تُرى كم من الوقت تعيش وأنت تحت المراقبة؟ الخبير الأمني، بروس شناير، يلفت نظرنا إلى أن ذلك أكثر مما نتصور بكثير، وفقا للصحفي كريس بارانيوك.
هل لديك أسرار؟ ينفد صبر بروس شناير من أولئك الذي يجيبون بـ "لا".
عندما يُسأل البعض عن المراقبة التي تقوم بها الحكومات أو الشركات الخاصة، هناك من يهزون أكتافهم بما يدل على أنهم لا يخشون شيئا، وليس هناك ما يخفوه. لكن ماذا عن رد فعل شناير؟
"سل هؤلاء عن رواتبهم فلن يردّوا، وسلهم عن عالمهم الجنسي، فلن يجيبوا. هذا الرد الذي يتلخص في قولهم ’ليس لدي ما أخفيه‘ هو محض غباء، وهو رد المغفلين،" بحسب قوله.
علاوة على ذلك، فإن سلوكك اليومي مُراقب بطرق لن تخطر ببالك. لذا، فإن هذه التفاصيل وغيرها الكثير، قد تكون متاحة ليراها الجميع. وربما يمكنهم استعمالها ضدك. هذا في حد ذاته يمثل معضلة، حتى إن وثقتَ بحكومتك كي تستعمل تلك البيانات للصالح العام أو لأجل أعمال الخير.
كان شناير قد تحدث في مؤتمر "أفكار تغير العالم" الذي نظمه موقع "بي بي سي فيوتشر" في أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وقد ساعد شناير الصحفي غلين غرينوالد في تحليل الوثائق التي سرّبها إدوارد سنودن من وكالة الأمن القومي الأمريكية.
تم توثيق هذا الجدل في فيلم "ستزن-فور"، وسواء كان بوعي من شناير أم لا، فإن وجهات نظره تلقى صدى في كلمات سنودن برسالة الكترونية سابقة وجهها إلى مخرجة الفيلم لورا بويتغا، وقال فيها: "كل برج من أبراج الهواتف النقالة التي تمر بجانبها، وكل صديق تضيفه إلى قائمتك، وكل مقالة تكتبها، وكل موقع إلكتروني تزوره، وكل سطر لموضوع تكتبه، وكل درب تسلكه، جميع هذه الأمور هي بيد منظومة لها ذراع طولى لا حدود لها، لكن حماية تلك الأمور ليست كذلك."
في الحقيقة، كل ما تقوم به يمكن أن يُراقب الآن، بحسب شناير: "كل ما نفعله يتطلب جهاز كمبيوترً. تعرف سرعة تصفحك وقراءتك لموقع ’كيندل‘، أليس كذلك؟ كل ما تقوم به على الإنترنت، كل ما تقوم به على هاتفك النقال، وكل ما تقوم به من ضروب دفع القوائم على الإنترنت."
جميع تحركاتك مراقبة
صرح شناير أمام المؤتمر، على سبيل المثال لا الحصر، بأن أموراً بسيطة مثل بيانات راكبي سيارات الأجرة وما يدفعونه –والمفروض أنها مجهولة الهوية- يمكن أن تسجل بسهولة عندما تُربط ببيانات عن مكان تواجدهم، كما أظهرت مؤخراً شركة "نيوستار" (Neustar) لتحليل البيانات.
وعندما تزور موقعاً لعروض خلاعية، مثلاً، فإن الأمر يتوقف عن كونه خاصاً بك. وبشكل عام، عليك أن تعتبر إن تحركاتك مراقبة، وقد اتضح هذا الأمر بشكل مبتذل في لندن، عندما تم الكشف عفوياً عن بيانات الدراجات العمومية من قبل سلطات النقل المحلية، فقد تم التأشير على الرحلات الشخصية للمتنقلين بسهولة على موقع خرائط غوغل.
بإمكان التطبيقات المتطورة للهواتف الذكية أن ترسم تصوراً ليس لأماكن تواجدنا فقط، بل لوضع محيطنا نحن أيضاً.
في بحث جديد، قام الباحثون بعرض نموذج تطبيق يدعى "كار-سيف" (CarSafe) الذي يمكنه أن يتعلم عادات القيادة التي يتبعها مشغلو التطبيق، وذلك بتأويل البيانات المأخوذة من كاميرتين موجودتين على الهواتف الذكية الحديثة.
كما أشار شناير في القمة إلى أنه ربما لم يتم إنشاء العديد من أبراج الهواتف النقالة المجاورة لك في أماكنها من قبل الشركة المعنية بل من قبل الحكومة– سواء كانت محلية أم أجنبية. السبب في ذلك أنها تريد أن تعرف من يسير بالقرب منها، وما ينوون القيام به. إن الصبغة السرية لهذه الأبراج يجعل من الصعب معرفة ماهية استخداماتها، بحسب شناير.
ويضيف: "لا تعترف الحكومة البريطانية حتى بأنها تستعملها. لكننا نعلم أنها تقوم بذلك، لكنهم لا يسلّمون بالأمر. يعترف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي) أنه يستعملها، ولكنه يبقي كيفية استعمالها سراً. وقد وجد شخص ما أن هناك ما بين 80-100 منها في العاصمة واشنطن لا تقوم الحكومة الأمريكية بإدارتها، ولا ندري من يديرها."
تثير المراكز العامة لتوفير شبكة الإنترنت اللاسلكية تساؤلات أكثر، بما أن لهذه المراكز أجهزة توجيه باستطاعتها أن تلتقط إشارة هاتفك النقال، فإنها تتمكن الآن من معرفة إحداثيات مكان تواجدك بدقة لتدل مثلاً على الممشى الذي تسير فيه في سوق مركزية.
فلكل هاتف نقال ما يسمى بـ "تعريف ماك"، وهو رمز تعريف مميز لجهازك تراه أية شبكة كانت. فإذا تم التعرف على جهازك عن طريق تلك التقنية، فبإمكان أي شخص ممن يطلعون على البيانات التعرف على تفاصيل دقيقة شخصية تخص الأماكن التي قضيت وقتك فيها.
يلاحظ شناير بأنه "لو قالت الحكومة بأن عليك أن تحمل جهاز تتبع الأثر فبالتأكيد ستنتفض، لكن الحكومة لا تحتاج إلى قول ذلك، لأنك تقوم بذلك طوعاً واختياراً، وما عليهم إلا أن يحصلوا على نسخة من تلك البيانات."
ويمكن لأي شخص آخر أن يقوم بذلك. فبنفس الطريقة، يمكن استغلال نقاط الضعف هذه، التي تستغلها وكالات الاستخبارات، والاستفادة منها من قبل الشركات الكبرى وشركات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية وحتى من قبل قراصنة الإنترنت من الماكرين والمجرمين والإرهابيين– بالضبط أولئك الذين يُفترض أن تستهدفهم وكالات الاستخبارات.
من غير الممكن بناء أجهزة إلكترونية تخفي البيانات والمعلومات عن الجميع عدا مسؤولين في الحكومة يحاولون تتبع أثر ارهابيين، مثلاً. وقال شناير أمام جمهور الحاضرين في القمة: "علينا أن نختار ما بين الأمان والمراقبة. إما أن يتجسس الكل على الآخر، أو لا يتجسس أحد على أحد."
حقوق جوهرية
لهذا السبب، يجادل شناير بقوله إن للناس الحق في حماية أنفسهم من مراقبيهم. هذا يعني الحق في اتخاذ تدابير وقائية تقنية، والاتصال عبر منظومات مشفرة أو تصفح مواقع الإنترنت بدون كشف الهوية، مستخدمين خدمات مثل تقنية "تور" (Tor).
لكن ما حصل مؤخراً من ازدياد شعبية مثل هذه الخدمات والأدوات المساعدة قد جعل الذعر يدبّ في جسد مكتب التحقيقات الفيدرالي. فقد قال مدير المكتب، جيمس كومي، إن التشفير الذي توفره شركات مثل أبل وغوغل يحرم سلطات تطبيق القانون من المعلومات اللازمة لكشف الجرائم أو إنقاذ الأرواح.
تقوم شركة الأمن المعلوماتية (إف-سكيور- F-Secure) بتسويق برامج تحمي أمن مستخدميها على الغنترنت. بالنسبة لتوم غافني، المدير التقني في الشركة، تعد تلك التصريحات والتعليقات جوفاء.
ويقول غافني: "تجبر الحكومة الناس، بنحو فعال، على أن يسيروا في هذا الدرب، وهو درب استعمال هذه البرامج، لأن الحكومة تفتقد إلى الشفافية. إنها ترغب باقتفاء أثر جميع المعلومات والبيانات التي تخصنا بدلاً من التركيز على المجرمين."
كما يشير غافني إلى أنه يمكن تخزين المعلومات والبيانات التي تجمعها الشركات الخاصة، سواء كانت مشفرة أم لا، لأجلٍ غير مسمى، وربما إلى الأبد. ولا يمكن أن نعرف بالتأكيد كيف سيتم استخدامها أو بيعها في المستقبل.
إن المعلومات التي تصدر عنا من خلال تنقلنا عبر العالم، سواء كان ذلك بدنياً أم رقمياً (عبر الإنترنت)، والتي تدعى أحياناً "بصمة البيانات"، تبدو لأول وهلة أن فيها من البراءة ما فيها، لذا، فإن المصطلح يعد فقيرا مجازياً.
فبصمة البيانات الحقيقية التي تطبعها خلفك حيثما ذهبت أو فعلت هي أكثر تفصيلاً بكثير من الأثر الذي نتركه على الرمال. إنها تدل عليك أنت وعلى من تكون: بداية من شخصيتك المعروفة بين الناس، وانتهاءً بأكثر لحظاتك الخاصة بك.
في شهر حزيران، أعلن زعيم الدولة الإسلامية عن إقامة الخلافة التي تمتدّ على أجزاء من سوريا والعراق. مشروع داعش هو بلا شكّ مصاب بجنون العظمة، ولكنه يستند إلى فكرة هي أكثر بكثير من مجرّد خيال. ما هي أوجه التشابه التاريخية؟ ما هي الخلافة في الواقع؟ ولماذا يرغب الكثير من المسلمين بها؟
حين أعلنت الدولة الإسلامية (داعش) عن نفسها كخلافة في شهر حزيران عام 2014 واتخذ زعيمها أبو بكر البغدادي لنفسه لقب خليفة، بدا أنّ ذلك هو تأكيد إضافي على جنون العظمة عند التنظيم. أصرّ البغدادي على أنّ مبايعة هذه الخلافة هي بمثابة واجب ديني مفروض على جميع المسلمين، ممّا أثار بطبيعة الحال إدانة واسعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
إنّ النظام الوحشي الذي يقوده البغدادي هو بطبيعة الحال بعيد عن أن يفي بالفهم الإسلامي التقليدي بخصوص كيف يجب أن تبدو الخلافة، ولكنه يثير أيضا الطموح مع صدى قوي ومتزايد في العالم الإسلامي الواسع.
أبو بكر البغدادي (AFP)
سقطت الخلافة الإسلامية الأخيرة - العثمانية - رسميّا قبل 90 عاما. ولكن، في استطلاع أجري عام 2006 في أوساط مسلمين يعيشون في مصر، المغرب، إندونيسيا وباكستان، قال ثلثا المشاركين إنهم يؤيّدون هدف وحدة جميع الدول الإسلامية لتصبح خلافة واحدة جديدة. لماذا يحلم الكثير جدا من المسلمين بخلافة كهذه؟ إنّ الإجابة كامنة في تاريخ هذه المؤسسة.
معنى الكلمة العربية "خليفة" هي ممثّل أو وريث، وترتبط في القرآن بفكرة النظام العادل. إنّ كلّا من آدم ثم داود وسليمان يوصفون باعتبارهم "خليفة" لله على الأرض. حين توفي النبي محمد عام 632، حصل وريثه على هذا اللقب كزعيم للمجتمع الإسلامي، وهو الأول من بين "الخلفاء الراشدين" الأربعة الذين حكموا في العقود الثلاثة الأولى من العصر الإسلامي الجديد.
في استطلاع أجري عام 2006 في أوساط مسلمين يعيشون في مصر، المغرب، إندونيسيا وباكستان، قال ثلثا المشاركين إنهم يؤيّدون هدف وحدة جميع الدول الإسلامية لتصبح خلافة واحدة جديدة
أوضح رضا بانكهورست مؤخرا، وهو مؤلف كتاب The Inevitable Caliphate، لشبكة BBC أنّ الخلفاء الأربعة قد عُيّنوا بموافقة شعبية. بحسب كلامه، فقد أنشأ عهدهم النموذج المثالي للخليفة باعتباره شخصية مختارة من الشعب والتي عُيّنت لتكون مسؤولة عنه وللتأكّد من تطبيق القانون الإسلامي. الخليفة الحقيقي ليس فوق القانون.
يطعن المسلمون الشيعة بهذه النسخة من التاريخ. فهم يعتقدون أنّ أول خليفتين أخذا دون حقّ الزعامة ممّن كان يُفترض أن يكون - بحسب ادعاء الشيعة - هو الزعيم الحقيقي: علي، ابن عمّ النبي. كان هذا الصراع في وقت مبكّر من الخلافة مصدر الانقسام الذي استمر في الإسلام. ولكن بالنسبة للمسلمين السنة اليوم، والذين يعيش الكثير منهم في ظلّ أنظمة استبدادية، فإنّ النموذج المثالي لخلافة تتأسّس على مبدأ الحكومة المنتخبة بالموافقة الشعبية يبدو جذّابا جدّا.
خلافات تقوم وتسقط
دعاية الخلافة الإسلامية قادمة
أحد أبرز عوامل الجذب في الخلافة اليوم هو ذاكرة العظمة الإسلامية التي تثيرها. بعد عهد الخلفاء الراشدين صعد إلى الحكم الإسلامي الخلفاء الأمويون والخلفاء العباسيّون. "بعد 70 عاما من وفاة النبي، امتدّ العالم الإسلامي من إسبانيا والمغرب حتى وسط آسيا وجنوب باكستان، حينذاك كان هناك إمبراطورية شاسعة تقع كلّها تحت سيطرة زعيم مسلم واحد"، كما يقول المؤرخ البروفيسور هيو كينيدي. بحسب كلامه، فإنّ هذه الوحدة الإسلامية هي بالضبط ما يتشوّق إليه الناس.
وقد اتّسم العصر الإسلامي الذهبي أيضًا بالإبداع الفكري والثقافي. قدّر الديوان الملكي العباسي في بغداد الأدب والموسيقى وعزّز الابتكارات في مجالات الطبّ والعلوم والرياضيات. ولكن وسّعت تلك السلالات من سيطرتها إلى مسافات بعيدة وبسرعة كبيرة، وأصبح من الصعب على الأسر الحاكمة أن تسيطر على جميع الأراضي الإسلامية. في تلك الأوضاع قام أشخاص آخرون وزعموا أنّهم خلفاء يمثّلون المجتمع الإسلامي، بل بكونهم ظلّ الله في الأرض. بدأ يعترف المسلمون بأنّه يمكن أن يكون هناك أكثر من خليفة واحد قادر على تمثيل مصالح المجتمع.
عاشت الخلافة العباسية على مدى 500 عام حتى انهارت تماما عام 1258. ومع ذلك، فقد بقيت مؤسسة الخلافة حيّة. وُضع أبناء الأسرة العباسية كخلفاء في القاهرة بيد المماليك، وهم القوة السنية الصاعدة في تلك الفترة. لقد كان هؤلاء الحكام مجرّد دمى بيد المماليك، ولكن حقيقة وجودهم حافظت على النموذج الأمثل لحاكم واحد يمكن أن يتّحد خلفه جميع المسلمين.
انتقل الحكم في العالم الإسلامي في القرن السادس عشر إلى السلاطين العثمانيين. تمّ القضاء نهائيّا على الإمبراطورية العثمانية من قبل كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، عام 1924. لقد اعتقد أنّ إلغاء مؤسسة الخلافة أمر ضروري لحملته في تحويل ما تبقّى من الإمبراطورية إلى دولة قومية علمانية في القرن العشرين. تمّ طرد الخليفة العثماني الأخير من إسطنبول إلى باريس. ولكن المؤسسة التي كان يمثّلها استمرّت على مدى 1300 عام، وكان تأثير إلغائها على الحياة الفكرية الإسلامية عميقا.
قال سلمان سيد، الذي يدرّس في جامعة ليدز لشبكة BBC إنّ المفكرين المسلمين في سنوات العشرينيات من القرن العشرين وجدوا أنفسهم فجأة يطرحون أسئلة لم يواجهوها من قبل أبدا: هل يجب على المسلمين أن يعيشوا في دولة إسلامية؟ كيف ينبغي لهذه الدولة أن تدار؟ وما إلى ذلك. حتى منتصف القرن العشرين طرح زعماء مثل جمال عبد الناصر في مصر إجابة لتلك الأسئلة؛ قدّمت الأيديولوجية المعروفة بالقومية العربية نوعا من الخلافة العلمانية، بل أقام ناصر في سنوات الخمسينيات وحدة باسم "الجمهورية العربية المتحدة" بين مصر وسوريا.
ولكن تغيّر كلّ شيء في الشرق الأوسط مع تأسيس دولة إسرائيل. ظهر ضعف القومية العربية أمام القوة العسكرية لإسرائيل. استمدّت القومية العربية شرعيّتها لكونها أرادت إعادة العرب إلى سابق مجدهم وتحرير "فلسطين"، ولكن الهزيمة العربية في حرب عام 1967 كشفت عن خواء هذه الأيديولوجية وفراغها.
الخلافة كأداة لكتابة التاريخ الحديث
تونس، الدولة التي أشعلت "الربيع العربي" (AFP)
قامت في العقود الأخيرة أحزاب مختلفة تحاول إعادة الخلافة بسبب خيبة الأمل من النظام السياسي الذي يعيش تحت حكمه غالبية المسلمين. وفقا لرضا بانكهورست، فعندما يتحدّث الناس عن الخلافة، فإنّهم يتحدّثون عن زعيم مسؤول، عن العدالة وعن مسؤولية إعطاء الأحكام والمحاسبة وفقا للشريعة الإسلامية. يقف جميع ذلك في تناقض صارخ مع الطاقم المتنافر من المستبدّين، الملوك والأنظمة القمعية التي تفتقر إلى الشرعية الشعبية في الشرق الأوسط.
ولا تتوق هذه الأنظمة بطبيعة الحال إلى تحقيق فكرة الخلافة. في الأيام الأولى للربيع العربي، فُسّرت الثورات التي قامت في دول مثل تونس، مصر وليبيا في الغرب باعتبارها دليلا على أنّ مستقبل المسلمين يكمن في الديمقراطية. ثمّ جاء الانقلاب الذي نفّذه عبد الفتاح السيسي في مصر ضدّ الإخوان المسلمين وفظائع الدولة الإسلامية في الاضطرابات الدموية التي سادت في سوريا والعراق.
وفقا لسلمان سيد، فإنّ كثيرا من الناس يقولون إنّ الدولة الإسلامية بدأت في الواقع من انقلاب السيسي. "حتى الآن هناك فجوة كبيرة من الشرعية في غالبية الحكومات المسيطرة على الشعوب العربية، وهذه الفجوة لا تتقلّص... إحدى الطرق للتفكير في الخلافة هي بحث المسلمين عن الحكم الذاتي. إنّ فكرة أنّ باستطاعتك كتابة تاريخك أصبحت قوية جدا وبالنسبة للمسلمين فأنا أعتقد أنّ الخلافة هي الأداة التي يحاولون من خلالها كتابة تاريخهم"، كما يوضح.
يطعن العديد من العلماء السنة بحقيقة كون الخلافة مشروعًا سياسيّا. يزعم الشيخ رضوان محمد، على سبيل المثال، أنّ مفاتيح الخلافة سياسية. "أعتقد أنّ الدولة الإسلامية يجب أن تأتي من الداخل"، كما يقول. "يجب أن تكون دولة إسلامية أولا وقبل كلّ شيء من حيث الفكر والعقل". حتى تلك الغالبية الساحقة من الذين يعتقدون أنّ الخلافة الجديدة هي هدف سياسي واقعي يرفضون تماما العنف الذي تقوم به داعش.
ولكن داعش تستغلّ بذكاء العناصر التاريخية للخلافة والتي تخدم أهدافها بالشكل الأفضل. ويشير المؤرخ كينيدي على سبيل المثال إلى أزيائهم وأعلامهم السوداء التي تحاكي العباءات السوداء التي اعتمدها العباسيون كزيّ لديوانهم في القرن الثامن. وهم يذكّرون بذلك بالعصر الذهبي للإسلام.
عندما يتحدّث المسلمون عن الخلافة، فإنّهم يتحدّثون عن زعيم مسؤول، عن العدالة وعن مسؤولية إعطاء الأحكام والمحاسبة وفقا للشريعة الإسلامية
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ التسمية الأصلية لداعش - الدولة الإسلامية في العراق والشام - تذكّرنا بالأيام التي لم يكن فيها حدود وطنية بين هاتين المنطقتين واللتين كانتا جزءًا من الخلافة الكبيرة. ولذلك، فإنّ نجاح داعش يعكس بشكل ما كيف أصبح الطموح للخلافة قويّا. مشروع داعش هو بلا شكّ مصاب بجنون العظمة، ولكنه يستند إلى فكرة هي أكثر بكثير من مجرّد خيال.
بين النبي وداعش
لقطة شاشة لعنصر داعش يتحدث اللغة الإنجليزية نشرها مكتب التحقيقات الفيدرالي (AFP)
هل يمكن تعريف داعش كخلافة، وإن كان ذلك ممكنا، ما هي الفروق بينها وبين الخلافة من العهد الأول للإسلام؟ "جميعنا يحلم بخلافة إسلامية تقوم كما كانت في عهد نبوة محمد"، هذا ما كتبه الكاتب أحمد الريسوني في مقال علىموقع الجزيرة. "ضمّت الخلافة الراشدة تحت سلطانها كافة المسلمين، بغضّ النظر عن قلتهم أو كثرتهم. كان جميع المسلمين راضين عنها وفرحين بها. وأما الخلافة المعلنة مؤخرا فليس تحت سيطرتها حتى واحد من ألف من المسلمين ومن بلاد المسلمين. ثم هل كل من تحت سيطرتهم مسَلِّم لهم وراغب فيهم ومحب لسلطانهم؟ قطعًا لا".
"ثانيا"، يستمر الريسوني، "إن اختيار الخليفة كان يتم بعد تشاور وتداول بين عامة أهل الرأي والمكانة، بل حتى بمشاركة واسعة من عامة المسلمين - نساء ورجالا... وأما خليفة المسلمين المزعوم، فلا ندري من بايعه ومن اختاره. وما قيمتهم ومكانتهم في الأمة الإسلامية؟"
ثالثا: إن التداول والاختيار للخلفاء الراشدين كانا يتمّان في حرية مطلقة وأمان تامّ، وليس تحت سطوة السيوف والتهديد والوعيد. وأما الخلافة المتحدث عنها في وسائل الإعلام، فيراد فرضها وتثبيتها في خضم الفتنة والحرب، وفي جو الخوف والرعب، وتحت التسلط والإكراه...". ويلخّص قائلا: "إن "خلافة" تأتينا بالسيف وتخاطبنا بالسيف، لن تكون -فيما لو كانت- إلا نذير شؤم ومصدر شر لهذه الأمة".
ها قد مرّت عدة شهور منذ بدأت تأتينا تلك الأخبار المرعبة والمقزّزة عن جماعة تنسب نفسها للإسلام، وتسمى نفسها بهذا الاسم الغريب (داعش)، وتنتقل من دولة لأخرى، عربية وغير عربية، قتلاً وتعذيباً وتدميراً، بزعم رغبتهم فى إعلاء شأن الإسلام، وإقامة ما يسمونه «الخلافة الإسلامية».
أى خلافة، إسلامية أو غير إسلامية، يمكن أن تقوم على أساس القتل والنهب والتعذيب على هذا النحو؟ وما هى القيم الأخلاقية أو السياسية التى يريدون إرساءها بهذه الأعمال وإقناع الناس بها؟ وأى مرض عقلى هذا الذى يمكن أن يصيب بعض العرب (أو الأوروبيين الذين انضموا إليهم)، حتى يتوهموا أنهم بذلك يقومون بعمل مفيد للإسلام أو للناس أو لأنفسهم؟ وما هو نوع تقديرهم للظروف السياسية والعالمية، بحيث يظنون أن إقامة مثل هذه «الخلافة» ممكنة الآن؟ وأن الدول المحيطة بهم يمكن أن تسمح لهم بذلك؟
أسئلة عجيبة ما كانت لتخطر بالبال لولا تكرر الأخبار التى تنهال علينا كل يوم، بأن هذه الجماعة المدهشة قد فعلت بالأمس كذا، وقطعت رؤوس هؤلاء، وشردت المسيحيين هنا، أو قتلت الأكراد هناك.. إلخ. كان آخر هذه الأخبار ما قرأته بالأمس فى جريدة بريطانية عن أن شابين كنديين قاما بتفجير بعض القنابل أودت بحياة بعض الأبرياء فى العاصمة الكندية، أوتاوا، التى تشتهر باستقرار الأمن وبالهدوء والسكينة، وأن رئيس الوزراء الكندى أعلن أن لديه من الأدلة ما يشير إلى أن هذا العمل من فعل إرهابيين. وقال غيره إن أدلة أخرى تدل على أنهم ينتمون إلى جماعة داعش، وعبّر بعض المحللين عن رأيهم فى أن كنديين قد اعتنقوا الإسلام مؤخراً، وأنهم فعلوا ما فعلوه انتقاماً من انضمام كندا إلى الولايات المتحدة فى حملتها الأخيرة ضد جماعة داعش فى العراق.
ولكن من المدهش أيضاً أنه ليس من الواضح تماماً ما إذا كانت الولايات المتحدة (وبالتالى كندا أيضاً) جادة حقاً فى ضرب داعش أو ليست كذلك، فهى تضرب يوماً ثم تتوقف عدة أيام، وتصريحات رسمية تأتى من الولايات المتحدة بأن القضاء على داعش يحتاج إلى عدة سنوات، وليس عدة أيام، وتصريحات أخرى رسمية أمريكية تقول إن الولايات المتحدة تستطيع ضرب داعش فى العراق، ولكنها لا تستطيع ضربه فى سوريا. لماذا يا ترى؟ ولماذا تعجز أكبر قوة عسكرية فى العالم عن أن تنهى فى عدة أيام، سواء فى العراق أو فى سوريا، جماعة كهذه لم تنشأ إلا بالأمس؟ بل وما سر اكتفاء الولايات المتحدة بضربهم (أم هو تظاهر بضربهم؟) بضربات جوية، وإعلانها أنها لن تخوض حرباً ضدهم على الأرض، (مع أنها كثيراً ما تفعل هذا فى أماكن أخرى)، مع ما يعنيه الضرب الجوى من قتل أبرياء مع المذنبين، وأن هذا يطيل فقط من أجل عملية كان من الممكن إنهاؤها فى الحال.
كل هذا يضاعف من حيرتنا فى فهم ما يحدث، مما جعلنى فى الأيام الأخيرة أقتصر على قراءة العناوين الكبيرة كلما رأيت كلمة «داعش» فى وسطها، من باب الاشمئزاز، ومحاولة النجاة بنفسى من معرفة تفاصيل لا تزيد معرفتها إلا من حيرتى وعدم فهمى لما يحدث.
ولكنى قرأت كلمة بكلمة الحديث الذى نشرته جريدة «المصرى اليوم» منذ أيام قليلة، فى صفحة كاملة بعنوان «داعش.. صناعة أمريكية»، والحديث كان مع سفير مصرى سابق فى أفغانستان والعراق. لم أصادف اسمه من قبل، ولكنى وجدته يقول كلاماً معقولاً ومبنياً على دراية واسعة وتحليل منطقى لما مرّ بالمنطقة من أحداث، بما فى ذلك تفسير ظاهرة «القاعدة» نفسها، بأنها بدورها من صنع الأمريكيين من أجل طرد السوفييت من أفغانستان، ثم تحقيق أهداف أمريكية مختلفة هنا وهناك، فضلاً عن تشويه سمعة المسلمين.
لقد كنت مقتنعاً دائماً، منذ أن سمعت عن بن لادن لأول مرة، بأنه صناعة أمريكية. وكان قيام الأمريكيين بقتله منذ وقت قصير فى باكستان (وعلى بعد خطوات من مبنى المخابرات الباكستانية وثيقة الصلة بالمخابرات الأمريكية)، ثم إلقاء جثته فى البحر، مع القيام بتصوير عملية الهجوم على مقره والقبض عليه، وبثّ الصور بالتليفزيون فى العالم كله، عملاً مدهشا بدوره، وبدا لى كل هذا كعمل سينمائى درامى من الدرجة الأولى، يستحق (لولا سخافته وبشاعته) الحصول على جائزة فى الإخراج وليس فى تحقيق الأمن والقضاء على الإرهاب.
الآن يُخترع لنا هذا الاختراع الجديد (داعش) لتحقيق أهداف مماثلة، لأمريكا أو لإسرائيل، أو لكلتيهما معاً، والله أعلم كم سيستمر هذا المسلسل البشع الذى يشيع كل هذه الكآبة فى النفوس، ويسمم حياة الناس فى كل صباح.
■ ■ ■
ما هى الطريقة المثلى للتعامل مع مثل هذا الكذب والتمويه على الناس، والإصرار على نشر الخوف والرعب بينهم؟ هل نستمر فى قراءة الصحف ومتابعة الأخبار والصور فى التليفزيون كما تعودنا؟ أم أن الأمر يستلزم وقفة من جانبنا، نحن المستهلكين المساكين للأخبار، ومن جانب المسؤولين عن وسائل الإعلام (أو بعضهم على الأقل)؟ أليس من بين هؤلاء المسؤولين عن الإعلام شخص واحد رشيد يحزم رأيه إزاء هذه السخافات والأكاذيب، ويقرر أن يطلب من بعض رجاله التعمق فى حقيقة ما يحدث، وينشر علينا ما يصلون إليه من نتائج بلا خوف؟
أعاد هذا الخاطر إلى ذهنى ذكريات قديمة، عما كنت أقرؤه فى الصحف الإنجليزية منذ أكثر من خمسين عاماً، عندما كنت طالباً بالبعثة بإنجلترا، كانت حالة هذه الصحف مختلفة عما هى الآن، إذ كانت أكثر جرأة فى التحليل وأقوى شعوراً بالمسؤولية تجاه القارئ، ثم تذكرت أننا فى فترة ما بعد هذا التاريخ، قرأنا أن صحيفة بعد أخرى من الصحف المستقلة قد اشتراها هذا الرجل أو ذاك، من أباطرة الصحافة المسيطرين على العديد من الصحف والقنوات التليفزيونية، فانتهى عهد الاستقلال، وأصبحت السياسة التحريرية لهذه الصحف ملتزمة على نحو صارم بالحدود التى لا تسمح بتجاوزها جهات أمنية أو مخابراتية أو سياسية عليا.
منذ ذلك التاريخ تغير ما أصبحنا نستطيع الحصول عليه من الصحف وغيرها من وسائل الإعلام، وأصبحت كلها تقريباً متشابهة إلى حد مقلق، تذكر الخبر ولا تحاول أن تفسره، أو تكاد تقترب من ذكر الحقيقة فى تفسيره، ثم يتوقف الكلام فجأة، وتترك القارئ حائراً ليحاول استنتاج الحقيقة بنفسه، ولكن استنتاج الحقيقة يصبح مع الوقت أكثر صعوبة، ليس فقط لزيادة حجم الخداع والتمويه، ولكن أيضاً لاختلاط التسلية بالإعلام، فيضيع الخبر وسط الموسيقى المثيرة والصور الخلابة، ويتحول المتفرج بدوره إلى جثة هامدة.