فكرتها عن الحكم تصدر من تراث ثقافي واحد، جوهره الإيمان بالاستبداد.

وكما اتضح أن تلك الجماعات كانت تسوق تلك الفكرة بين الناس في انتظار اللحظة التي تقفز فيها إلى السلطة. ما يجري في مصر، في تونس، في اليمن، في ليبيا وفي العراق من قبل، ما هو إلا استعادة لمفردات ثقافة الاستبداد التي تجدد رموزها في استمرار.

Locations of Site Visitors
Powered By Blogger