الجمعة، 27 فبراير 2015

تحالف أجوف بين الغرب وأنظمة عربية سنية سلطوية

تتقلص مناطق الاستقرار في العالم العربي الإسلامي، ونظرا للحروب والفوضى يتشبث الغرب بحلفائه الجدد القدامى، أي "الأنظمة السنّية المعتدلة"، كما يرى الصحفي الألماني شتيفان بوخن في تعليقه التحليلي التالي.

Obama in Saudi Arabien 27.01.2015
مسألة تفكير الغرب في شكل الحكم الذي من شأنه أنْ يكون الأفضل لبلدان الشرق، واحدةٌ من تقاليد الاستشراق الراسخة منذ حملة نابليون على مصر، بيد أنَّ تصوُّرات الغرب عن طبيعة السلطة المثاليَّة في الشرق لم تتغيَّر بهذه الكثرة وهذه الجذرية كما حدث في السنوات الخمس عشرة الماضية إطلاقًا.

إنَّ الخوف من "الجماهير الشرقية" ومن "نموذجٍ شرقيٍ أصيلٍ للدولة" كالنموذج الذي أقامه آية الله الخميني مثلاً، دفع الحكومات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لفترةٍ من الزمن إلى الرهان على حكَّامٍ ديكتاتوريين شديدين نحو الداخل موثوقين في الخارج. وكان حسني مبارك في هذا السياق مثالًا نموذجيًا. بيد أنَّ معمَّر القذافي وبشار الأسد أثبتا أيضًا قدرتهما على التطور للقيام بهذا الدور.
ثم جاءت هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، فأمرت إدارة بوش إثر ذلك بـ "ثورةٍ عن طريق الحرب" مُنقلبةً بذلك على مبدأ استراتيجي معروف. وكان الغرض من غزو العراق والإطاحة بـ"جمهورية الخوف"Republic of Fear التي حكمها صدام حسين، ومن فرض إنشاء دولةٍ جديدةٍ قائمةٍ على دستورٍ ديمقراطيٍ وانتخاباتٍ حرَّةٍ بالقوة العسكريَّة، أنْ ينعكس الأمر على جميع أنحاء "الشرق الأوسط الكبير" Greater Middle East. وأُريدَ لأحذية جنود الجيش الأمريكي العسكرية أن تُطْلِقَ موجة من عمليات بناء الديمقراطية. وعندما التقت في لبنان الصغير جموع رجالٍ ونساءٍ معظمها من الجيل الشاب حول جثمان الملياردير السياسي رفيق الحريري الممزّقة لتقوم بـ "ثورة الأرز"، اعتقد البعض في واشنطن أن المخطط آخذٌ في التحقُّق.

بيد أنَّ الرياح جرت باتجاهٍ آخر، فقد غرق العراق في حربٍ أهليةٍ طائفيةٍ، وخسر جيشُ الاحتلال الأمريكي مكانته كـ"نموذج للديمقراطية" بسبب تعذيب المعتقلين والمجازر التي أوقعها بحق المدنيين، فجاءت هذه الملابسات مواتيةً لرد الاعتبار للدكتاتور السابق. وهذه الصِيْغَة بالذات كانت أكثر واقعية.المفاجأة: "ربيعٌ عربيٌ"
بعد ذلك أحرق بائع فاكهةٍ نفسه بسبب تعسف السلطات به في مدينة تونسية صغيرة مطلقًا بذلك "الربيع العربي". فجأة شرعت "الجماهير العربية" المثيرة للخوف بالمطالبة بالحرية وحقوق الإنسان. هنا كان من الصعب على الغرب أن يقول "لا". فهل لدى الإنسان الشرقي قدرةٌ على تشييد الديمقراطية؟ ثمَّ دار الهمس آنذاك بين واشنطن وبرلين: "النصر لإرادة الشعب! حتى وإنْ أدَّى ذلك إلى انتخاب جماعة الأخوان المسلمين لتتبوأ أعلى المناصب في الدولة".
هذا وتزداد سرعة الدوّامة باستمرارٍ. ويغرق جلَّ بلدان "الربيع العربي" في الفوضى والحرب، وبخاصةٍ سوريا. وما كاد أوباما ينهي قوله: "هذا ليس عملنا"، حتى نهض في الهلال الخصيب من مناطق الحطام والأنقاض التي صارت خارجةً عن السيطرة "تنظيم الدولة الإسلامية" وخليفته ذو اللحية السوداء أبو بكر البغدادي.

على الإسلام "الصحيح" أنْ يُقوِّمَ الاعوجاج
لا بدَّ لأوباما إذًا من أنْ يخوض حربًا في الشرق الآن. وقد صرَّح في البيت الأبيض وفي قمة حلف شمال الأطلسي في ويلز بأنـَّه سيقوم بذلك "مع شركائنا في المنطقة". فمن هم هؤلاء الشركاء؟ إنَّهم الأكراد بالتأكيد، إذ لطالما كانت الأقليات في الشرق الأوسط حليفةً للغرب. هذا أمرٌ ثابتٌ منذ عهد نابليون. ولكنَّ هذا لا يكفي. نرى الآن، حيث تتقلص جزر الاستقرار، ويدَّعي "تنظيم الدولة الإسلامية" أنَّه القائمُ على التأويل السياسي-الفقهي جاذبًا المتعصبين أصحاب الرؤوس الحامية من كافَّة أنحاء العالم، فيعمل الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على بناء نموذجٍ توجيهيٍ جديدٍ بغية تشكيل نظام الحكم المثالي في الشرق. هذا النظام يتمثّل في ممارسة السلطة من قبل حكَّامٍ سُنَّةٍ "معتدلين" يستمدُّ أغلبهم شرعيته من انتمائه لعائلةٍ مالكةٍ.

Symbolbild Arabischer Frühling Tunesien
حرق بائع فاكهةٍ نفسه بسبب تعسف السلطات به في مدينة تونسية صغيرة مطلقًا بذلك "الربيع العربي".

هذا النموذج بحدِّ ذاته ليس جديدًا بالتأكيد، فالسلالات الملكيَّة كانت موجودةً أيضًا في عهد الاستعمار الأوروبي. أما الجديد حقًا فهي الوظيفة التوجيهية النموذجية. أنظمة حكمٍ كنظام حكم آل سعود، و "العائلة الهاشمية" في الأردن، وآل مكتوم في دبي وآل خليفة في قطر هي أدوات النجاة التي يتشبث بها الغرب الآن لكي لا يفقد كلَّ نفوذه في الشرق.
كان من الممكن مؤخرًا رؤية هذه العلاقات بشكلٍ جليٍّ، لدى قيام أوباما وأولاند وشركائهما بالحجِّ إلى الرياض حزنًا على وفاة الملك عبد الله، حتى أنَّ ديفيد كاميرون قد نكَّس الأعلام في بريطانيا العظمى، هذا وتمنَّى الجميع التوفيق لولي العهد ابن التسعة والسبعين عامًا. علاوة على ذلك، يحلو للولايات المتحدة الأمريكية منذ أيلول/ سبتمبر 2014 التأكيد على مشاركة سلاح الطيران السعودي والأردني في الحرب على "تنظيم الدولة الإسلامية" (هذا له الآن تأثير أكبر في الذاكرة بفعل صور الطيَّار الأردني الأسير الذي أحرقه تنظيم "الدولة الإسلامية"). ومن المفروض أن يتعزّز التحالف من خلال "الجيش السوري الحر" وقوات "الحرس الوطني" السُّنيَّة المعتزم تشكيلها في المحافظات الشمالية والغربية من العراق.
يبدو أنَّ الغرب في حاجةٍ إلى تجاوز الجوانب العملية البحتة للتعاون مع "الحلفاء السُّنَّة المعتدلين" وإلى شحن التحالف معنويًا. هنا يأتي دورُ الإسلام، أو بتعبيرٍ أدقٍ دورُ تأويله بالشكل "الصحيح". فنظرًا لزحف تنظيم "الدولة الإسلامية" الأيديولوجي كما يراه الغرب، ينبغي على الحكَّام السُّنَّة "المعتدلين" المساعدة في غرس "إسلام السلام والرحمة الحقيقي" في قلوب الناس.
السيسي: "من دكتاتورٍ إلى سُنِّيٍّ معتدلٍ"
كانت رانيا ملكة الأردن أول من تلقف هذه المهمة بوجهٍ مشرقٍ، حيث طالبت في قمَّة أبو ظبي للإعلام في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 باسم "أغلبية المسلمين المعتدلة" -باللغة الإنجليزية طبعًا- طالبت باستخدام وسائل الإعلام الاجتماعي من أجل نشر مشروعٍ مضاد لمشروع "الإرهابيين".
ربطت الملكة ذات الشعر المصبوغ باللون الأشقر دورها المعروف باعتبارها أيقونةً دعائيةً في يوتيوب وإنستاغرام وفيسبوك بالوظيفة الجديدة كَــ "فيلسوفة شعبيَّة" للإسلام المعتدل. إذن، بهذه السرعة يمكن استبدال شعار يوتيوب القائل "انشر مشاركاتك" بشعار "انشر الاعتدال الإسلامي". وتغيب الأوصاف التي من شأنها أنْ تعبِّرَ عن هذا المشهد الملكيِّ، ولكنْ يجوز رغم ذلك التخمين بأنَّ ثمة من يتبادل التهاني بين كاليفورنيا وواشنطن العاصمة، ويؤكِّد -ربما أثناء تناول شرائح خبز التوست- أنَّ "الاستراتيجية نجحت".
ومنذ ذلك الحين توسَّعت هذه الجوقة من خلال حكَّامٍ "سُّنَّةٍ معتدلين" آخرين. المشير عبد الفتاح السيسي، الذي يريد بعد انقلابه العسكري أن يجعل مصر مجددًا "جزيرة استقرار"، طالب شيوخ جامعة الأزهر بـ "ثورةٍ دينيةٍ"، لكي يواجه المسلمون "الأفكار الخاطئة" التي يحملها المتطرفون. وأوضح السيسي أنَّه لا بدَّ لهذه الثورة من أنْ تتخذ "كتاب الله وسُّنَّة نبيِّه" منهاجًا أساسيًا لها.
أما كيف تنسجم مبادئ الاعتدال والعقلانية مع جَلْدِ المدونين المزعجين ومع احتجاز المعارضين السياسيين، فليس هو السؤال الحاسم في هذا السياق، إنَّما الثمار التي ستنتجها الشراكة السياسيَّة المصيريَّة الجديدة للغرب وللحكَّام السُّنَّة المعتدلين على حدٍّ سواء هي ما يثير الاهتمام أكثر.

Rania Königin von Jordanien
وجه العالم العربي اللطيف: ربطت الملكة ذات الشعر المصبوغ باللون الأشقر دورها المعروف باعتبارها أيقونةً دعائيةً في يوتيوب وإنستاغرام وفيسبوك بالوظيفة الجديدة كَــ "فيلسوفة شعبيَّة" للإسلام المعتدل، بحسب ما يكتب شتيفان بوخن.

يصعب استشرافُ توقعاتٍ إيجابيةٍ للشراكة المصيريَّة، حتى وإنْ استطاع هذا الحاكم المعتدل أو ذاك إظهار نحو أربعين خَلَفًا لهُ من الذكور، وبالتالي البرهنة على قدرٍ معيَّن من "استقرار السُلالة الحاكمة"، فما مدى المصداقية التي يمتلكها الشركاء (بعد كل ما حصل) والتي تخوِّلهم أن يمثـِّلوا رسالةً سياسيَّةً أساسها أخلاقيّ؟

تحالفٌ بين المتطرفين الشيعة والسُّنَّة
لقد أطاح الغرب بمصداقيته في الشرق الأوسط لعدة أجيال قادمة من خلال مغامرة العراق في سنة 2003. ومن يُقدِم على الانضمام إلى هذا التحالف سوف يمضي في إضعاف شرعيَّته الضعيفة أصلاً. وتبدو الشراكة المصيريَّة الجديدة بمثابة وصفةٍ لزوال السلالات السُّنيَّة الحاكمة بسرعة.
كلُّ شيءٍ يشير إلى أنَّ تنظيمي "الدولة الإسلامية" والقاعدة سوف يحاولان الضرب في هذه الثغرة ونقل إرهابهما على نحو متزايد إلى شبه الجزيرة العربية. وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأنَّ الخصوم الأقوى بكثير، أي إيران وحلفاءها الشيعة لن يستغلِّوا نقاط الضعف الواضحة في تحالف الحكام السُّنَّة والغرب. وجليٌ أنَّ إيران سوف تتعاون تكتيكيًا في ساحات المعارك في الهلال الخصيب وفي اليمن حتى مع السُّنَّة المتطرفين، من أجل إلحاق الضرر بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.
إذًا هناك احتمالٌ كبيرٌ بأنْ يضطر الغرب قريبًا لأنْ يبتدع من جديدٍ أفضل نموذجٍ ممكنٍ للدولة في الشرق. ولكن من المحتمل أيضًا أنْ لا تسعفه قواه بعد الفشل المُرَجَّج للشراكة المصيريَّة الحاليَّة. وربما ستتوقف أخيرًا همرجة إنتاج الأفكار في وزارات الخارجية ومراكز الأبحاث والدراسات عن الحركة. وسوف يخشى جميع "اللاعبين" في الشرق الاقتراب من الغرب كما يخشى الشيطان من الماء المقدس.

شتيفان بوخن
ترجمة: يوسف حجازي
حقوق النشر: موقع قنطرة ar

الخميس، 19 فبراير 2015

الأزهر يحسم الجدل: "الحجاب" عادة وليس فريضة إسلامية


الجمعة | 13-06-2014 - 09:19 مساءً
 144K  3183 Google +94  43
وطن للأنباء: منح الأزهر شهادة الدكتوراه للشيخ مصطفى محمد راشد في الشريعة والقانون، بتقدير ممتاز، عن أطروحته التي تناول فيها ما تشيع تسميته بـ "الحجاب" (غطاء الرأس الاسلامي) من الناحية الفقهية، مؤكدا أنه ليس فريضة اسلامية.
وأشار الشيخ في رسالته إلى أن "تفسير الآيات بمعزل عن ظروفها التاريخية وأسباب نزولها" أدى إلى الالتباس وشيوع مفهوم خاطئ حول "حجاب" المرأة في الإسلام "المقصود به غطاء الرأس الذي لم يُذكره لفظه في القرآن الكريم على الإطلاق".
واعتبر الشيخ راشد أن بعض المفسرين رفضوا إعمال العقل واقتبسوا النصوص الدينية في غير موقعها، وأن كل واحد من هؤلاء فسرها إما على هواه بعيدا من مغزاها الحقيقي، وإما لنقص في "القدرات التحليلية لديهم ناتج عن آفة نفسية"، والسبب في ذلك يعود إلى تعطيل الاجتهاد رغم أن المجتهد ينال حسنة من الله حتى وإن أخطأ.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن السبب في ذلك يكمن في قاعدة "النقل قبل العقل" المعتمدة في البحث الاسلامي.
آيات خصت بنساء الرسول وأخرى اقتصرت على ستر النحور
وينطلق معارضو فرضية "الحجاب" في الإسلام من تفسير غير صحيح من وجهة نظرهم للآية (53) من سورة "الأحزاب"، التي جاء فيها {وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما}، إذ يرى هؤلاء أنها تخص أمهات المؤمنين فقط، وضرورة وضع حاجز بينهن وبين صحابة الرسول.
وجاء أيضا في الآية (59) من السورة ذاتها: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهنّ من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما}، والتي نزلت بحسب قولهم لتحض الحرائر على وضع ما يستر وجوههن كي لا يكن عرضة لرجال يسترقون النظر إليهن كما يفعلون مع الجواري.
كما يؤكد من يتبنى هذا الفكر أن الآية رقم (31) من سورة النور: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}، نزلت للإشارة بستر النحر، أي أعلى الصدر والعنق، بسبب انتشار حالة سادت عند نساء العرب لا يسمح بها الإسلام.
ويرى مهتمون أن الأزهر قطع الشك باليقين، وأنهى النقاش الدائر حول الحجاب وما إذا كان "عادة أم عبادة" ليصرح وبشكل قاطع أن الدين الاسلامي لم يفرضه.
- See more at: http://www.wattan.tv/ar/news/79837.html#sthash.l16dRPkz.dpuf 







الأحد، 15 فبراير 2015


تشويه الإسلام والجدل حول مفهوم الإرهاب

لماذا يعتمد إرهابيون كالذين قاموا باعتداءات باريس على الإسلام مرجعيةً لهم؟ رغم أن أفعالهم لا تَمُتُّ بأية صلة إلى ما يؤمن به معظم المسلمين. الكاتب والصحفي الألماني دانيال باكس يسلط الضوء على ذلك لموقع قنطرة.
Mahnwache für Terroropfer am Brandenburger Tor 13.01.12014
كما هي الحال دائمًا بعد الاعتداءات ذات الدافع الإسلاموي، يؤكد المسلمون على أنَّ هكذا إرهاب "لا يمتُّ إلى الإسلام بأيَّة صلةٍ". ووزير الداخلية الألماني توماس دي ميزيير بدوره بات يستخدم الآن هذه الصيغة. الأمر مفهوم، لأنَّه ليس في هذا الإرهاب أيّ شيءٍ مشتركٍ مع الإسلام الذي تمارسه الغالبية العظمى من المسلمين، وخصوصًا في أوروبا. بيد أنَّه في الوقت ذاته تنمو ريبة في أوروبا تجاه الإسلام، لأنَّ الإرهابيين يعتمدونه في الواقع مرجعيةً لهم، كما حدث في فرنسا مثلاً، فكيف يمكن تفسير هذا التناقض؟
بعبارة أخرى: أيُّ خاصية في الإسلام الحالي، تجعله عرضةً للاستغلال من قِبَلِ مرتكبي أعمال العنف؟ هناك ديانات أخرى يتم استغلالها أيضًا، كاليهودية في الشرق الأوسط من قِبَلِ المستوطنين المتطرفين، أو كالمسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية من قِبَلِ قتلة مناهضي الإجهاض، أو البوذية في ميانمار التي يتم استغلالها من قِبَلِ الرهبان الذين يُلاحِقون المسلمين. لكنْ فقط للإسلام المتطرّف قوة تجذب الشبَّان القابعين على هامش المجتمع، بحيث يسافر بعضهم ليشارك في الحرب الأهلية في سوريا أو يقوم بالاعتداءات في بلاده الأصلية، مثل ما حدث مؤخرًا في باريس. فلماذا يحصل ذلك؟
Picture-Teaser Wahhabismus - eine globale Bedrohung?
دوافع الإسلام المتطرف: "إنَّ التأويل السعودي للإسلام متطرِّفٌ للغاية، فهو تأويلٌ يفصل بشكلٍ صارمٍ بين الجنسين، ولا يتسامح مع أصحاب الرأي المختلف، ويطبق عقوبات بدنيَّة عفا عليها الزمن"، بحسب ما يكتب دانيال باكس.
نظرًا للتاريخ، يثير هذا التطوُّر الدهشة، فالمجتمعات العربية إسلامية الطابع كانت حتى أواخر العصور الوسطى تسبق مجتمعات أوروبا على صعيد التسامح والثقافة والعلوم بأشواطٍ كبيرةٍ. وكانت لدى المفكرين المسلمين والقادة السياسيين رؤيتان لمواجهة الأزمة التي نجمت عن نهضة أوروبا العسكرية والثقافية، واستعمارها للبلدان ذات الطابع الإسلامي.
إحدى الرؤيتين كانت تتمثل في الأخذ الجذري بالنماذج الأوروبية – القومية، والاشتراكية، والعلمانية باعتبارها الطريق إلى الخلاص. وكانت الأصوات الأخرى خافتة في البداية، فطالبت بالعودة إلى الإسلام لاستعادة النفوذ السابق.
فهمُ الإسلام بشكلٍ متزمِّتٍ
بعدما أخفقت الأنظمة العلمانيَّة في المنطقة في تحقيق الرخاء والمشاركة والعدالة لمواطنيها، نشطت الحركات الإسلامويَّة التي ألبست الخطاب المعادي للإمبريالية مصطلحاتٍ دينيةً وقدَّمت نفسها على أنَّها البديل. وكلما زاد القمع الذي تعرَّضت له عنفًا، زاد جزءٌ منها تطرُّفًا.
يضاف إلى ذلك، أنَّ المملكة العربية السعودية الشديدة المحافظة، قد تمكَّنت من جمع ثروة هائلة ومن الصعود لتكون أهم قوة إقليمية عربية في الشرق الأوسط حاليًا، وذلك من خلال الوفرة النفطية التي تكاد لا تنضب، وباتت المملكة تصدِّر فهمها المتزمِّت للإسلام إلى جميع أرجاء العالم.
إنَّ التأويل السعودي للإسلام متطرِّفٌ للغاية، فهو تأويلٌ يفصل بشكلٍ صارمٍ بين الجنسين، ولا يتسامح مع أصحاب الرأي المختلف، ويطبق عقوبات بدنيَّة عفا عليها الزمن. ومع أنَّ هذا يبدو وكأنه من العصور الوسطى، إلا أنَّه يعود في الواقع إلى مدرسةٍ فكريَّةٍ حديثةٍ نسبيًا، تأسَّست في القرن الثامن عشر على يد الداعية محمدٍ بن عبد الوهاب، ورُفع شأنها في القرن العشرين لتصبح دين الدولة في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يدفع إلى وصف هذه الطريقة في الإسلام بالوهابيَّة أو السلفيَّة.
هذا الإسلام السعودي المتصلِّب نُظر إليه في البداية في المجتمعات الأخرى ذات الطابع الإسلاميِّ باعتباره جسمًا غريبًا. بيد أنَّ هذه السلفيَّة حققت في العقود الأخيرة انتصاراتٍ متواصلةً ورسخت إيمانًا بوجوب النقاب، وفسَّرت القرآن بشكلٍ جامدٍ، ورفضت التديُّن الشعبيَّ التقليديَّ، واتـَّخذت منحىً إرهابيًا، يجد أشكاله الأكثر تطرُّفًا في أيديولوجيا حركة طالبان الأفغانيَّة، وميليشيات "تنظيم الدولة الإسلاميَّة" أو "بوكو حرام" في نيجيريا.
فاشلون في حياتهم في أغلب الأحيان
في الوقت ذاته سرعت التدخلات الغربيَّة في عملية تفتت دول في الشرق الأوسط على طول حدود دينية-عرقية، مثل ما حدث مؤخرًا في العراق وليبيا. والآن تتغلغل جماعات إرهابية سلفية كهذه في هذا الفراغ.
يوجد في ألمانيا آلاف السلفيين حاليًا، وحقًا لا تجنح إلى العنف سوى قلَّة منهم، إلا أنَّ هذه القلـَّة تشكل خطرًا كبيرًا، وبخاصَّةٍ بعد عودتها من الحرب الأهليَّة في سوريا. والملفت للنظر أنَّ هؤلاء ينتمون في كثيرٍ من الأحيان إلى صغار المجرمين السابقين والفاشلين في حياتهم، كما كانت حال المعتدين في باريس. وهم يستخدمون مصطلحاتٍ إسلاميَّةً مثل "الجهاد"، فيُسقِطون معناها الأصلي ويحوِّرون تفسيرها، لكي يبرروا فِعلاتهم وليرفعوا من شأنها.
بغية فهم هذا الإسلام، المصنوع على طريقة "افعل الأمر بنفسك" (do it yourself)، باعتباره التعبير الأصيل عن هذا الدين، أو حتى باعتباره حتمًا التأويل الصحيح للقرآن، لا بدَّ من تجاهل عدَّة قرونٍ من الفقه الإسلامي والممارسة الدينية – وهذا بالضبط ما يفعله الإرهابيون، ولكن أيضًا ما يفعله الكثير من "منتقدي الإسلام" المفرطين في حماستهم، الذين يقتطفون فقراتٍ من القرآن بشكلٍ اعتباطيٍ، بهدف وضع الدين الإسلامي برمَّته تحت الاشتباه العام.

لا توجد في الإسلام كنيسةٌ من شأنها أنْ تطرد مثل هؤلاء الإرهابيين، ويخشى المسلمون من إعلان هؤلاء "كفَّارًا"، لأنَّ هذا بالضبط هو أسلوب الإرهابيين، أي حلَّ دم خصومهم. لكنَّ كلَّ المرجعيات الإسلامية المهمَّة، والسعودية منها أيضًا، وجميع الجمعيات الإسلامية في أوروبا، أدانت الإرهاب الذي وقع في باريس بالإجماع، وانتقدت استغلال معتقدها وهذا التشويه لدينها.
معظم
 الضحايا من المسلمين
ذلك لأنَّ هؤلاء الإرهابيين يشكِّلون تهديدًا لتماسك المجتمعات التي يهاجمونها – وبخاصَّةٍ للأقليات المضطهدة مثل المسيحيين في الشرق الأوسط، أو اليهود في أوروبا، ولكنْ أيضا لكلِّ الآخرين. وتصبح الاستباحة التي يمارسونها باسم الإسلام ضربًا من العبث من خلال حقيقة أنَّ معظم ضحايا الإرهاب الإسلامويِّ هم من المسلمين.
إلى جانب إجراء التدابير الأمنيَّة اللازمة التي ينبغي اتـِّخاذها، يتوجَّب على الساسة في أوروبا المضي في دمج الإسلام هنا، بغية تعزيز قوة المسلمين المسالمين. ولا بدَّ لهم من عدم التوقف عن تبيان أنَّ خط المجابهة لا يقع بين المجتمعات الغربية والمسلمين، بل بين الديمقراطيين والإرهابيين.
دانيال باكس
ترجمة: يوسف حجازي

الملك سلمان يُواجه مرحلة حُبلى بالمشاكل والمخاطر

هل هى عودة لاجواء الخمسينيات ؟

بقلم سعد محيو - بيروت


الملك السعودي الجديد سلمان بن عبد العزيز لدى حضوره مراسم أقيمت في قصر الديوان الملكي في العاصمة الرياض مساء السبت 24 يناير 2015. (swissinfo.ch)
الملك السعودي الجديد سلمان بن عبد العزيز لدى حضوره مراسم أقيمت في قصر الديوان الملكي في العاصمة الرياض مساء السبت 24 يناير 2015.
(swissinfo.ch)

هل حُسِمت مسألة الخلافة في المملكة العربية السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، وليّا لولي العهد؟

ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مُقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصحّ على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لا تتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يُشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولا تزال، في ما بينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مبايعة الملك سلمان عبر تويتر تدخل تقاليد انتقال الحكم الى عصر الاعلام الحديث
بايع الالاف من السعوديين، الشباب منهم خصوصا، الملك الجديد سلمان عبر تويتر مدخلين تقاليد انتقال الحكم في المملكة الى عصر الاعلام الحديث.
وغرد عشرات الالاف في المملكة مستخدمين الوسم (هاشتاغ) #انا_ابايع_الملك_سلمان ومؤكدين ولاءهم للملك الجديد منذ اللحظات الاولى لوفاة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.
وتحول تويتر خلال السنوات الاخيرة الى المنبر الاول للراي العام في الخليج وخصوصا في السعودية التي اعتبرت عاصمتها الرياض في 2012 عاشر مدينة مغردة في العالم.
وفي 2013 تجاوز عدد مستخدمي الموقع النشطين في المملكة خمسة ملايين شخص، ليسجل تويتر في هذا البلد اعلى نسبة انتشار له في العالم بالمقارنة مع عدد السكان.
ويستخدم الموقع الجميع تقريبا في المملكة، من السلفيين المتشددين الى الليبراليين، ومن الامراء والوزراء الى اشخاص مجهولين اصبحوا نجوما.
وكان خبر وفاة الملك شاع عبر تويتر قبل ساعات من اعلانه رسميا، لا سيما من خلال تغريدة للمغرد "الشبح" الاشهر مجتهد المعروف بنشره معلومات من داخل دوائر الحكم اصابت احيانا ولم تصب احيانا اخرى.
وبعيد اعلان وفاة الملك، بدأ مغردون سعوديون بمبايعة ملكهم الجديد عبر تويتر، وايضا من خلال نشر افلام يعلنون فيها المبايعة عبر موقع يوتيوب.
وقال الشاب سلمان العتيبي لوكالة فرانس برس "بايعت الملك عبر تويتر لاننا نتقدم تقنيا ولا نتخلى عن هويتنا وتقاليدنا". واعتبر ان "البيعة واجب على كل مسلم".
وتتخذ البيعة او المبايعة في السعودية بعدا دينيا وآخر قبليا.
ومن الناحية الدينية، يرتكز نظام البيعة الى الحديث الشريف الذي يقول "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".
وقد شدد مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فور اعلان انتقال السلطة على كون البيعة واجب على مسلم في المملكة.
ومن الناحية القبلية، فان البيعة تعني موافقة مجموع القبائل والمجموعات وتسليمها بالامر والطاعة لولي الامر الجديد.
وبعد ساعتين من دفن الملك عبد الله، توافد عشرات الالاف من الاعيان والشخصيات وممثلي القبائل الى قصر الحكم لمبايعة الملك سلمان، بالسلام عليه وتقبيل كتفه او يده.
وبشكل مواز، بايعه الالاف الاخرون بالتغريد.
(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب بتاريخ 26 يناير 2015) 

مرحلة انتقالية خطرة

بالطبع، تتمثل الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية في الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حُبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة.
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يُعاني من بعض الأمراض أخطرها العته (Dementia) حسب عدد من المصادر، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات نفسية. أما ولي العهد مقرن، فأمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنّم العرش، إضافة إلى معاناته من بعض الأمراض. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين المرشح لولاية العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم إن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذي ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري)، ولياً لولي العهد بالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث وفي مقدمهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير مُتعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم كثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى: "على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الإنتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الإعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الإعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا ما نحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل، الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى التناحر (الذي قد يكون دموياً أحياناً) على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما هي العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، يُمكن للتاريخ الحديث أن يُضيء طريقنا قليلا. ففي الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي في عام 1953، غارقاً في الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. أما الثانية فقادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالإصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إجهاض حركة "الأمراء الأحرار".
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن ما يهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.

الخمسينيات مُجددا؟

واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن في الهزيع الأول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً قوياً في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف.
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر 2001 في أمريكا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية التي تنشر المبادئ (الداعشية والنصروية) نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يُرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها؛ وهو سيُغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين شتى. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
ن

إلى أين؟

الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الإنتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الإنتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الإخضاع التام لـ "الثورة الوهابية" لصالح الدولة الوطنية.
بيد أن هذا الامر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز قوى مجتمع مدني موحدة تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعلموا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الأمران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبُوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الإستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الإستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإيديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الإستمرارية مجرد "سحابة صيف" عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ما تبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلقٌ جديد".
بقلم سعد محيو - بيروت ,

الثلاثاء، 27 يناير 2015

غيدو شتاينبرغ: لا يوجد بديل للعائلة المالكة السعودية

السعودية واحدة من بين أكثر الدول السلطوية في العالم، مع ذلك يتملقها الغرب. لماذا يحدث ذلك؟ هذا ما يوضحه الخبير في شؤون الشرق الأوسط غيدو شتاينبرغ في مقابلة مع DW.
Saudi Arabien Salman bin Abdul Aziz
:DW الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف وآخرون كثيرون من رؤساء الدول والحكومات، قائمة المعزين في وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله تبدو وكأنها مرجع لشخصيات السياسة العالمية، فلماذا السعودية مهمة لهذه الدرجة؟
غيدو شتاينبرغ: أهم نقطة وبفارق كبير هي الثروة النفطية التي تمثل نحو ربع احتياطيات العالم. وهذا النفط الذي يستخرج بتكاليف منخفضة سيزداد أهمية بغض النظر عن كيفية تطور أسواق النفط في السنوات المقبلة. ومع أنه يتم تصديره بكميات صغيرة فقط إلى الولايات المتحدة وأوروبا وإلى شرق آسيا بخاصة، إلا أنه عموما مهم للأسواق. ولو أصبحت السعودية غير مستقرة، مثل سوريا، وغابت أجزاء فقط من صادرات النفط، فسوف يكون لذلك نتائج سلبية على الاقتصاد العالمي.
Arabischer Frühling und die Herausforderungen
غيدو شتاينبيرغ، الخبير الأألماني بشؤون السعودية والشرق الأوسط
لماذا يدعم الغرب بيت آل سعود شديد الرجعية؟ فمن هذا المنظور، لا يهم حقا من يحكم، سواء كانت الأسرة الحاكمة الحالية أو غيرها؛ لأن أي حكومة (تأتي) ستقوم ببيع النفط في السوق العالمية.
هذا افتراض خطير لأنه لا يوجد بديل مقبول للحكومة الحالية، إلا عدم الاستقرار المستمر. في السعودية، هناك معارضة سلفية قوية لها صلات بجماعة الإخوان المسلمين. كما أن تنظيم "القاعدة" وتنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابيين لديهما الكثير من الأتباع، وهناك أيضا المعارضة الشيعية القوية في شرق البلاد. ويخشى من أنه إذا فقدت أسرة آل سعود الحاكمة السيطرة على البلاد، فإنه لن تكون هناك حكومة جديدة، وإنما ستتفكك البلد إلى ثلاثة وربما إلى أربعة أجزاء على طول الخطوط الإقليمية والدينية.
أي أنه من الأفضل أن تكون هناك دكتاتورية رجعية بدلا من دولة فاشلة أخرى؟
من الواضح جدا أن هذه هي السياسة. ففي الواقع، ليس هناك في البلد قوة تذكر يمكنها أن تقوم بدور المعارضة بطريقة بناءة. وهذا يرجع إلى سياسات النظام، التي تهدف منذ سنوات إلى منع ظهور بديل سلمي. وهذا لا يغير من حقيقة أنه لو صارت السعودية دولة فاشلة فسيكون ذلك كارثة على مواطني البلد أنفسهم في المقام الأول.
ما هو الدور الذي تقوم به السعودية في السياسة الإقليمية من وجهة النظر الغربية؟
المملكة العربية السعودية حليف موثوق به منذ مدة طويلة. وهناك شيء ثابت في السياسة الأمريكية منذ عام 1979 هو العداء مع إيران. وفي هذا يتفق الأميركيون مع السعوديين. ومنذ أواخر تسعينات القرن العشرين حلت إيران محل الاتحاد السوفيتي كنمط للعدو المشترك. كما أن السعوديين أيضا على استعداد للتعاون في معظم القضايا الرئيسية الأخرى للسياسة الإقليمية، وهذا ينطبق، مثلا على الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا، حيث تشارك السعودية في الضربات الجوية. وفي المقابل، فإن السياسيين الأمريكيين والأوروبيين لا يعتبرون السياسات الداخلية للسعودية بهذه الدرجة من الأهمية. وكذلك السياسة الألمانية، التي أصبحت منذ غيرهارد شرودر أكثر ودا مع السعودية، لم تظهر قط اهتماما كبيرا بهذه المواضيع.
هل هناك إشارة الآن على تغيير في الاتجاه؟ فرأس الدولة لم يكن من بين المعزين وفي الوقت نفسه علقت برلين شحنات أسلحة.
حتى الآن، لا توجد أنباء عن هذا القرار لمجلس الأمن الاتحادي سوى في صحيفة "بيلد آم زونتاغ". وأنا أود الانتظار لأرى ماذا يعني هذا فعلا، وعما إذا كان بالإضافة إلى الأسلحة سيكون هناك أيضا تعليق لمعدات تسليح. لكني اعتقد أنه كان واضحا بالفعل في الأشهر الأخيرة أن هناك في الائتلاف الكبير مقاومة واسعة النطاق لتوريد الأسلحة من جانب الحزب الاشتراكي الديمقراطي. إضافة لذلك تأتي الآن الأخبار عن عقاب وحشي للمدون والناشط رائف بدوي. وهذا أدى إلى تحفظ الحكومة الاتحادية في إرسال شخص (للعزاء). والأمر هنا يتعلق أولا برد فعل الرأي العام على مثل هذه الزيارة. ولا أستطيع حتى الآن رؤية خط جديد تماما.
ما هي السياسة العقلانية تجاه المملكة العربية السعودية؟
لا مفر لنا من وجود علاقات وثيقة مع السعودية. فألمانيا واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، والسعودية هي أهم منتج للنفط. كما أن السعودية لاعب رئيسي في المنطقة المجاورة لنا. فلا بد من علاقات وثيقة ويجب أن يذهب التعاون الأمني (بيننا) إلى أبعد الحدود دون التقيد بتحقيق كل رغبة. ولكن عندما يتم تسليح شريك كهذا يجب أيضا القول بكل وضوح ما هو المتعطل في هذا البلد، وأين الأشياء التي تحتاج إلى تغيير. أما التزويد بالأسلحة فقط على أمل أنه ربما تكون السعودية عامل استقرار فعلي، فهذه ليست سياسة جيدة.
من السعودية، يتم من خلال مليارات الدولارات تمويل نشر الوهابية في جميع أنحاء العالم، التي تسبب مشاكل في العديد من البلدان. إضافة إلى ذلك هناك الدعم للمتمردين الإسلاميين في سوريا بعواقبه المعروفة. أليس هذا قصر نظر، حينما تنظر الحكومة الاتحادية إلى السعودية على أنها "مرسى للاستقرار؟"
السعودية بلد ينطوي على مخاطر استقرار شديدة على الأرجح. ومع ذلك، يجب على المرء بعد ما رأيناه في سوريا وليبيا، والآن في اليمن، إعادة النظر في علاقته الخاصة بالاستقرار في المنطقة. ويجب أن يكون هدف السياسة الأوروبية هو أن يسود استقرار حيوي يسمح بالتغييرات. وعندما تكون هناك دول تريد أن تكون شريكا لنا، فيجب عليهم البدء في هذه التغييرات. وبالنسبة لمكافحة الإرهاب فأنا أرى أن السعودية شريك متعاون للغاية. ويكاد لا يكون هناك بلد يشبه السعودية في كفاحها الحازم ضد "الدولة الإسلامية". والمشكلة هي أن السعوديين لا يرون أن دعم تفسيرهم الرسمي الخاص للإسلام هو في نهاية المطاف تعزيز للتطرف، فهم يعتبرون أن ما يمولونه ويدعمونه على مستوى العالم هو الإسلام الصحيح. بينما نرى نحن فيه التطرف السلفي، وبالتالي واحدا من أسباب ظهور جماعات إرهابية.
ماذا تنتظر من الملك سلمان، خليفة الملك الراحل عبدالله؟
لا شيء على الإطلاق. فسلمان طاعن في السن ومريض. أما الأكثر إثارة للاهتمام فهو (ولي العهد) الأمير مقرن، الخليفة المقبل، الذي لا نعرف عنه الكثير سوى أنه مناهض لإيران على طول الخط. فهو لم يتول منصبا رسميا بارزا، سوى أنه كان مديرا للمخابرات لبضع سنوات فقط. أما الخبر المهم فعلا فهو (تعيين) وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف وليا لولي العهد. فهو (محمد بن نايف) مؤيد لدولة أمنية قوية، لكنه مؤيد أيضا لسياسة داخلية أكثر ذكاء ومؤيد لمكافحة للإرهاب تعتمد على خطوات سياسية. ونحن نعرف الآن من سيحكم ربما السعودية لأطول فترة، فمحمد بن نايف بسنه البالغة 55 عاما يمكن أن يستمر ملكا لثلاثين عاما. والإشارة التي تريد الأسرة (السعودية) الحاكمة إرسالها بذلك هي أنها عازمة على الحفاظ على استقرار البلاد.
غيدو شتاينبرغ خبير في شؤون الشرق الأوسط لدى مركز الدراسات الأمنية والسياسية القريب من الحكومة الألمانية في برلين. وعمل في الفترة بين عامي 2002 و 2005 مستشارا لشؤون الإرهاب الدولي في مكتب المستشارية الاتحادية.




مصطفى حجازيحُلمُكم يا سادة..!

مصطفى حجازي

الإثنين 19-01-2015 21:32

هل «الحُلم» ترف؟!

ليس عن أضغاث «الأحلام» أو «رؤى الصالحين» أتحدث..!

وإن كنت أعرف أن السياق العام فى مصر- الآن- قد لا يشى إلا بذلك.. فغبار الدجل الإعلامى يملأ الأثير.. وبخور الشعوذة الفكرية يزكم العقول قبل الأنوف.
الحديث- ذو الشجون- هو عن «الحُلم» الذى بغيره لا يكون الإنسان إنساناً.. عن حُلم الترقى فى كل وجدان وفطرة سليمة.. الحُلم الذى يهدى العقولَ الحكمةَ والرؤيةَ والاستراتيجيةَ القادرة على توجيه وتأطير كل تحرك منتج ذى قيمة.
الحديث عن أمور فيها كل «القيم».. ابتذلناها باسم الحديث عن «القيمة»..!
هى «الحرية بكام يعنى»؟!.. وهى الكرامة «نصرفها فين»؟!.. وهو الكبرياء «حيأكلنا يعنى»؟!.. هو العدل «ضرورى» ما المساواة فى الظلم تكفى؟!!.. وبمثلها وبجملة ما ابتذلنا.. «حلم إيه» ما تكلمونا كلام يأكل عيش..؟!! أليس هذا هو لسان الحال فى مجتمعنا أحيانا..!! وألم يكن هو لسان مقال نظام مملوكى حكمنا قرابة الأربعين عاماً، حتى إنه حين سُئل عن حلم مصر القومى ومشروعها.. قال «الصرف الصحى»..!
الهند التى تزاحم على صدارة دول الاقتصاد الواعد، وتضع قدمها فى نادى الكبار الفضائى.. ومن قبله النووى.. لم تحرز كل هذا إلا بحلمها الذى «تجسد» فى غاندى، وإن لم «يشخصن» فيه..!
حَلَمَ غاندى وهو هندى يحيا الكفاف.. «بالكفاية» وفيها كل «العدل»، و«بالكفاءة» وفيها كل «الكرامة».. حلم بإنسانية البشر قبل أن ينشغل بتفصيلات استقلال أو بناء اقتصاد.. حلم بإنسان يمارس هذا الاستقلال ويبنى هذا الاقتصاد.. وأطّر نضاله السلمى لخلق هذا الإنسان.. قبل أن يحرره من الاحتلال.
ومهاتير محمد صاحب الإنجاز المعجز فى نهضة ماليزيا، وهو من كتب كتابه الأشهر «معضلة الملايو» عام ١٩٧٠.. والذى شخّص فيه كل العوار النفسى والمادى لبلاده.. حين أراد هو ومن معه أن يشرعوا فى استنهاض ماليزيا.. وضع فى قلب تحدياته التسعة وهى بدورها أحلام لبلاده.. «كبرياء وطنى مستحق» لأبناء الشعب الماليزى، وبهديه صنع أمة ووطنا ودولة.
أعرف أننا وطن غارق فى الحيرة وعاجز عن الحوار.. وليس فى ذلك عيباً إذا أخلصنا النوايا لنتجاوز تلك الحالة.
نحن عاجزون عن الحوار الذى هو ملاذ شركاء الحيرة.. لأن هناك من يكابر بالحيرة ومن يتاجر بها ومن ينكرها ومن يصنعها صناعة..!
ما الذى يجرى إذاً.. وماذا نحتاج أن نفعل إذا كنا جادين فى أن يعبر هذا الوطن بسلام هذه المرة.. والتى يعرف كل عاقل أن ليس بعدها ثمة مرات أخرى..؟!
وما الذى نفعله جميعاً.. مع غياب «الحوار العام» وحضور «الصخب العام» الذى نتراشق فيه بالمفردات الفارغة..؟!
«الصخب العام» بين جوقة أصوات جهورة «تتشاتم».. وفى ركن آخر من «الحيرة العامة» جدال هامس بين صوت «خفيض» «للعقل التقليدى» القليل.. وصوت «خافت» «للحكمة غير التقليدية» الأقل.. «العقل التقليدى» يتساءل..هل نحتاج خططاً.. هل نرسم خططاً.. هل نحتاج تشخيصا لأمراضنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
هل نحتاج خبراء؟ هل نحتاج لمعرفة مدى التغيير- أو قُل- مدى التشوه الذى طال الشخصية المصرية؟
هل نحتاج معرفة الحقائق والأرقام عن كل مجال من مجالات حياتنا؟ هل نعرف تلك الأرقام أم لا نعرفها؟
هل نعرف إلى أى مدى انتقلنا وكيف انتقلنا من فساد الإدارة.. إلى إدارة الفساد.. إلى أن الفساد صار فلسفة ومنهج حياة.. إلى فساد طال الفطرة ذاتها؟
هل نحتاج إلى قراءة عميقة لحقيقة تشابك وتعقيد العلاقات الدولية والإقليمية، وحقيقة الصراعات ومستقبلها فى المنطقة والعالم؟
هل نعرف من نحن وماذا نريد؟ حين نقول «نحن» على من تعود «نحن»؟ وحين نقتفى معرفة ما يصدق عن إرادتنا الجمعية.. هل لدينا وسيلة حقيقية لاستقصاء تلك النتائج والحقائق؟
هل نعمل على خلق مجتمع متزن على ثنائية «الحق والواجب» أم سننتقل من ثنائية «القهر والفوضى» إلى توازنات جديدة ليس من بينها أى «توازن قوة».. بل كلها يراوح بين «توازن الضعف».. و«توازن الجهل».. و«توازن الخوف».. و«توازن الفساد»..؟!
يقيناً، نحتاج كل ما سبق- هكذا يقول «العقل»- ولكن علينا أن نعرف أن كل ما سبق لا يعدو كونه عنصر «الضرورة» الذى بدونه لا يمكن للتحرك نحو المستقبل أن يتحقق عملياً.. ولكن عنصر «الكفاية» والتمام الذى به تتحقق أى من أهداف المستقبل هو أن نحدد ملامح «حلم ذلك المستقبل»، وأن نعرف «ضرورات الضرورات» و«استحقاق الكفايات».. هكذا تقول «الحكمة».
كلام ثقيل مرة أخرى.. حديث عن ملامح المستقبل وعن الحلم وعن كل تلك الأمور غير الملموسة أو المقاسة كمّاً.
نحتاج الحديث عن خطط وموازنات ومواد بناء وطاقة.. وأنتم تتحدثون فى تلك التهويمات عن الحلم وملامحه.. يأتى رجع الكلام هكذا من أحد أطراف «الصخب العام».
من قال إن حال وصولنا إلى مصادر ذات جودة وأسعار منافسة لمواد البناء وعمال بناء، أننا نحتاج إلى معرفة تصميم المبنى الذى نحن بصدده.. يعنى إيه تصميم مبنى..؟! أفكار ملونة وتهويمات هندسية تدور فى عقل بعض الحالمين، الذين نسمهم مجازاً مبدعين، توضع على ورق بأشكال زاهية..؟! من قال إن «العقل والعلم والخيال والحلم» شروطٌ، بغيرها لن يكون جدوى أو أمل فى توظيف الموارد الطبيعية؟.. المهم توفير المواد الطبيعية والقدرة على شرائها.. هكذا يجادل طرف آخر من ركن آخر فى «الحيرة العامة»!..
هل الخيال ترف؟!.. هل التفكير ترف؟!.. هل تحديد الوجهة وملامح الهدف وتعريف النصر ترف..؟!
هل من المقبول أن نقدم أولوية مناقشة خطوات الإمداد والتموين فى حق جيش خرج ليحارب معركة بقائه، على حتمية تعريف النصر المروم، وتحديد الأهداف الاستراتيجية من تلك الحرب؟.. هكذا تجادل الحكمة..!
يا سادة..الأحلام ليست ترفاً ولا تهويمات فلاسفة أو خيال شعراء.. ولكنها شرف وفرض.. لكل فرد أراد أن يحيا إنساناً.. ولكل مجتمع أراد أن يبنى وطناً. الأرواح المبتورة والمتنازلة عن إنسانيتها لن تبنى اقتصاداً ولا سياسة ولا دولة ولا حضارة.. حتى وإن توفر لها كل الموارد.
الأحلام لا تتقادم.. لذا لا تسقط بالتقادم.. ولا يملّنا الحلم حتى نملّه.. ولا يهجرنا حتى نهجره.. ولا يحرم علينا إلا إذا تثاقلناه وبددنا أهليتنا لتحقيقه وبقينا هملاً بين البشر والأمم.. وحتى إذا مللناه وهجرناه فهو مختزن فى رحم الزمن لمن يستحقونه ولمن هم أهله.. وعياً وعملاً وجلداً.. وهو حرام على من يستنطقونه بكبر الجهل والتمنى الكاذب أو باختزاله فى سلعة أو رقم.
وأخيراً.. إذا قلنا إن «الوعى» هو «وضوء العقل من أجل المستقبل».. فـ«الحلم» هو أول «النُسُك» فيه.
فكّروا تصحوا..



Locations of Site Visitors
Powered By Blogger