السبت، 25 أكتوبر 2014

لماذا تُحارب الدولة المصرية المجتمع المدنى؟!سعد الدين ابراهيممنذ 13 ساعة

كتب د. زياد بهاء الدين، منذ أيام (الشروق 14/10/2014)، مُنتقداً القانون رقم 128 لسنة 2014، الخاص بالجمعيات والمؤسسات الأهلية. وقد لاحظ الرجل أن القانون قد صدر فى لحظة، كان المصريون جميعاً مُنشغلين إما بمتابعة زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى للأمم المتحدة فى نيويورك، أو بالاستعداد مع أولادهم وذويهم للعام الدراسى الجديد.

وحينما تنتقد شخصية بقامة زياد أحمد بهاء الدين مثل هذا القانون، فلابد أن ينتبه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وكل من يهمه أمر مصر والعمل التطوعى فى مصر المحروسة. فالرجل محام دولى قدير، ونائب برلمانى سابق، ورئيس هيئة الاستثمار السابق. وهو يزن الكلمات بميزان الذهب، امتداداً لتقاليد والده الراحل، الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، أشهر مهندسى المعانى والكلمات، طوال النصف الثانى للقرن العشرين.
ولا بد أن يتذكر الجميع أن المجتمع المدنى هو الذى كان ينهض بمصر والمصريين حينما كانت دولتهم تضعف، أو يتم السيطرة على مقاليدها بواسطة قوى أجنبية، كما حدث، مثلاً بعد مُعاهدة لندن 1840، التى أجبرت محمد على على تفكيك جيشه وصناعاته الحربية، وتصفية إمبراطوريته التى كانت قد امتدت من الصومال والسودان جنوباً، إلى الجزيرة العربية وبلاد الشام شرقاً وشمالاً.
نعم، لقد انبرت الجمعيات الأهلية بالإسكندرية أولاً، ثم فى بقية المُدن المصرية، فى نفس ذلك العام بإنشاء المدارس الأهلية، والصروح الطبية، والجمعيات الخيرية، مثل مستشفى المواساة، والجمعية الجُغرافية، وانتهاءً بالجامعة المصرية، التى سُميت فيما بعد بجامعة فؤاد الأول، ثم جامعة القاهرة، وكذلك أول بنك وطنى حديث، وهو بنك مصر، وأول مسرح (رمسيس)، وأول صناعة للسينما (ستديو مصر).
وللأسف الشديد كان صدور قوانين مثل القانون 128 لسنة 2014، بعد ثورة يوليو 1952، نكبة على العمل الأهلى، بداية بالقانون 242 لسنة 1958، حيث أدى إلى إضعاف، إن لم يكن قتل، الروح التطوعية العفوية عند المصريين.
صحيح أن هناك عُقدة مُستحكمة عند الدولة، بل ربما عند كثير من المصريين فيما يتعلق بالتمويل الأجنبى للجمعيات. وكأن مثل هذا التمويل ينطوى على شُبهة العمالة أو الخيانة. هذا، فى الوقت الذى تُرحب فيه الدولة بالاستثمارات الأجنبية، وتُشجع الشراكة بين رجال الأعمال المصريين، ونُظرائهم من العرب والأجانب. وكأن رجال الأعمال المصريين أو الموظفين العموميين أكثر وطنية وإخلاصاً من قيادات العمل الأهلى التطوعى. فيا له من تناقض، وازدواجية فى المعايير!
كما أن الدولة المصرية هى أكبر من يحصل على هبات ومُساعدات مُباشرة، وصل مجموعها فى الخمسين سنة الأخيرة إلى حوالى مائة مليار دولار، أى ثمانمائة مليار جنيه مصرى. بينما ما حصلت عليه كل الجمعيات الـ (40.000) جمعية خلال نفس الفترة من مصادر خارجية لم يتجاوز مائة مليون دولار، أى أقل من عُشر (10%) مما حصلت عليه الحكومة.
هذا، ولم يثبت، إلى تاريخه، إدانة أى من نُشطاء العمل الأهلى، أى المجتمع المدنى، فى أى من قضايا الجاسوسية أو التخابر لحساب جهات أجنبية. وربما يكون الاستثناء الوحيد فى هذا الصدد، هو جماعة الإخوان المسلمين، التى ما زالت تجاوزاتها، قيد المُحاكمة، أمام القضاء المصرى. هذا، عِلما بأن جماعة الإخوان المسلمين، لم يتم تسجيلها أبداً، كجمعية أهلية منذ ظهرت على مسرح الحياة العامة، عام 1928، وإلى أن وصلت إلى السُلطة عام 2012، فسارعت إلى تسجيل نفسها كجمعية.
وخُلاصة القول، هى أن من يُريدون سوءاً بالدولة المصرية، لا ينخرطون فى أنشطة تطوعية علنية من أجل النفع العام. وليت الذين باغتونا بالقانون 128 لسنة 2014 سألوا أنفسهم، ما هى مُهمة الأجهزة الرقابية، وفى مقدمتها الجهاز المركزى للمحاسبات والقضاء؟ لماذا لا يتم إطلاق حُرية العمل الأهلى التطوعى، ما دامت هناك أجهزة رقابية تُحاسب، وسُلطة قضائية يُحتكم إليها فى حالات التجاوز أو الانحراف.
وهناك تساؤلان مُلحان أضيفهما أنا، إلى ما تطرق إليه د. زياد بهاء الدين فى مقاله:
الأول: هو لماذا لم يتم التشاور بشأن هذا القانون مع أهم نقابة معنية مُباشرة بالعمل الاجتماعى، وهى نقابة المهن الاجتماعية، وقوامها 400.000 إخصائى اجتماعى ونفسى وتربوى؟
الثانى: هو لماذا التعجل فى إصدار مثل هذا القانون، فى غياب مجلس تشريعى مُنتخب، ويُنتظر قيامه خلال شهور معدودات؟
أغلب الظن، أن بقايا «الدولة العميقة» ما زالت تتحكم فى الشأن العام، من وراء ستار. والمقصود بالدولة العميقة هنا، كما علّمنا زُملاؤنا الأتراك، هى أجهزة المباحث والمُخابرات.
نرجو ألا يكون ذلك صحيحاً، وأن يُعاد طرح مشروع أفضل للجمعيات، يتم حوله حوار مُجتمعى واسع، ويُقره البرلمان الجديد، فى أوائل 2015.
أقول قولى هذا، وأستغفر الله لى وليس للمُتآمرين على المجتمع المدنى المصرى.
وعلى الله قصد السبيل.

أخطاء ينبغي أن تتجنبها عند التقدم لوظيفة جديدة

  • 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2014
سمعنا جميعاً القصص المتعلقة بالمقابلات الشخصية للعمل والتي لم تسر فيها الأمور على ما يرام، مثل ذلك الشاب المتحمس الذي جلب معه طعامه إلى المقابلة الشخصية لأنها جاءت في وقت الغداء.
لكن الانطباع الأول يبدأ عادة قبل وقت طويل من إجراء المقابلة، إذ يبدأ ذلك بالخطاب التمهيدي المرفق بالسيرة الذاتية، وكذلك طريقة عرضها، والتي في الغالب لا تخلو من أخطاء.
موقع "بي بي سي كابيتال" سأل عدداً من العاملين والمدربين في مجال التوظيف ومديري بعض الشركات عن تجاربهم مع أسوأ الأخطاء التي يرونها في طلبات التوظيف وكيفية علاجها.

القص واللصق

يتذكر ماثيو لانير، القائم على التوظيف في مجموعة إلياسين للتكنولوجيا في بوسطن، الخطاب المرفق بالسيرة الذاتية لإحدى المتقدمات للوظيفة، وهي شابة في العشرينات من عمرها، وكان لديها خبرة في مجال بيع التجزئة وخدمة العملاء.
فوجيء لانير عندما اكتشف في نهاية السيرة الذاتية أنها عملت في موقع تنفيذي في شركة مالية كبرى ويمتد تاريخ العمل في هذه الوظيفة إلى عشر سنوات. وقد تبين أن المتقدمة للوظيفة قد بحثت عن ملخصات للسيرة الذاتية على الإنترنت ووجدت سيرة ذاتية أعجبتها، فنسختها في سيرتها الذاتية. لكنها تركت في صفحتها بطريق الخطأ بعضاً من التاريخ الوظيفي للشخص صاحب تلك السيرة الذاتية، ومعلومات شخصية عن كيفية الاتصال به.
وكتب لانير في رسالة بالبريد الإلكتروني يقول: "عليك أن تفترض أن سيرتك الذاتية ستقرأ بالكامل قبل الاتصال بك، وأن خطأ بسيطاً نتيجة إهمال ما يمكن أن يصبح أمرا فارقا في الحصول على تلك الوظيفة التي تريدها.
وهناك أيضاً سبب وجيه آخر يدعوك إلى التزام الحذر، وأخذ الوقت الكافي، فذلك يساعدك في دعم موقفك بسهولة أثناء المقابلة الشخصية.
وهناك فارق هائل بين المتقدم الذي يطبق خبرته حسب الأسئلة التي توجه إليه بطريقة طبيعية، وبين ذلك الذي ينظر في سيرته الذاتية طوال الوقت ليستقي منها الإجابات.

لا تنس الخطاب التمهيدي

عندما وضع إد زيترون، مؤسس شركة "ازبير" للعلاقات العامة في سان فرانسيسكو، إعلاناً لمتدرب أو متدربة بأجر على موقع "انترنماتش دوت كوم"، تلقى أكثر من مئة طلب، ولم يتضمن أي منها الخطاب التمهيدي أو التعريفي الذي يجب أن يرفق بالسيرة الذاتية.
ويقول زيترون في رسالته بالبريد الإلكتروني: "كان كل واحد منها عبارة عن رسالة منسوخة طبق الأصل من الإنترنت، والأسوأ من ذلك أنه لم يكترث أحد منهم للبحث عن اسمي أو اسم الشركة ووضعهما في أي مكان في الرسالة."
ويقول: "من السهل أن تبحث عن طريق غوغل عن اسمي وكتابته، وهناك أيضاً حسابي على موقع تويتر، فضلاً عن موقعي الشخصي، وموقعي المهني على الإنترنت."
ونصيحته هنا هي: "لاترسل رسالة تمهيدية معلبة أبدا، وعوضاً عن ذلك، عبر عن نفسك، واشرح مدى ملائمة خبراتك مع الوظيفة التي تتقدم إليها، واقض بعض الوقت في البحث والقراءة عن الشركة التي تريد العمل بها، وابحث عن الشخص المذكور في الإعلان للاتصال به، واجمع معلومات عنه عن طريق موقع غوغل."

كن انتقائياً

لدى إيرين ماكونيل، المدربة التنفيذية في مجال التوظيف، زبائن يقولون لها إنهم يقدمون أكثر من مائة طلب وظيفي في الأسبوع الواحد، وهذا خطأ بحسب ماكونيل، مديرة شركة "إيريل كاريرز" للتوظيف في سيدني.
تقول ماكونيل إن القائمين على التوظيف يتذكرون اسمك، ويربطون بينه وبين "ذلك الشخص المزعج الذي يكدس بريدي برسائله في كل مرة أضع فيها إعلاناً لوظيفة."
فكر في الأمر على غرار منزل معروض للبيع في السوق لمدة طويلة، إذ تتساءل ما العيب في هذا المنزل، ولماذا لم يُبع حتى الآن.
ولا تظن أن القائمين على شركات التوظيف لا يعرفون الطلبات التي مرت عليهم من قبل، ويضعون علامات على تلك الطلبات. مثل الخطاب التعريفي المرفق بالسيرة ذاتية غير المتوافق معها على الإطلاق، أو الخطأ في كتابة إسم الشركة المتقدم إليها، أو ذكر دور وظيفي خاطئ غير مطلوب، حسبما تقول ماكونيل. إن عالم التوظيف صغير بأكثر ممن تتصور.
واذا دمرت سمعتك لدى شركات التوظيف، فسيكون من الصعب أن يستدعيك أحد عندما تتقدم لطلب وظيفة، حتى لو كان طلب الوظيفة مدققا جيدا.

احتفظ بصورك الخاصة لنفسك

يتذكر روي كوهين، أحد المستشارين في مجال التوظيف في شركة في نيويورك، كيف أن إحدى الزبائن وضعت صورة لها بالبكيني وأرفقتها بطلب الوظيفة .
وقد جاءته تلتمس النصح في البحث عن وظيفة بعد أن يئست من عدم تجاوز المرحلة الأولى من عملية التوظيف، ومن عدم الحصول على مقابلات للوظائف.
ويقول كوهين في رسالة بالبريد الالكتروني: "قبل الجلسة الأولى معها، طلبت منها بعض المعلومات عن خلفيتها، وسيرتها الذاتية، ونموذجا لرسالة تمهيدية، وهكذا اكتشفت طريقتها الخاطئة في تقديم طلب الوظيفة."
كانت تريد أن تعمل في التسويق لحسابات التغطية، وأخبرت كوهين بأنها تعرف أن هذا النوع من الحسابات والمعاملات المالية يحتاج إلى حسناوات فاتنات، ولذلك اعتقدت أن صورتها بالبكيني ستحقق لها السبق في الحصول على الوظيفة.
وبينما من الشائع تماماً في أوروبا أن تضع صورة لك مع طلب التوظيف، بل أحيانا تطلب الشركات منك ذلك، فلا يتوقع منك ذلك في الولايات المتحدة. بل ينظر إلى ذلك باقتضاب. ومن هنا، وإذا كان لا بد من وضع صورة، فاجعلها صورة مهنية وحديثة.
لقد نصح كوهين زبونته بعدم وضع صور لها في سيرتها الذاتية، لا لعدم ملائمتها فحسب، بل لأنها قديمة وعفى عليها الزمن. ويقول كوهين: "تخيل الموقف المحرج عندما تكتشف أن المتقدم للوظيفة قد مسخ الحقائق، وفي هذه الحالة بوضع صورة تختلف عن الواقع بعشر سنوات مثلا."
ناهيك عن إحساسك بالخديعة، ومن المحتمل أن يتساءل الذين يجرون المقابلات إن كانت تلك المتقدمة للوظيفة مشوشة ذهنيا أم أنها تميل إلى الكذب.
شيخة أرورا، كبيرة مسئولي التوظيف بشركة ساب آسيا في سنغافورة، لها تجارب أخرى مع مسألة الصور.
وقالت ارورا "تلقيت طلب توظيف من شخص مهني ذي خبرة من هونغ كونغ، وكان حجم الملف 14 ميجابايت، وذهلت من رؤية أكثر من عشر صور له في طلب الوظيفة".
وأضافت "بعض الصور له وهو يتلقى جوائز، وأخرى وهو يمارس هواياته. في رأيي، ليست هذه الطريقة المثلى لتحكي قصتك، وتقدم نفسك."

اتبع التعليمات

تحب ايميلي لاروش، مؤسسة شركة لتوظيف العاملين في خدمات الاستقبال، اختبار مدى مراعاة المتقدمين بطلبات التوظيف للتفاصيل منذ البداية. ومؤخرا ضمنت الإعلان شرطين محددين، مع تحذير بأنه لن يلتفت للطلبات التي لا تفي بهذه التعليمات وتلتزم بها.
تلقت أكثر من ثلاثين طلبا في يومين، ولم يتبع التعليمات سوى ثلاثة أشخاص فقط، وواحدة فقط من بينهم كانت تجيد قواعد اللغة الإنجليزية، وكانت الوحيدة التي نظرت لاروش في طلبها.
وتقول لاروش: "هنا يجب أن يقدم المرشحون للوظيفة أفضل ما عندهم، ومن هنا ليس بوسعي أن أغامر بقبول شخص لا يتبع التعليمات الأولى التي حددتها."

لا تكن واثقا بنفسك أكثر من اللازم

نشرت إيمي سيلفرمان، رئيسة تحرير فونيكس نيو تايمز، إعلانا تطلب فيه ناقداً خبيراً في الطعام لصفحة المأكولات بالجريدة، وما تعلمته على الفور هو أن كل من يأكل يشعر بأنه يمكن أن يكون ناقداً عظيما في ذلك المجال.
والأمر الأكثر إزعاجاً أنها اكتشفت أن الكثير من الناس لا يأخذون عملية التقدم بطلب الوظيفة على محمل الجد. ويتمثل ذلك في رفض تقديم سيرة ذاتية أو اختلاق حجج وذرائع، وقد عاينت ذلك بنفسها.
وقد كتب أحد المتقدمين بطلب لتلك الوظيفة: "ليس لدي سيرة ذاتية، وأنا صاحب عمل، وبصراحة تامة، لا أحترم تماماً السير الذاتيةـ إنها لقطات لما يريدك صاحب الطلب أن تعرفه، ولا تعبر عن حقيقة الشخص ذاته، والتفاهم لا يأتي إلا بالتفاعل والاتصال المباشر."
وغني عن القول أن سيلفرمان لم تلقي نظرة ثانية على ذلك الطلب، وثمة طالب وظيفة آخر تحدث بالخطأ عن كيف "يبتل" اللعاب للطعام الشهي، بدلا من كلمة "يسيل". وأخرى تحدثت عن خبرتها الضئيلة وتقصد خبرتها "الفريدة" في إعداد الطعام.
وهنا تنصح سيلفرمان: "إذا أردت وظيفة في مجال الكتابة والنقد، فينبغي أن يخلو خطابك المرفق بالسيرة الذاتية من الأخطاء المطبعية، والأخطاء اللغوية."

الخميس، 23 أكتوبر 2014

"الحرية" أساس كل علم و فن إبداع .. زكي نجيب محمود في "موسوعة أعلام القرن...






النظرة اليسارية - العلمانية إلى الدين والمتديّنين

” محمد سيد رصاص – الحياة اللندنية” 

أثناء عشرية الحرب الأهلية الجزائرية بين العسكر والإسلاميين (1992-2002) أطلق العلمانيون، وهم خليط من اليساريين والمتفرنسين المعادين للتعريب وأنصار «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية» من الأقلية البربرية، موجة من العداء الفكري – الثقافي للإسلاميين اقتصرت على معاداة الإسلاميين من حيث أنها لم تصل إلى حدود معاداة الإسلام كدين ومعتقد. في تركيا مصطفى كمال أتاتورك (1923-1938) وصلت العلمانية إلى أبعد من ذلك لتصل إلى مظاهر شعائرية (منع الأذان باللغة العربية) وإلى الزي (منع الحجاب في المدارس والدوائر الحكومية) مع عدائية ضمنية وأحياناً صريحة للدين، فيما كان هناك عند الكماليين عداء قومي ضد اليونانيين الذين هُجّر الملايين منهم من أزمير والساحل الشرقي لبحر إيجه، اختلط به العداء للمسيحية الذي لم يكن بعيداً عنه الإسلام التركي الموروث عن العثمانيين الذين احتلوا اليونان وصربيا واصطدموا مع القياصرة الروس. وفي المقابل كان أكراد تركيا في انتفاضة مدينة ديار بكر عام 1925 قد اختلطت عندهم النزعة القومية الكردية مع العداء لتوجهات أتاتورك في إلغاء الخلافة الإسلامية.

هذا التوليد لـ «الفكري – الثقافي» من جانب «السياسي»، كان له سابقة عند الفرنسيين في القرن الثامن عشر عند «مفكري عصر الأنوار»، مثل فولتير وديدرو ودولباك. وقد أتى هذا من تحالف الكنيسة الكاثوليكية مع ملكية سلالة البوربون وتشكيلها سنداً دينياً – أيديولوجياً لنظام الملكية المطلقة. ولّد خليط العداء لتحالف الملك – الكنيسة أفكاراً عند فولتير لم تتجاوز العداء والنقد للمؤسسة الكنسية ولرجال الدين، فيما وصلت عند ديدرو ودولباك إلى نزعة إلحادية دينية ونزعة مادية حسية قاست فيها الدين بمسطرتَي العقل والعلم واعتبرت أن «أساس كل الظواهر الذهنية والروحية يكمن في المادة وفي العمليات المادية… في شكل فجّ وسطحي، ظن هذا النوع من المادية أن المشاعر والأفكار يمكن الاكتفاء في تفسيرها بوصفها نتاج عمليات مادية كيماوية، وأن الأفكار بالنسبة إلى الدماغ هي مثل علاقة البول بالكلية». (إريك فروم: «مفهوم ماركس للإنسان»، منشورات فريدريك أنكار، نيويورك، 1962 ،ص9). ويؤكد فروم أن «كارل ماركس كان فعلياً في ضدية حازمة ضد هذه الفلسفة المادية التي انتشرت بين المفكرين التقدميين وخصوصاً بين علماء الطبيعة» (ص9).

الفكر الألماني

كان ماركس ألمانياً وليس فرنسياً، وفي ألمانيا برز منذ انبثاق البروتستانتية عام 1517 توحّد بين الشعور القومي الألماني والكنيسة اللوثرية، فيما كان عند كاثوليك بافاريا ورينانيا في الجنوب ميل نحو الأمبراطورية النمسوية ذات الارتباط الروحي بروما. وفي عام 1781 صدر كتاب «نقد العقل المحض» لعمانوئيل كانط ، فحقق انقلاباً فلسفياً كوبرنيكياً في النظرة الفلسفية إلى الدين. وفي كتابه هذا، قام الألماني كانط بتفكيك معرفي لكل الأدلة الفلسفية والدينية على وجود الله نافياً صلاحيتها وجدواها في إنتاج أي فعل معرفي حقيقي لهذا الموضوع، ومعتبراً أن الميتافيزيقا (ماوراء الطبيعة) تكوّنت فلسفياً ولاهوتياً كنتيجة للطبيعة القادرة على التركيب الموجودة في البنية الذهنية البشرية ما يجعلها قادرة على تصور وبناء حالات ماوراء حسية على مثال أو في تضاد مع بناها الحسية، من دون أن يعني هذا أنها موجودة فعلاً في الواقع. فهي يمكن أن تبني الميتافيزيقا ولكن من دون أن تستطيع اثباتها.

لم يكن هذا تحطيماً فلسفياً للأدلة الفلسفية واللاهوتية لمصلحة الدين، وإنما عملياً أيضاً نقضاً وتحطيماً للجهد المضاد الفلسفي الإلحادي الذي حاول عبر جهد فلسفي استخدام العقل والعلم لإثبات ذهني لعدم وجود عالم ما وراء الطبيعة. في كتاب لاحق انبنى على الأول، حاول كانط في «نقد العقل العملي» (1788) إثبات أن الدين حالة شعورية جوّانية عند الفرد المؤمن المتديّن مبنيّة على الشعور الشخصي الأخلاقي تجاه فكرة الواجب التي تأخذ شكل الإيمان بوجود كائن أعلى ينظّم الكون وتتوجه النفوس والمشاعر والسلوكات وفقاً له ولما يمثله. ولكن يقول كانط إن هذا شيء داخلي فردي لاعلاقة للفلسفة واللاهوت والعلم والمنطق به، بل هو أخلاق تتمظهر في شكل اسمه الدين.

وضع كانط بهذا حدوداً صارمة أمام الملحدين من الفلاسفة وأمام المؤمنين من الفلاسفة واللاهوتيين، وبيّن أن الدين يجب أن يعالج كظاهرة بطريقة مختلفة عن كليهما: هيغل استناداً إلى كانط قال إن الله يجب البحث عنه في الذات الإنسانية. وفي العام 1835 ظهر كتاب لأحد تلاميذ هيغل هو دافيد شتراوس، بعنوان «حياة يسوع»، قال فيه إن قصة المسيح لا تعالج بالعقل والمنطق والعلم، وإنما هي رموز تخيلية تمثّل واقع العقل والخبرة والشعور في زمن محدد، وبالتالي المسيح والمسيحية هما تعبير عن الجوّ الفكري والروحي السائد في الشرق الخاضع لسيطرة روما. وبالتالي الدين لا يعالج بمضمونه المحض بل بوظيفيته كمضمون وطرح في زمان ومكان معينين وأيضاً من خلال الحامل الاجتماعي له. وبعد ست سنوات جاء كتاب لودفيغ فيورباخ «جوهر المسيحية»، ليقول إن اللاهوت ليس أكثر من علم إنساني.

لم يكن الفرنسيون مثل الألمان، فقد ظلّت الفلسفة الوضعية لأوغست كونت (1798 – 1857) متابعة للمادية الفرنسية وأدارت ظهرها للألمان وما قدمه كانط وهيغل وشتراوس وفيورباخ. وقالت إن العلم والتكنولوجيا كمرحلة ثالثة نهائية من تاريخ البشرية سيلغيان ويتجاوزان المرحلتين السابقتين: الميتافيزيقية والدينية. وقد بُنيت العلمانية الفرنسية التي أصبحت مذهباً رسمياً للدولة الفرنسية عام 1905 على مزيج من عصر الأنوار الفرنسي والفلسفة الوضعية.

كارل ماركس

تأثر ماركس بالثلاثي هيغل – شتراوس – فيورباخ، من حيث المنهج الجدلي الهيغلي، ومن حيث وظيفية الفكرة وحاملها الاجتماعي عند شتراوس، وبنظرية فيورباخ القائلة إن الأفكار تعالج عبر تجسداتها. ومن دون هذا الثلاثي لم يكن ممكناً أن تولد الماركسية كمنهج وأفكار. لم يكن إنغلز ولينين على هذا الخط الفلسفي الماركسي، بل تأثرا بطغيان الفلسفة الوضعية على الجو الفلسفي الأوروبي العام وعادا إلى نظرة فلسفية للدين أقرب إلى المادية الفرنسية التي كان ماركس خارجها تماماً.

تأثر أتاتورك بالعلمانية الفرنسية، ولم تكن علمانيته متساكنة مع الدين والمتديّنين. لم يتابع الماركسيون العرب كارل ماركس بل تأثروا بإنغلز ولينين. وفي كتاب «نقد الفكر الديني» الذي قدّمه الدكتور صادق جلال العظم عام 1970، هناك متابعة للمادية الفرنسية وليس لماركس وفيورباخ وشتراوس وهيغل وكانط، حيث هناك معالجة للدين والشعائر الدينية واعتقادات وسلوكات المتديّنين من خلال مساطر العقل والعلم والمنطق الحسّي. ومع بدء صعود موجة تيار الإسلام السياسي منذ منتصف السبعينات توقّفت محاولات فكريّة مثل التي قام بها العظم، بل جرت محاولات لـ «مواءمة» الماركسية والإسلام مثل التي قام بها حسين مروة عام 1978 في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية».

الآن، مع بدء انحسار موجة تيار الإسلام السياسي منذ سقوط حكم «الإخوان المسلمين» في القاهرة وظهور وحشية «داعش»، هناك اتجاه عند الكثير من اليساريين والعلمانيين العرب، ومعظمهم من أبناء الأقليات الإسلامية والدينية وبعضهم من الأكراد الذين تنشأ عندهم ردود فعل الآن بفعل «داعش»، نحو بناء أفكار تجاه الإسلاميين والمتديّنين والإسلام ليس فيها شيء من كانط وهيغل وشتراوس وفيورباخ وماركس، بل فيها أفكار انطباعية انفعالية مبنية على السياسي المباشر، هي على مسافة كبيرة من العمق الفلسفي والفكري الذي هو إسمنت كل فكر سياسي.

الأربعاء، 22 أكتوبر 2014

أخلاق العبيد 
د / زكي نجيب محمود

سأقول وأعيد، ثم أقول وأعيد ، إننا نتخلق بأخلاق العبيد مهما بدا علينا من علائم الحرية وسمات السيادة، سأقول ذلك وأعيده ألف ألف مرة، لعله يطنُّ في الآذان فيرن صداه في الرؤوس، فتقر آثاره في النفوس، ولو كان جزائي من ذلك كله أن أحول رجلاً واحداً، استغفر الله، بل لو كان جزائي من ذلك كله أن أحول نفسي من العبودية إلى الحرية، ومن الذل إلى العزة والسيادة، لعددت ذلك جزاء وافياً شافياً، ولاستقبلت منيتي بعدئذ مطمئناً راضياً.
لقد زعمت لك* أيها القاريء الكريم أننا عيال على العالم المنتج، لا نكاد نخلق شيئاً واحداً جديداً في الأدب أو العلم أو الفلسفة أو الفن، لا أقول اليوم، ولا أقول أمس ، ولكني أقول إننا لم نكد نخلق جديداً من أول الزمان إلى يومنا هذا ، لقد كنت أتحدث منذ أيام إلى إمام من أئمة الأدب في الشرق العربي ، فقال: إن مصر في كذا ألفاً من السنين لم تنجب أديباً عطيما، فرددت عليه في ابتسامة الخجل: بل إن مصر يا سيدي في كذا ألفاً من السنين لم تنجب عظيما، لا في الأدب، ولا في غيره من شتى نواحي الفكر والحياة.
زعمت لك ذلك وعللته بما "نتحى" به من أخلاق العبيد، لأن الخَلْق عندي لا يكون إلا بعد عزة وسيادة وطموح، فلاحظت لك أننا عبيد في فلسفتنا الأخلاقية، لأننا نصدر فيما نفعل عن طاعة لأمر سلطان خارج نفوسنا، ولاحظت لك أننا عبيد في فلسفتنا الاجتماعية، لأننا نقيم نظام الأسرة ونظام المجتمع على أساس من سيد ومسود، ثم لاحظت لك أننا عبيد في بطانتنا الثقافية، لأننا ننصاع في يسر يشبه الانزلاق نحو الإيمان والإعجاب بما قاله الأولون.
ولو كنا عبيداً ناقمين ساخطين على ما نحن فيه، جاهدين ساعين نحو إعزاز النفس وتحريرها، لهان الخطب وخف البلاء، لأن أول مدارج الإصلاح نقمة وسخط على الحاضر، ورغبة في التغيير وسعي نحو تحقيقه، لكن الخطب –فيما أرى- فادح، والبلاء جسيم، لأننا نجد من العبودية مرتعاً خصيباً نسرح فيه ونمرح، مغتبطين أشد الغبطة، راضين أكمل الرضى، وقد عبرت عن ذلك في مقال "الكبش الجريح" إذ عجبت لهذا "الخروف" – وقد وثب عليه الذئب فمزق منه وانتهش- عجبت له كيف استمرأ ضرب المخالب، واستلذ وقع الأنياب، دماؤه تسيل وعلى شفتيه ابتسامة، ويلغ الذئب فيه ويلعق وفي عينيه نظرة استسلام ورضى!
لكن لما زعمت أننا عبيد، عجب فريق مما زعمت، وأخذ كل يتلفت حوله لعله يرى في جاره مصداق ما أقول.... واعجبا! كيف نكون عبيداً وليس في أرجلنا أصفاد ولا في أيدينا أغلال؟ بل كيف نكون عبيداً وقد حفظنا في المدارس أن أمهاتنا قد ولدتنا أحراراً، ولا يجوز لأحد أن يستعبد أحدا؟ ... كلا! أنت أنت العبد لا تتلفت، والأغلال والأصفاد في طوية فؤادك ودخلية نفسك، ولو كانت في يديك أو قدميك، لكان الخطب أيسر، لأن تحطيمها عندئذ يهون، أنت أنت العبد لا تتلفت، فلست تستطيب لنفسك عيشاً بغير سيد إن لم تجده في الأرض ألتمسته في السماء.
لقد رأيت بعيني رأسي – إذ كنت في لندن- وزيراً في الوزارة الانجليزية الحاضرة – مستر نويل بيكر - كان يمثل حكومته في جمعية الأمم المتحدة ، رأيته بعيني رأسي ذات يوم، حين آن أوان الشاي في العصر، ينزل إلى طابق البناء الأسفل ليقف في صف كان بين أفراده صغار الكتبة والخدم! وقف هناك ينتظر دوره ليشتري فنجاناً من الشاي وقطعة من الكعك، وما فكّر هو، ولا فكّر أحد ممن وقفوا أمامه أن تكون له أسبقية بحكم منصبه، فسألت نفسي: هل يمكن أن يحدث ذلك في مصر؟ وأجبت نفسي: أن حدوث ذلك في بلادنا مستحيل لسببين:
الأول – وهو أخف السببين شراً وأقلهما وبالاً، هو أن الوزير المصري لا يرضى لنفسه أن يكون في جمهرة من الناس تضم بين أفرادها عدداً من صغار الكتبة والخدم، لأنه – كغيره من البشر- يريد لنفسه سطوة وسيادة، وهاتان شرطهما "الترفع" و "التعالي" .
الثاني- وهو المأساة الحقيقية التي تمزق النفوس كمدا، لو كان لنا نفوس يمزقها الكمد – الثاني هو أنه حتى لو فرضنا حدوث المستحيل، ففرضنا أن الله قد هيأ لنا الوزير الذي يجد نفسه " رفعة" لا تحتاج إلى "ترفع" و "علواً" لا يعوزه "التعالي" ، فلم يجدغضاضة في الوقوف في صف الكتبة والخدم ساعة العصر، ليأخذ في دوره فنجانه من الشاي، أقول إننا لو فرضنا حدوث هذا المستحيل، لأبَى الناس أنفسهم على الوزير أن يكون مثلهم، وأن يقف معهم على قدم المساواة في شئون حياته الخاصة التي لا يكون فيها وزيرا، لو تنازل الوزير المصري ووقف في الصف مع الكتب والخدم، لأبى عليه ذلك هؤلاء الكتبة والخدم، وتسابقوا إلى التنحي للوزير الخطير عن مكان الصدارة في الصف، بل لتسابقوا إلى دفع القرش أو القرشين نيابة عنه، بل لتسابقوا إلى حمل فنجانه إلى حيث يطيب للوزير الجلوس.
ولو حدث ذلك وقلت لأحد ممن وقفوا في الصف: هذه منك عبودية وذلة، لدهش من قولك وأخذه العجب ونظر إلى يديه وإلى رجليه، حتى إذا لم يجد بها أغلالا وأصفادا، صاح في وجهك محتجاً غاضباً: واعجبا! كيف أكون عبداً وليس في قدمي أصفاد ولا في يدي أغلال؟ وأعود فأستعير شيئاً مما قلته في مقالة " الكبش الجريح" : "قل في ذلك ما شئت يا "خروف" ، قل إنها وداعة الحملان ، أو قل إنه التواضع ، وإن للتواضع عند الله رفعة الشأن، أو قل إنه كرم النفس، وليس الكرم بغريب على بني القطعان، قل في ذلك ما شئت يا خروف، لكنه عندي علامة لا تخطيء على مافي نفسك من ذل العبيد ، الذي يستمريء ضرب المخالب، ويستلذ وقع الأنياب".
وأحب أن أذكر لك على سبيل الموازنة بالوزير الإنجليزي الذي وقف في صف الكتب والخدم، مصرياً كبيراً – إذا قيس الكبر بدرجات الوظائف، كما تقاس حرارة الماء بالترمومتر- أعرفه حق المعرفة، ويعرفني حق المعرفة كذلك، لقيته بعد غيبتي أعواما، وشاءت الظروف أن نلتقي في ديوان حكومي، فأرادات له أوضاع المجتمع أن يسلم عليّ تسليم الذي لا يعرفني كثيراً أو قليلاً، وأنا لا أتهمه هو، لأني موقن أنه طيب النفس كريم العنصر، إنما أتهم المجتمع بأسره الذي هو عضو فيه، لأن هذا المجتمع – فيما يظهر- هو الذي وسوس له ألا يسلم على الناس أما الناس في شيء من الترحيب، خشية أن يظن الناس أنه أمسى وبات مساوياً للناس!! وعندئذ ابتسمت لنفسي ، أعني أنني ابتسمت ابتسامة أحسها دون أن يراها الناس – وأنا كثير الابتسام لنفس هذه الأيام- ابتسمت لنفسي لما أدركت أن المصري الكبير قد فوّت الغرض على نفسه وهو لا يدري، وإليك البيان:
أراد المصري الكبير أن يكون كبيراً – مع إنه كبير – فاتخذ لغايته سبيلا يعرفها علم النفس ودارسوه، ألا وهي اصطناع القوة ليمتاز من سائر الناس، ولا شك أن من دواعي القوة أن يسلم عليك الناس فلا تأبه للناس! وهذا في ذاته من المصري الكبير جميل جد جميل، لأن هذا هو ما أراده الله لعباده، وليس في وسع مصري كبير أو صغير أن يعصي ما أراده الله لعباده، لكن الذي غاب عن المصري الكبير فلم يدركه، هو أن القوة المنشودة لها سبيلان: إحداهما حقيقة تؤدي إلى القوة بمعناها الصحيح، وأما الأخرى فسبيل زائفة تخدعه وتخدع أمثاله ممن لا يتعمقون الأمور إلى لبابها، وسبيلا القوة هما المقدرة والسيطرة، المقدرة هي السبيل التي لا زيف فيها ولا خداع، والسيطرة لذاتها هي السبيل المضللة الخادعة ، وهي مضللة خادعة، لأنها تؤدي بسالكها إلى عكس ما أراد لنفسه، إذ تؤدي به إلى الضعف والعجز، وإنما أراد لنفسه قوة وسلطانا.
والعجيب في هاتين السبيلين، سبيلي القدرة والسيطرة أنهما نقيضان لا يجتمعان، فإن كنت قويا بسبب قدرتك فيستحيل أن تلجأ إلى بسط سيطرتك على الآخرين، وإن كنت راغباً في بسط سيطرتك، فيستحيل أن تكون قادرا ماهرا، وقد يبدو هذا الكلام عجيبا، لكنه فيما أعتقد كلام صواب، فهل تتصور – مثلا- عالماً متبحراً في علمه متملكا نواصيه، يعمل في معمله بغية الوصول إلى نتائج في العلم جديدة، هل تتصور مثل هذا العالم راغبا في بسط نفوذه على الناس؟ لا أظن ذلك، لأنه ليس بحاجة إلى مثل ذلك، فهو يتجه بأمله ومجهوده نحو الطبيعة يريد أن يملك زمامها، لا نحو عباد الله يبتغي إذلال رقابهم، هو لا يريد بغياً ولا طغيانا، لأنه قادر ماهر، مكتف بنفسه، والعكس صحيح، أي أن الإنسان إذا ما شعر بخواء نفسه وعجزها وهي وحدها، التمس القوة عن طريق الآخرين، فبطش وتعسف.
الطاغية في صميم طبيعته عبد يذل للقوة حيث يراها، كما إنه يبطش بالضعف إينما رآه، الضعف عند الإنسان القوي القادر يستثير العطف والإشفاق أما الضعف عند الذي صاغه الله طاغية بطبعه، فيغري بالاعتداء، وكلما إزدادت الفرية ضعفاً، أزداد الطاغية بطشاً وعسفاً وطغياناً، والعبودية والطغيان وجهان لشيء واحد.
والرأي عندي هو أننا عبيد لأننا طغاة، وطغاة لأننا عبيد. وأما الإنسان الحر القادر المكتفي بنفسه في عزة وكبرياء، فلا هو يطغى بالضعيف، ولا هو يعنو بوجهه ذلا لطاغية.
_______________

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014

زيادة الإعدامات بحد السيف في السعودية والبعض يرى رسالة سياسية


(رويترز) - بعدما هوى الجلاد السعودي بسيفه سرعان ما خطا للوراء لتجنب تلويث ملابسه بدم الرجل المدان الذي يمكن رؤية جثته تتهاوى للوراء بعد الاطاحة بالرأس في فيلم مهتز عبر الانترنت.
وبعد أن يتحقق بشكل روتيني من أن رداءه لم ينله اللون الأحمر يجفف الجلاد نصله بمنديل يلقيه بعدها على الجثة ويمضي.
وتزامنت الزيادة المفاجئة في عمليات تنفيذ الإعدام علنا في السعودية خلال الشهرين الماضيين مع حملة قصف تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وأدى ذلك إلى مقارنات لا مفر منها في وسائل الإعلام الغربية بين الإعدامات التي تنفذها الدولة الإسلامية وتلك التي تمارس في السعودية.
 زيادة الإعدامات بحد السيف في السعودية والبعض يرى رسالة سياسية
ويقول المدافعون عن عقوبة الإعدام في السعودية إن الإعدام يتم بضربة واحدة بالسيف وأنه على نفس القدر من الإنسانية كما الحقنة القاتلة التي تستخدم في الولايات المتحدة. ويبدون أسفهم لعقد أي مقارنات بين إعدام السعودية لمجرمين مدانين ولأعمال القتل خارج نطاق القضاء الذي تمارسه الدولة الإسلامية بحق رهائن أبرياء.
ولكن النشطاء الحقوقيين يقولون إنهم قلقون من نظام العدالة الذي يقف وراء عقوبة الإعدام في المملكة أكثر من قلقهم على وسيلة تنفيذها. ويقول منتقدون لآل سعود الذين يحكمون البلاد إن آخر موجة من الإعدامات ربما تكون لها رسالة سياسية حيث أن الرياض مصممة على استعراض شدتها في خضم الفوضى التي تشهدها المنطقة.
وتم تنفيذ حكم الإعدام بحد السيف في المملكة بحق 26 شخصا في أغسطس آب. وهو عدد يفوق مجموع حالات الإعدام التي نفذت في الشهور السبعة السابقة لأغسطس هذا العام. وبلغ إجمالي من تم إعدامهم هذا العام حتى الآن 59 حالة بالمقارنة مع 69 حالة إعدام في العام الماضي كله بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.
وقالت مضاوي الرشيد وهي أستاذة جامعية زائرة في مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد "من الممكن أن تستخدم الإعدامات كترهيب ولاستعراض العضلات. هذا وقت حساس للغاية والإعدامات تؤدي الغرض حينما تتم بشكل جماعي."
وأضافت "توجد حالة من عدم اليقين حول السعودية من جانب الشمال ومن جانب الجنوب ومن الداخل حتى أنها تتخذ تحركات شديدة إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة الدولة الإسلامية. وهذا كله يخلق نوعا من الفوران. وتحاول عقوبة الإعدام التعمية على ذلك."
ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق لمتحدث باسم وزارة العدل السعودية لتفسير سبب تصاعد الإعدامات في أغسطس آب أو للإجابة على أسئلة أخرى بشأن استخدام السعودية لعقوبة الإعدام.

* مدى فداحة ما يحدث
أيا كان السبب وراء توقيت زيادة الإعدامات وموجة الإعدامات التي تواكبت معها والتي ينفذها الجهاديون في العراق وفي سوريا فإنها قد سلطت الأعين من جديد على ممارسات مملكة تختلف قيمها عن قيم حلفائها الغربيين.
وبينما انضمت السعودية إلى حملة الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية في سوريا وأرسلت كبار رجال الدين للتنديد بالفكر المتشدد فإن تنفيذ حالات الإعدام بحد السيف علنا ولا سيما بحق من لم يمارسوا العنف أو من ارتكبوا جرائم بلا ضحايا مثل الزنا والكفر وممارسة الشعوذة والسحر هو أمر منفر عند الحلفاء الغربيين.
وقالت سارة ليا ويتسون مديرة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش "إن أي إعدام هو أمر مروع.. ولكن الإعدام عن جرائم كتهريب المخدرات أو السحر والتي تسفر عن إزهاق روح.. هي شيء سافر."
وقال بعض الدبلوماسيين إن الزيادة ربما تكون مجرد مصادفة زمنية حيث أدى تعيين مزيد من القضاة إلى أن حسمت المحاكم قضايا استئناف متأخرة. كما أن هذه الزيادة بدأت عقب انتهاء رمضان الذي يقل فيه تنفيذ أحكام الإعدام.
ولكن تفسير الأمر على أنه إظهار للقوة بدا أنه تعزز الأسبوع الماضي بالحكم بإعدام الشيخ نمر النمر الذي ينتمي للأقلية الشيعية في البلاد التي تحكمها الأغلبية السنية. وكان النمر قد أيد احتجاجات وقعت عام 2011.
وصدر حكم بإعدام رجلين أيضا أحدهما كان عمره أقل من 18 إبان الاحتجاجات بسبب دورهما فيها. وأدينا بتهم إلقاء قنابل حارقة.
وقالت مي يماني وهي محللة سعودية المولد في لندن "إذا نظرت إلى تعريف ما أدين به نمر وهو التحريض على الفتنة فإن ذلك يظهر أنهم يريدون ضمان وقف أي نوع من النشاط."
وأدين أكثر من 12 شخصا في قضايا إرهاب أو تشدد سني إسلامي وصدرت بحقهم أحكام بالإعدام هذا العام.

* الشعوذة والزنا والردة
في ظل النظام القانوني السعودي المعتمد على تفسير الشريعة الإسلامية قد يكون تجنب الإعدام لجرائم ليس فيها ضحية بعينها -مثل تهريب المخدرات- أصعب فعليا من تجنبه لجريمة مثل القتل.
فمن بين 59 مدانا أعدموا حتى 16 أكتوبر تشرين الأول الماضي كان هناك 22 مدانا بتهريب المخدرات وفقا لأرقام استقتها منظمة هيومن رايتس ووتش من تقارير إعلامية سعودية.
وأعدم شخص واحد بعد إدانته بممارسة أعمال السحر والشعوذة وهو السعودي محمد بكر العلاوي في ثالث قضية من نوعها منذ عام 2011. ويمكن أن يحكم القضاة أيضا بالإعدام في جرائم الزنا أو الخروج عن الدين وإن أصبحت مثل هذه القضايا أقل عددا.
وفي ظل الشريعة الإسلامية التي يتبع النظام القضائي السعودي تفسيراتها تندرج جرائم العنف مثل القتل تحت بند "القصاص".
فرغم أن الجاني يحكم عليه عادة بالإعدام فإن أسرة المجني عليه قد تقبل "الدية" التي تعفيه من الإعدام. والدية التي تدفع لقتل امرأة هي نصف ما يدفع لقتل رجل كما أن دية قتل غير المسلم أقل كثيرا من دية المسلم.
والمدانون الأقل ثراء أو الذين ليست لهم أواصر قبلية يمكن أن تشفع لدى أسرة أو قبيلة المجني عليه أكثر عرضة لتنفيذ حكم الإعدام فيهم لصعوبة توفير الدية اللازمة.
وبالنسبة للجرائم الأخرى تعتمد العقوبة عادة على تفسير القاضي نفسه للنصوص الإسلامية القديمة. وحين لا يسقط مجني عليه في الجريمة لا يكون هناك سبيل لعرض دية مقابل العفو. والسعودية ليس بها قانون عقوبات مدني يحدد قواعد الحكم ولا نظام يضع سوابق قضائية يمكن الاستعانة بها في توقع الأحكام الصادرة.
قال باسم عليم الذي دافع عن 17 رجلا حكم عليهم سنة 2011 بالسجن لما يصل إلى 30 عاما بتهمة الفتنة وجرائم أخرى في قضية سياسية تسلطت عليها الأضواء إن القضاة رأوا أنه ما من داع لتحفظات كثيرة تعتبر أساسية في الغرب مثل ضمان وجود تمثيل قانوني للمتهمين.
وتابع "قال القاضي لأحد المتهمين أمامي: لماذا تحتاج محاميا؟ أنت لا تحتاج محاميا."
وأضاف أن أحكام الإعدام تعتمد عادة على اعتراف المتهم ليس إلا وإن القاضي ليس عليه لزام بأن يضع في اعتباره ملابسات الجريمة التي قد تخفف الحكم عن الجاني أو العوامل النفسية التي دفعته لارتكاب الجريمة أو إمكانية انتزاع الاعتراف منه عنوة.

* إصلاح متعثر
في عام 2007 أعلن الملك عبد الله عن خطط للإصلاح القانوني لكن القضاة -وهم عادة من رجال الدين المحافظين- نجحوا حتى الآن في إرجاء تنفيذ أي تغيير مؤثر.
وفي سنة 2009 قام الملك عبد الله بتعيين محمد العيسى وزيرا للعدل ليحل محل وزير محافظ أكبر سنا بقي في المنصب لفترة طويلة. ووجدت محاولاته لتطبيق تدريب أكثر حداثة للقضاة ووضع نظام سوابق يمكن الاستعانة في توقع الأحكام معارضة قوية من المحافظين.
وحتى السعوديين الراغبين في الإصلاح عموما لا يعارضون تطبيق الإعدام بحد السيف علنا. وقال خالد الدخيل أستاذ علم الاجتماع السياسي في الرياض إن الاضطرابات في المنطقة تجعل الناس يرغبون في نظام قضائي صارم.
وقال "أنت لا ترغب في نظام دكتاتوري مثل نظام بشار الأسد في سوريا أو نظام صدام حسين. لكنك في نفس الوقت لا تريد حكومة ضعيفة وبخاصة في منطقة كهذه وفي توقيت كهذا."
أما في حالات الصلب التي تطبق في الجرائم التي تهز المجتمع السعودي.. فتعلق الجثة في مكان عام على سبيل ردع الآخرين.
ويظهر فيلم نشر على الإنترنت على موقع (لايف ليكس) ويرجع إلى أبريل نيسان 2012 رجلا يعدم ثم "يصلب" بتهمة السطو على منزل وقتل ساكنيه. وواجه خمسة رجال نفس المصير في مايو أيار من العام الماضي في منطقة جازان بتهمة ارتكاب سلسلة من جرائم السطو.
المحامي الإصلاحي عليم المقيم في جدة أعرب عن تأييده لعقوبة الإعدام لكنه قال إن النظام القانوني في السعودية بحاجة لقيود تضمن إصدار أحكام عادلة.
وعن أحكام الإعدام قال "لست ممكن يخجلون منها. فهي جزء من الشريعة. لكن الأمر بحاجة للتعامل بأقصى درجات الحيطة والحذر. وهي لا تستند في اللحظة الراهنة إلى أي دليل آخر إذا اعترف المتهم.

الفاتيكان يدعو للتحرك ضد "إبادة محتملة" في الشرق الأوسط

فيما دعا البابا فرنسيس الأول المجتمع الدولي إلى الرد بشكل مناسب على جرائم تنظيم "الدولة الإسلامية"، ناشد الفاتيكان دول العالم التحرك لوقف ما وصفه بـ"عمليات إبادة جديدة" في الشرق الأوسط، أو تغييب المسيحيين من المنطقة.
Papst Franziskus Messe Petersplatz Seligsprechung Paul VI 19.10.2014
دعا الفاتيكان الاثنين (20 أكتوبر/ تشرين الأول 2014) الأسرة الدولية إلى التحرك "تفادياً لوقوع عمليات إبادة محتملة وجديدة" في الشرق الأوسط، وإلى التصدي "للمصادر الداعمة للأنشطة الإرهابية" لتنظيم "الدولة الإسلامية".
وأمام 79 كاردينالاً من العالم وسبعة بطاركة من الشرق الأوسط، دعا البابا فرنسيس الأول مجدداً إلى "رد مناسب" لمواجهة "ظاهرة إرهابية تفوق الوصف في اتساعها". وأضاف، لدى افتتاح أعمال هذا الاجتماع الكنسي: "لا يمكننا أن نقبل بشرق أوسط يغيب عنه المسيحيون".
وخلال مداخلة طويلة ومفصلة، دعا سكرتير الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين، إلى "مشاركة دول المنطقة" بشكل مباشر في حلول تفاوضية و"التنبه إلى المصادر" الداعمة للأنشطة الإرهابية لتنظيم "الدولة الاسلامية"، وذلك "من خلال دعم سياسي واضح نوعاً ما و(القضاء على) تجارة النفط غير المشروعة والإمداد بالأسلحة والتكنولوجيا".
Vatikan Auftakt Bischofssynode 05.10.2014
تصريحات بابا الفاتيكان جاءت على هامش اجتماع كنسي رفيع المستوى ضم 79 كاردينالاً
الفاتيكان "يعترف" بدور إيران في تسوية أزمات المنطقة
وأضاف بارولين: "من المشروع وقف المعتدي الظالم، لكن مع احترام القانون الدولي"، موضحاً أنه لا يمكن للرد "أن يكون فقط عسكرياً"، وعليه أيضاً معالجة الأسباب والجذور العميقة "التي تستغلها الأيديولوجيا الأصولية".
كما أشار الكاردينال الإيطالي إلى أن الفاتيكان حريص على الاعتراف بدور إيران "في تسوية الأزمات في كل من سوريا والعراق"، ومؤكداً أن المسؤولية تقع بشكل خاص على عاتق القادة المسلمين، ليس فقط لرفض أن يطلق التنظيم على نفسه اسم "الدولة الإسلامية" وإعلان الخلافة، بل أيضاً لإدانة "الجرائم التي ترتكب باسم الدين".
هذا وأبدى بارولين حذراً بشأن المعضلة التي يواجهها مسيحيو الشرق الأوسط حول البقاء أو الهجرة، مشدداً على حرية القرار، في حين يسعى بعض البطاركة إلى التصدي للهجرة الحالية. وقال الكاردينال بارولين: "إنها مشكلة حساسة. إذا أردنا أن يبقى المسيحيون في المنطقة، عليهم إيجاد ظروف معيشية وأمنية ووظيفية ومستقبلية مناسبة".
وطلب من الذين قرروا البقاء "عدم السعي للحصول على حماية من السلطات السياسية أو العسكرية الحالية لضمان بقائهم"، بل التمسك بـ"دولة القانون والحداثة والديمقراطية والتعددية". ورداً على سؤال حول زيارة محتملة للبابا إلى العراق بمناسبة زيارته المقبلة لتركيا نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني، استبعد المتحدث باسم الفاتيكان، الأب فيديريكو لومباردي، ذلك بالقول: "إنها دائما مسألة تطرح. لكن لا شيء محدد أو وشيك".

Locations of Site Visitors
Powered By Blogger