السبت، 6 أكتوبر 2012


هل يتسيّد رجل الدين المشهد والمثقف يتبعه ؟

القاهرة – محمد الحمامصي
تونس – حذام خريف – عبد المجيد دقنيش
بروكسل- طاهر علوان

مابين الديني والسياسي يقف المثقف العربي في الفاصلة التي ليس له من بديل سوى التعاطي معها بشكل ما، فاصلة تتعلق بكينونته كمثقف وبمنجزه وبأدواره التي طالما تطلع هو والمجتمع إليها.

فسؤال الأدوار المغيبة للمثقفين كان على الدوام هو السؤال الأكثر إلحاحا في ظل حملات الإسكات وتكميم الأفواه التي مارسها النظام السياسي العربي بألوانه وأشكاله المختلفة في حكم الشعوب.

ووسط هذا، ربما لم يكن المثقف العربي يتوقع أنه سيكون في عين العاصفة في ظل اهتزازت ومتغيرات لم يكن يتوقع أنها ستكون بهذا الشكل العاصف الذي شهده ويشهده العالم العربي اليوم ومع هذه الهزات سيتضاعف السؤال مجددا عن دور المثقف وادائه ومنجزه وهو يواكب مثلا ماعرف بالربيع العربي.

ومما لاشك فيه أن المثقف اليوم ليس بمعزل عن سؤال الجماهير العريضة ووسائل الإعلام والمحللين عن ظاهرة مابعد الثورات العربية الممثلة في صعود ماعرف بالإسلام السياسي، عندما وصلت الى سدة الحكم أحزاب وتيارات وجماعات إسلامية كانت بالأمس هي المطارة وتغص بها السجون وإذا بها اليوم مطالبة بالإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد والمفسدين وإطلاق الطاقات للعمل والإبداع وتوفير الحياة الكريمة للغالبية العظمى من الطبقات المسحوقة.

لكن هذا الصعود المدوي للإسلاميين عبر صناديق الاقتراع ربما خلخل قناعات المثقف في بحثه عن بديل، فها هو قد خرج توا من أجواء الاستبداد والقمع ليجد نفسه أمام أسئلة وشكوك تتعلق بتيارات الإسلام السياسي الصاعدة الى السلطة وهل سيكون من أولوياتها إطلاق طاقات المبدعين أم ممارسة تكميم الأفواه ومصادرة الإرادات بدعاوى التحريم والروادع المفسرة للفتاوى الدينية ؟ هل سينجح في أن يحقق التوازن المطلوب بين إطلاق إبداعه تحت فضاءات الديموقراطية الجديدة أم سينكمش وينكمش إبداعه خوفا من المصادرة والتهميش في شكله الجديد؟ هل سيجد المثقف نفسه أمام نوع جديد من الحكم الثيوقراطي الذي يبحث لنفسه عن شكل يتواءم مع متطلبات الأزمنة الحديثة؟

أسئلة ضمن أسئلة وتحديات عديدة عرضناها على نخبة من المثقفين في العالم العربي فكانت إجاباتهم.

* علي الشرقاوي: لا يمكن فصل الثقافي عن السياسي

رأي الشاعر والكاتب البحريني على الشرقاوي يحمل تعميما على كل من عمل أو يعمل في المجال الثقافي والمرتبط ارتباطا قويا بالعمل السياسي. ويقول "كما تعرف جيدا، لا يمكن فصل الثقافي عن السياسي أبدا. في تصوري الشخصي، مثقف الآن، ليس هامشا لرجل الدين، بل هو هامش لرجل المذهب، الولي الفقيه أو المرشد الروحي أو أمير الجماعة، فإذا كان الدين أكثر اتساعا، فان المذهب أقل عددا، ولكنه الأكثر قدرة على الحركة والأكثر على إغراء الأقلية المظلومة، الأقباط أو الشيعة وغيرهم من الأقليات في عموم الساحة العربية، بالتالي باستطاعته، أي المذهب، استيعاب هذا النمط من المثقفين، العاطلين عن الأفعال الكونية الكبيرة".

ويؤكد أنه من خلال متابعته لأفراد من مثقفي الأجيال السابقة، يرى أن أغلبهم كان يعمل من خلال الأحزاب، للوصول بتجاربه إلى القارئ العربي. لتغيير آرائه في العديد من الأمور التي يختلف فيها مع النظام السياسي في بلاده، لذلك ترى كل من منهم يمثل، بصورة واضحة أو غير واضحة، أحد الأحزاب القوية، بل أكثر من ذلك، تتصارع بعض الأحزاب على جر هذا الشاعر أو الروائي أو المغني أو المسرحي إلى حضنها، عبر الكتابة عنه وعن تجربته المختلفة ومغايرته في طرحه ورؤياه، وبذلك تحاول أن تجعله معبرا عن الجماعة التي صار ينتمي إليها، وأدى ذلك إلى اعتباره بوقا لهذه أو تلك من الأحزاب الوطنية، اليسارية منها واليمنية.

كان الصوت الأقوى للأجيال السابقة هو صوت المثقف اليساري، الذي امتلك أكثر من غيره، أدلة التحليل الماركسية "الديلكتيك الماركسي" وهي أداة لا يملكها المثقفون الآخرون، كالقوميين وأتباع الحركات الإسلامية، لكن المثقف اليساري، أو كما يدعى بالمثقف الثوري، أصبح مرئيا ومعروفا في ثورات التحرر الوطني، ليس في الوطن العربي فقط، إنما في كل قارات العالم، بعد تراجع موجة الأحزاب السياسية اليسارية في الوطن العربي عبر ضربها بصورة مدروسة ،و في كل الأنظمة، وبالذات الأنظمة العسكرية التي تحولت الي جمهوريات، مدعومة بشعارات وهمية، ومغطاة بأكاذيب لا حصر لها، على أنها أحلام الإنسان العربي البسيط، إنسان الشاعر والعامل والفلاح".

ويوضح الشرقاوي أنه "عبر هذا الضرب الدائم، لم يعد أمامها، غير التحول إلى شلل لا تستطيع الدفاع عن نفسها ولا تستطيع دعم كوادرها، المطاردين من زوار الليل والطرد من الوظائف ومصادرة حياتهم. فبقى المثقف وحيدا لا يملك أن يدافع عن نفسه. محبطا من تراجع الأحزاب التي لا تسطيع أن تؤمن قوت عياله إن دخل السجن أو أبعد في المنفى.

*إدريس الواغيش: الحاكم يحتاج إلى المثقف

يؤكد الشاعر والباحث المغربي د.إدريس الواغيش أن كل حاكم يحتاج إلى مقومات بقائه ومن بينها المثقف، لأنه الأقرب إلى الخطيئة ، فيعمل جاهدا على احتوائه بكل الوسائل، لذلك وجد البعض أنفسهم في هذه المرحلة الجديدة تائهين أمام مساحات شاسعة من بياض المراهنات، وظهرت عينة أخرى منهم مستعدة للمرحلة الملتحية، مؤمنة بأنه ليس بالضرورة أن يكون المثقف "ة" خمارا أو يساريا أو حتى صعلوكا".

ويضيف "كل الثورات في العالم أفرحت الشعوب بمولدها وبما ولدته، إلا ربيع "نا" الذي لم يكن عربيا خالصا، فقد جاء بمولود خنثي لا هو بذكر ولا هو بأنثى. فظهرت زعامات ملتحية فجأة وبالتتابع "اليمن- مصر- ليبيا – تونس" وكأن شيئا دبر لها بليل. في السابق كان المثقف العربي يلتحم مع الثورة، بحكم طابعه المنفلت والميال إلى التغيير، فيميل يسارا حيث الثورة. الآن وأمام هذا التعنت الديني، قد يجد المثقف العربي نفسه في خدمة اللحية "الثائرة". وهو نوعان: حقيقي ومزيف، فالحقيقي لن ينساق إلى هامش رجل السياسة كان دينيا أو سياسيا، كما استعصى على الترويض من قبل، ليظل روحا نابضة لوطنه، ومن دونه لن يكون للوطن روحا، سواء في ظل حاكم دين أو حاكم سياسة.

لكن المزيف لن يهون عليه تغيير بوصلته وتحويل قلمه إلى بوق في خدمة الحاكم الجديد، فالمنفعة العمياء ستوجهه إلى حيث فتات الدولارات ونعمة الوالي. فأي علاقة ستربط رجل الدين/ الحاكم بالمثقف في المرحلة المقبلة ؟ رجل السياسة كان يغرق المثقفين سابقا بالهدايا والعطايا والسفريات، فبم سيغري الحاكم بأمر الله هؤلاء المثقفين اليوم؟. وهل سينحاز المثقفون إلى الوطن أم إلى رجال الدين، وقد انحاز بعضهم سابقا إلى رجال السياسة؟ سؤال سيبقى معلقا إلى أن تجيب عنه الأيام القادمة".

* علي ناصر كنانة: إما علاقة موالاة أو علاقة استقلالية

يرى الكاتب العراقي علي ناصر كنانة أن السؤال سؤال العلاقة بين الثقافة والسياسة من جهة والثقافة والدين من جهة أخرى، ويضيف "هي إما علاقة موالاة أو علاقة استقلالية. ولكل منهما ثمن: في الأولى الثمن نفعي انتهازي، وفي الثانية ثمنٌ ضدّي مكلف.

وحيثما تكون السلطة تبرز إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة، سواء كانت هذه السلطة بيد السياسي أم بيد رجل الدين، فالاثنان سياسيان ولكن وسائلهما تختلف.

فالسياسي يترك للمثقف حرية التعبير عن شكل تبعيته أما رجل الدين فلا يترك هامشاً للمثقف غير العزلة. أي أن طبيعة العلاقة تتغير حسب طبيعة السلطة. وإنّ لدى السياسي إدراكاً مسبقاً بأن أهدافه وسياسته لن تنجح دون أرضية ثقافية ولهذا فهو يعمل على ترويض المثقف بمختلف الوسائل سواء بشراء الذمم أو بالقمع.

بَيْدَ أن رجل الدين يستعيض عن الثقافة بالدين فالدين هو الثقافة التي يراد تسويقها فقط، وبالتالي لا بدّ من تهميش دور المثقف. وعليه وبوجه عام، فإن المثقفين الانتهازيين الذين لا يتحقق وجودهم إلا من خلال علاقة تبعية بالسياسي هم أنفسهم الذين يندفعون في هذه المرحلة لخدمة رجل الدين السياسي.

وعطفاً على توصيفك فإن الهامشيين أصلاً هم مَن يرتضون أدواراً هامشية. ولكن من المهم الإشارة إلى أن تردي الواقع هو الذى يفرز نماذج متهالكة كهذه، وهي نماذج لا نجدها في مجتمعات تُساس بغير الطريقة التي تُدار بها الأوضاع في بلداننا العربية".

* مصطفى لغتيري: الربيع العربي تم الإجهاز عليه وتهريبه من طرف الحركات الإسلامية

يقول الروائي المغربي مصطفى لغتيري هناك حقيقة ساطعة مفادها أن الربيع العربي تم الإجهاز عليه وتهريبه من طرف الحركات الإسلامية، فرغم أن مساهماتها فيه لم تكن واضحة منذ البداية ولم تظهر إلى العلن إلا في فترات متأخرة، فإنها استطاعت بحكم أنها القوة الأكثر تنظيما في المجتمع أن تهيمن على الساحة السياسة.

رغم أن المطالب التي أدت إلى اندلاع شرارة الربيع العربي لم تكن ذات صبغة دينية وإنما كانت مطالب اجتماعية وسياسية، تطالب بالعيش الكريم وبالحرية، وقد انخرط المثقفون في هذا الحراك العربي بأشكال نضالية متعددة، فإن لم يكن الكثيرون منهم قد نزلوا إلى الشارع فإنهم قد واكبوا الأحداث بالكتابة عنها وتحليلها، وإعطاء وجهات نظرهم في ما يحدث، والانتصار في الغالب الأعم إلى الفئات الشعبية المنتفضة بأحلامها وطموحاتها وهمومها.

ومن الطبيعي جدا بعد استيلاء الإسلاميين على السلطة في جل البلدان العربية بعد إجراء الانتخابات في جو مشحون ومجتمعات تقليدية لازالت تظن أن حل مشاكلها الدنيوية يكمن في الجانب الأخلاقي والديني، أقول من الطبيعي- والحال هاته- أن ترتفع أصوات المتدينين على ما سواها من الأصوات، في محاولة منها، بعد هيمنتها على السياسة، لأن تفرض سطوتها على باقي الميادين الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عام .

طبعا لن يظل المثقف مكتوف الأيدي وسيظل يقاوم الأصولية المتشددة كما قاوم الاستبداد السياسي، وسيرفع صوته محتجا وسيكتب مقالات وقصائد وقصصا وروايات، تنتصر للحرية والتعدد والإيمان بالاختلاف.

* أبو بكر العيادي: كل الدلائل تشير إلى أننا مقبلون على الأسوأ

يرى الروائي التونسي المقيم في باريس أبو بكر العيادي أنّ علاقة الفعل الإبداعي بإيديولوجيا الحركات الأصولية في شتى المعتقدات هي علاقة صدامية. الأولى بشرية المنشأ أي قابلة للخطأ والصواب، عرضة للبس والشبهة، والثانية ربانية المصدر، مستلهمة من قول رب حكيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، في ما يزعمون. الفعل الإبداعي يقوم على الحرية والخلق والابتكار ولا يرضى لحريته بحدّ، فيما الحركات الإسلامية ترى أن الحرية تسيّب وخروج على طاعة أولي الأمر، وأن الخلق من خصائص الخالق وحده، وأن الأمر يجري بحسبان يضبطه سلفا دعاة تلك الإيديولوجيا.

ومن ثم فلا مكان عندهم لفكر ولا ثقافة عدا التفقه في الدين واجترار ما تركه السلف، الذي وسع علمه كل شيء، وحسبنا أن نعود إلى تراثه للوقوف على أجوبة لجماع أسئلتنا الراهنة.

وحركة النهضة التونسية لا تختلف كثيرا عن تلك التيارات، وإن اختلفت فبالدرجة وليس بالنوع، وقد درجت منذ استيلائها على السلطة "أقول استيلاء، لأن من يشتري أصوات الجياع بأموال الغريب والعدو لا شرعية له "، على الاستعانة بجناحها المتطرف "الميليشيات والسلفيين" في مصادرة الحريات ومطاردة المبدعين وتكفيرهم وترهيبهم وتعنيفهم، بدعوى التطاول على "المقدسات"، وهو مصطلح فضفاض قد يفتح الباب أمام مقاضاة "الجناة" في أحسن الأحوال، وقتلهم أو صلبهم وتقطيعهم من خلاف "على رأي رأس من رؤوس تلك الحركة". 

وكل الدلائل تشير إلى أننا مقبلون على الأسوأ: الإفراج عمّن أشعل أحداث قصر العبدلية ومن أحرق الممتلكات العامة والخاصة والتنديد بأعمال فنية لا وجود لها داخل البلاد، مقاضاة مدير صحيفة وعدم محاسبة من اعتدوا على الإعلاميين والمسرحيين، وخصوصا فتح منابر البلاد لدعاة رجعيين ظلاميين ينشرون الجهل ويدعون إلى الفتنة ويفخرون علانية بمعاداتهم للديمقراطية. 

ولكن المبدع الحق لن يستسلم للأمر الواقع، لأنه حمّال قيم حضارية وفكرية، قد تنقرض لو صمت إيثارا للسلامة، ومبشر بقيم جمالية لا تستقيم الحياة من دونها. سيقاوم التطرف والتكفير ويناضل من أجل إعلاء قيم الحق والعدل والمساواة مثلما فعل أيام بن علي، ولو بالمواربة. ألم يكن يبتكر ألف حيلة وحيلة لمراوغة محظورات العهد البائد ؟ أليس دوره إزعاج السلطة، أي سلطة، كما قال سارتر؟. 

* أمير تاج السر: الثقافة لا تتعارض مع الدين

يقول الروائي السوداني أمير تاج السر:"أولا يجب أن يفهم أن الثقافة لا تتعارض مع الدين في شيء، وبالتالي ليس من المفترض أن يحجم دور المثقف، حتى في ظل وجود حكومات إسلامية، أو تحكم بالشرع كما تقول.

رأيي الشخصي أن المثقف لن يستسلم بسهولة، ويظل هامشيا، إن حدثت محاولات إقصاء، وأظنها ستحدث بالفعل، لكنه سيناضل حتى يأخذ دوره الحقيقي، والمثقفون الذين، يستسلمون، ويفقدون هوياتهم في كل وقت، لا أعتبرهم يحملون رسالة حقيقية. أؤكد أن رجل الدين نفسه بحاجة إلى مزيد من الوعي، حتى يتقبل المثقف".

ويؤكد الشاعر والباحث العراقي شاكر لعيبي، أن السؤال يستجيب للحظة الراهنة، كما أحسب، بسبب صعود الحركات الدينية إلى السلطة في أكثر من بلد عربي واحد. وهو أمر لا أستطيع أن أضعه وحده بالحسبان. مصطلح المثقف العربي فضفاض، ولعله يريد أن يشير إلى نمط من المثقف السائد في الميديا، وسنجاري السؤال بذلك.

ويقول "كان هذا المثقف وما زال يشتغل لصالح رأس المال العربيّ. عندما كان رأس المال هذا نامياً ضعيفاً، كان المثقف العربي يتكلم بصوتٍ عال وجرأة، وعندما حدثت الطفرة البترودولارية في السبعينيات من القرن الماضي خفت صوته، وصار مبحوحاً في حالات عدة.

إنه لا يستطيع نقد ومجادلة من يدفع له لقمة عيشه. وعندما يصير واقع الحال هذا معروفاً ومدركاً للقطاعات الواسعة من المعنيين، يلعب البعض اللعبة عن طيب خاطر، بصفته نوعاً من "مرتزقة ثقافية"، مدفوعة الأجر من أجل الانخراط بنوع خاص من الحروب الدعائية والسياسية والأيديولوجية."

* مجاهد العزب: القرآن والسنة لا دخل لهما بالثقافة 

يلفت الفنان التشكيلي والروائي مجاهد العزب إلى أنه من الواجب قبل الإجابة عن السؤال الفصل بين مفهومين من أصل واحد يقترب أحدهما من الآخر في الجذر العميق ويفترقان فى الفروع والشروح ــ الدين والتدين ــ حتى نستطيع فهم التحولات التاريخية وما سيحدث من تغير قادم، ويقول "الدين كوحدة جامعة مكون من جزأين هامين "القرآن والسنة النبوية" لا دخل لهما بالثقافة ومفهومها المتعارف عليه بأنها : الكل المركب المتغير والذي يشمل المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والعادات وكل القدرات الأخرى التي اكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في مجتمعه، أي أنها تعبر عن مجمل الحياة الاجتماعية للإنسان وليس موروثة بالكلية، ولا ينبغي لنا أن ندخلهما ــ القرآن والسنة ــ كذلك لاستحالة التغيير أو التبديل أو الإلغاء أو التعديل على ما أتى به الدين كنص مقدس ملزم تتبعه بالضرورة نصوص وردت في صحاح الحديث ولها من القدسية ما يعادل النص المنزّل".

ويرى أن ما يدخل في منظومة الثقافة كرافد من روافدها هو التدين، "هو فهم بشرى للدين والعمل به في حقبة تاريخية بعينها ووسط جماعة من البشر بعينهم، وهذا وحده يحتاج الكثير من الوعي التاريخي والاجتهاد، ولا ينفيه المثقفون العرب على اختلاف دياناتهم بالضرورة، والمثقف المصري بوجه خاص.

لكن محاولات البعض فرض أفكارهم لمفهوم النص وكيفية التدين والارتقاء بها من طبيعة بشرية إلى مرتبة وقدسية الدين الجامع، فذلك يعنى الخلط الشديد في الواقع وضد حركة التاريخ ومقتضياته، والتي تؤدى بنا إلى التصادم والتصارع أو على الأقل الاختلاف والتخلف".

ويشير العزب إلى أن السؤال المطروح يحمل مقولة خاطئة:وهي اعتبار أن الثقافة هامش للسياسة أو كانت كذلك. ويقول "الثقافة مجموعة كلية لا تعنى فقط الجانب العلمي وحده أو المعرفي وحده أو الأيديولوجي وحده أو ما يحصل عليه الفرد من خبرات منفردا وحده، إنما هي أنساق قيم تخص مجتمعا بعينه في ظرف تاريخي معين، يتشابك ويتداخل بعضها البعض.

مجموعة من الروافد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والعادات والسلوك والأعراف والتراكم المعرفي والمدرك والتاريخ ــ كما أوضحنا من قبل ــ كلها تصب في مجرى واحد اسمه الثقافة، لذلك، لن يستطيع رافد واحد منها سواء السياسي أو الديني أن يهمش الكل الجامع. 

* محمد الدسوقي: المثقفون على هامش الهامش

يقول الكاتب والناقد المصري محمد الدسوقي إنه"رغم أنني أرى أنه لم يعد في القوس منزع، وأن هناك شيئا كبيرا كنت مؤمنا به تجاه الشعب المصري، كما كنت أظن أن المثقف المصري رغم الازدواجية التي عاشها في ظل النظام السابق ما بين من يؤمن بسلطة الثقافة ومن كان منخرطا في ثقافة السلطة – كنت أظن أن هناك بعض الأحداث الجليلة التي تتعلق بمستقبل الوطن، يمكن أن تجعل الجميع ينتفض ويتوحد إلا أن بعض الظن إثم.

ولهذا تحولت فيما بعد الثورة بحسن نية وقلت ربما يكون الأمل في الشعب، ولكن اتضح أن حساباتي غير دقيقة فقد فوجئت بأن أفيون التدين من خلال خطاب ديني فارغ على مدى سنوات كان يتلخص في: هل يدخل الشعب الحمام بقدمه اليمنى أم اليسرى؟ هذا الخطاب استساغه الجميع وعلى رأس هؤلاء كان المثقف الذي وجد أن الحل هو البحث عن الذات، عن المجد الشخصي عن كم القصائد أو القصص المنشورة، وليس كما أنار عقلا وقلبا – ها نحن كمثقفين وجدنا أنفسنا في هامش الهامش، في مقابل رجل التدين الداعية الذي تناسل تخلفا وانتشرت أبواقه تصم الآذان حتى لم يعد لأحد القدرة على الاستماع لسواه".

* شاكر لعيبي: المثقف يشتغل لصالح رأس المال العربي

بداية يؤكد الشاعر والباحث العراقي الدكتورشاكر لعيبي، أن السؤال يستجيب للحظة الراهنة، كما أحسب، بسبب صعود الحركات الدينية إلى السلطة في أكثر من بلد عربي واحد. وهو أمر لا أستطيع أن أضعه وحده في الحسبان. مصطلح المثقف العربي فضفاض، ولعله يريد أن يشير إلى نمط من المثقف السائد في الميديا، وسنجاري السؤال بذلك.

ويقول "كان هذا المثقف وما زال يشتغل لصالح رأس المال العربيّ. عندما كان رأس المال هذا نامياً ضعيفاً، كان المثقف العربي يتكلم بصوتٍ عال وجرأة، وعندما حدثت الطفرة البترودولارية في السبعينيات من القرن الماضي خفت صوته، وصار مبحوحاً في حالات عدة. 

إنه لا يستطيع نقد ومجادلة من يدفع له لقمة عيشه. وعندما يصير واقع الحال هذا معروفاً ومدركاً للقطاعات الواسعة من المعنيين، يلعب البعض اللعبة عن طيب خاطر، بصفته نوعاً من "مرتزقة ثقافية"، مدفوعة الأجر من أجل الانخراط بنوع خاص من الحروب الدعائية والسياسية والأيديولوجية.

وفي هذا السياق نرى أن الظاهرة تشكل، عن جدارة، "فلكلوراً" عربياً ذا تأريخ عريق، إذ نادراً ما خرج الشاعر العربي التقليدي عن طاعة ممدوحيه الذين أسبغوا عليه نِعَمِهم: فضةً وذهباً، عملة الزمن الآفل الصعبة.مع صعود الحركات الدينية إلى السلطة اليوم".

ويضيف "على المثقف أن يكون منطقياً ومتسقاً مع البديهيات الأولى: أن لا يرفض الشرط الديمقراطي الذي دفع بصعود هذه الحركات إلى سدة الحكم. هنا يبدو بعض المثقفين العرب وكأنهم معادون للديمقراطية. إنهم يفضّلون فحسب تلك الديمقراطية التي لا خصوم فيها أو لا صعودَ لهم، عبر الشروط المعروفة للانتخاب، إلى مراكز القرار. وهنا سوف يتشبثون فجأة، بضرورة مشاركة الجميع بالسلطة وعدم استفراد المنتخَبِين بها. هذه مفارقة عايشتها في تونس، واليوم أراقبها في مصر. "

* بشير إبراهيم: رجل الدين يحاول لعب دور رجل السياسة

يشير الناقد السينمائي الأردني بشير إبراهيم من ناحية، إلى أن رجل الدين لا يستلم الحكم بوصفه رجل دين، بل باعتباره مشتغلاً في حقل السياسة. ربما لهذا نجد أن القوى أو الجماعات الدينية، سارعت إلى تشكيل أحزاب، كأدوات سياسية، أو استطالات سياسية، تتفرّع عنها، وإن كانت لا تنقطع، أو لا تتمتع بحرية حركة، إلا بما يفترضه الواقع السياسي الذي ينبغي لها أن تنخرط فيه، وتعمل وفق إيقاعاته".

ويضيف "من ناحية أخرى، يمكن القول إن تسلّم الحكم من قبل رجال قادمين من مرجعيات أو قوى وجماعات دينية، لم يتمّ إلا باعتبارهم، ولو ظاهرياً، قد خضعوا لاختبارات العملية السياسية، من ترشيح وانتخاب، وخضوع لشروط وقواعد اللعبة السياسية. وعلى الرغم من أنهم أبقوا على ذقونهم، إلا أنهم وضعوا الياقات وربطات العنق، وارتدوا البذلات العصرية.. وباتوا يسعون لأخذ مشروعيتهم السياسية، فضلاً عما يظنونه من شرعية دينية.

يحاول رجل الدين لعب دور رجل السياسة. لا يتخلّى عن مرجعياته، ولا مرشديه، أو مريديه. ولكنه يقول في السياسة، ظاهرياً، أكثر مما يقول في الدين، على الرغم من أن الدين أساسه ومنطلقه ومبتغاه، وليس السياسة، التي لا تغدو عنده أكثر من وسيلة، يحتقرها في الحقيقة".

كما يرى بشير أن إشكالية المثقف العملي "البراغماتي"هنا، متعددة الوجوه. فهو يتعامل مع رجل الدين متجلبباً بجلباب السياسي. ومع السياسي باعتباره مندوباً لرجل الدين!.. وفي وقت كان من المألوف أن يرزح المثقف بين فكّي متراجحة؛ إما أن يلتحق المثقف بركب السياسي، ويتبعه ويتماهى به، أو ينزوي في الهامش، مبتعداً نائياً بنفسه، أو مطروداً من قبل السياسي، الذي لم يكن يقبل إلا بأتباع ومتحزبين.

فإننا نعتقد أن الأمر سيستمر على النحو ذاته، ولكن لينتمي المثقف الألعوبة، هذه المرة، إلى فئة المريدين! أما المثقف النقدي، فسوف يستمر فيما كان يفعله، منذ مطالع القرن العشرين، من موقف نقدي جليل، سواء تجاه رجل السياسة، أو رجل الدين المتجلبب بجلبابها، لا فرق!، وإن كانت المهمة ستكون أكثر صعوبة وتعقيداً، في مواجهة من يدّعي أنه يستمد شرعيته من الربّ، لا من اتجاه فكري، أو أيديولوجي، ولا من الحزب".

* سعيد الجريري: هامشية المثقف لرجل الدين

يذهب سعيد الجريري رئيس تيار "مثقفون من أجل جنوب جديد – عدن" إلى أن السؤال يقرر هامشية المثقف العربي لرجل السياسة، فيما يتساءل عن هامشية جديدة في علاقة المثقف العربي برجل الدين، لكنه تساؤل يضمر إثبات الحالة، لا نفيها.

إنه تساؤل يؤشر مأزقية المثقف العربي اليوم، فالسلطتان السياسية والدينية كلتاهما تنظران إلى المثقف نظرة استرابة، وفي حين تميل السلطة الأولى إلى تدجين المثقف أو التضييق عليه بوسائل شتى، تمارس السلطة الأخرى قمعاً أيديولوجيا بحامل اجتماعي، يقصي خطاب المثقف، ويؤزم لحظته، في مجتمع مازالت الشفاهية هي الفاعلة في تشكيل وعيه وموقفه.

ولعل ثنائية المتن والهامش ستظل ذات فاعلية بين المثقف والسلطتين السياسية والدينية، مالم يغادر المثقف العربي حالة اللاموقف "بالمفهوم الغرامشي"، وسيظل هامشاً للأولى والأخرى، إن ظل على مسافة سلبية من تحولات واقعه سلباً وإيجاباً.

لكن خطورة اللحظة الراهنة بالنسبة إلى المثقف العربي، تكمن في أنه أصبح هامشاً لسلطتين توحدتا في سلطة واحدة بعد أن ارتفع رصيد السلطة الدينية الانتخابي في أكثر من بلد عربي بعد الثورات السلمية الأخيرة.

ومن المهم في هذا السياق أن يعيد المثقف العربي قراءة اللحظة قراءة موضوعية، ويؤمن بأن هامشيته الراهنة ليست قدراً سياسياً أو دينياً أو ثقافياً، وإنما هي ناتج خلل بنيوي في تموضع المثقف العربي براغماتياً في السياق التاريخي للتحولات.

* علاء عبد الهادي: السياسي استخدم المؤسسات الثقافية لتيسير إحكام القبضة

يطرح الشاعر والباحث المصري د.علاء عبد الهادي سؤالا قبليا عن المقصود من تعبير المثقف، فهل هو الذي يمارس الكتابة الإبداعية؟.

ويقول "هذا عين ما فهمه النظام الثقافي السابق من الثقافة، وكنا نعارضه قولا وممارسة ومقاطعة لأنشطة الوزير وفلوله على مدى العقدين الأخرين، حيث استخدم السياسي المؤسسات الثقافية لتيسير إحكام قبضة النظام السياسي السابق على المثقف، والشيء الغريب أن الوجوه التي كانت خدما طيعين في يد فاروق حسني والفلول الذين أتوا من بعده هم أنفسهم الذين يسيرون الأجهزة والمؤسسات الثقافية الآن،نفس الوجوه ونفس اللجان، ونفس الهياكل الإدارية مع الكثير من النفاق وتغيير الأقنعة، فضلا عن كمية وافرة من الغباء الثقافي أيضا، الذي يوازي الغباء السياسي الحالي في فهمه للدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في ظل ثورة يناير المجيدة".

ويضيف عبد الهادي "نحن الآن لا نكاد نرى أية رؤية علمية إستراتيجية حاضرة لمعظم القيادات الثقافية الحالية، والوضع لو استمر سيكون أسوأ مما سبق وذلك في ظل غفلة الحكومة الحالية عن أهمية المشروع الثقافي في أمن مصر القومي والاقتصادي".

وفقا لذلك يؤكد "نعم سيكون المثقف بالمعنى الرسمي المعتاد والقائم حتى الآن في العقل الجمعي للجهاز البيروقراطي الحكومي المصري خادما لكل صاحب سلطة، كانت دينية أو سياسية أو اقتصادية. مادامت قادرة على استغلال رأسمال الثقافة.

ويكون الوضع على خلاف ذلك، لو كان فهمنا للمثقف مرتبطا بالمعنى الأنثروبولوجي الحديث للثقافة، أو إذا كانت رؤيتنا مرتبطة بإعادة وضع استراتيجيات ثقافية قائمة على دراية عميقة لبيئتي الثقافة الداخلية في مصر والعالم الغربي الحديث، حينها فحسب يكون المثقف الذي يخاطر بالاقتراب من رجل السلطة مهددا بفقدان مكانته الثقافية، متحولا إلى تكنوقراط ثقافي، وهذا عين ما حدث واتضح بعد فترة، مع الموظف الأكاديمي الذي قبل اللعب بالثقافة لصالح حكومة ومصالح سياسية ضيقة، وأشهر أمثلة ذلك جابر عصفور".

ويخلص عبد الهادي إلى أنه "لا يمكن لمثقف عضوي أن يكون اختياره هو الهامش، قد تضطره الأوضاع إلى ذلك، لكنه سرعان ما يمسك بزمام المبادرة من جديد، وأنا أرى أن مثقفي الحظيرة، ومن يتحكمون للأسف في مقادير مصر الثقافية إلى الآن هم المهمشون، لأن عموم المثقفين يتعاملون معهم بصفتهم أدوات يستخدمونها لتحقيق منافعهم الصغيرة في ظل مجتمع لا يؤمن بالثقافة، المثقف الحق سياسي بالضرورة، لأنه يبشر دائما بممكن جديد وآخر، وهذا ما يجعله مقاوما بطبيعته للتهميش، في قلب الممارسة التاريخية، والفعل".

* هادي دانيال:المثقف العضوي لن يكون هامشا للسلطة

المثقف الحقيقي أو"العضوي" لم ولن يكون هامشا للسياسي أو الديني لأنّ وجوده يتحقق ليس فقط بفكّ أي شكل من أشكال الارتباط بهما بل وبمقاومتهما مقاومة ضارية كلما حاولا اعتراض حرية هذا المثقف في التفكير والتعبير أو في الخلق الإبداعي. 

وبما أنّ السياسي والديني يسعيان دائما إلى فرض سلطتهما إن كانا في الحكم أو في المعارضة فهما يوظفان من أسميه "تقنيَّ معرفة" وينسب نفسه أو ينسبه من يوظّفه إلى شريحة المثقفين افتراء. تقنيّ المعرفة هذا هو السائد عربيا منذ عقود، ولذا يوظّف معارفه في خدمة من يدفع، اعتقادا منه أن هذه المعارف سلعة يقدمها لمن يدفع ثمنها، ولذا نجد هذا النوع في بلاط السلطان و"بلاط" المعارضة، أكان هذا السلطان وهذه المعارضة سياسيين أو دينيين.

* محمد الخالدي:المثقف يبدل جلده تبعا لمصالحه

هذا السؤال بدأ يطرح بإلحاح هذه الأيام. وهو سؤال في محله.فالمثقف العربي ما عدى استثناءات قليلة،يطيب له العيش في كنف السلطة، يتمعش منها مقابل الدفاع عنها وتبرير ما تمارسه من تعسف في حق المواطن.

وبما أن المثقف عرف بتغيير مواقفه فلا غرابة والحال هذه أن يبدل جلده تبعا لمصالحه فهو مع "الواقف" أيا كان هذا الواقف. وما دامت كل المؤشرات توحي بأن المد الديني الرجعي بدأ يبسط نفوذه في أغلب الأقطار العربية، فان المثقف الذي اعتاد العيش في كنف السلطة والتمسح بأذيالها لم يجد حرجا في الارتماء في أحضان السادة الجدد.

فهو قد جبل على ذلك حتى بات يعتقد راسخا بما أن دوره هو إظهار الولاء ولا شيء غير الولاء لأولياء نعمته. فهو ، بهذا المعنى ، عبد مسخر لخدمة السلطة والدفاع عنها، ولم يفكر في يوم من الأيام أن يكون له دور أو أن يشارك في رسم سياسة البلاد، فهذه مهمة لا تعنيه وكل ما يعنيه هو إخلاصه للنظام القائم بغض النظر عن طبيعة هذا الأخير.

إن المثقف التونسي الذي باع ضميره لبن علي وعصابته مستعد أن يبيع نفسه للشيطان شرط الحفاظ على مصالحه الأنانية الضيقة. وبالفعل هناك عدد لا بأس به منهم قد غيروا جلودهم فنزعوا جلباب التجمع ليلبسوا برقع ومسوح الأحزاب الدينية لقوموا بنفس الدور الذي كانوا يقومون به في عهد النظام السابق.

* آدم فتحي: المثقّف ليس هامشًا لأحد 

لنتفّق أوّلاً على أنّ السلطة واحدة في جوهرها سواءٌ كانت في يد رجل الدين أو في يد رجل السياسة. كلاهُما طالبُ سُلطة وبائع يقين لذلك يسعى كلاهُما إلى احتكار رأس المال الماديّ ورأس الرمزيّ ومن ثمّ سعيُهما إلى تدجين المُثقّف أو تهميشه وإقصائه.

ولنتّفق ثانيًا على أنّ المُثقّف الذي يستحقّ هذه التسمية لا يطلب سُلطةً بل يُطاردُ حقيقة ويطرح أسئلة ويرفضُ كلّ احتكار ويدعو إلى التعدّد والاختلاف ويدافع عن حريّةٍ لا تعترف بحدود لذلك هو بالضرورة في اصطدام دائم بالسلطة دينيّةً كان أم مدنيّة.

قد تحاول السلطة ترويض هذا المُثقّف إلاّ أنّه يظلّ متمرّدًا مهما حاولت. وقد تحاول تهميشه لكنّه يظلّ في قلب المعركة حتى حين يختار مقاومة الجبروت والجهلوت انطلاقًا من الهامش جاعلاً منه مركزًا بذاته.

وإذا رأينا أحدهم يخدم ركاب سُلطةٍ ما فلنعلم أنّه فقد هويّته كمثقّف وأصبح موظّفًا مكلّفًا بالبروباغاندا لدى حاكم باسم الدنيا أو مكلّفًا بنوع من الإفتاء لدى حاكم باسم الدين.

وإذا كان البعض يسأل عن مصير المثقّف بين فاشيّتين إحداهما حداثيّة القناع والأخرى ذات قناع دينيّ فليعلم أنّ تغيير الأقنعة لا يغيّر شيئًا من واقع المثقّف الوطنيّ المبدع.. فهو بالضرورة، دون ادّعاء بطولة وعلى طريقته وحسب قدراته، مُحاربُ طواحين كاسِرُ أقنعة مُقاومٌ حرٌّ أو لا يكون.

الخميس، 4 أكتوبر 2012

الكل فى الاستحواذ سواء

الاستاذ فهمى هويدى

من مفارقات حياتنا الثقافية ان الذين يلاحقون الإخوان ليل نهار بتهمة «الاستحواذ» على مفاصل الدولة المصرية، هم أنفسهم يمارسون الاستحواذ على قائمة من القيم والشعارات التى لا يريدون لأحد أن يشاركهم فيها. ولئن كان استحواذ الإخوان ادعاء لم يثبت، فضلا عن ان مفاصل الدولة فى مصر أكبر من ان يستوعبها فصيل واحد، فإن استحواذ الآخرين واحتكارهم لأهم القيم والشعارات الايجابية فى الساحة السياسية تشهد به قرائن عدة، بل تقطع به وتؤكده.

إننا إذا دققنا فى الفضاء السياسى المصرى سنجد ان بعض النخب قررت أن تحتكر وتصادر لحسابها المدنية والديمقراطية والليبرالية بل والتقدم أيضا، فى حين اعتبروا أن كل من عداهم مطرودون من تلك الساحات ومحظور عليهم الانتساب إلى أى منها، وهو ما يعد نهجا فى الاقصاء أقرب إلى التكفير، فإذا كان بعض المتطرفين الإسلاميين يعتبرون أنهم الفرقة «الناجية» وان جنة الله لا تسع غيرهم، ولذلك فإنهم يسارعون إلى إخراج غيرهم من الملة الدينية، فإن إخواننا هؤلاء باحتكارهم القيم السياسية الايجابية يفعلون نفس الشىء. إذ يعتبرون أنفسهم الفرقة السياسية الناجية التى ينبغى أن يعهد إليها دون غيرها تولى زمام الأمور، ولذلك فإنهم ينفون عن غيرهم أية صفة ايجابية ويخرجونهم من الملة الوطنية بضمير مستريح.

هم لا يقولون شيئا من ذلك بطبيعة الحال، ولكنهم دائمو الحديث عن التسامح والقبول بالآخر والاحتكام إلى الصناديق فى نهاية المطاف، لكنهم فى الوقت نفسه يقسمون المجتمع إلى معسكرين أحدهما مدنى والآخر دينى. فى استعادة لفكرة «الفسطاطين» وقسمة العالم إلى أخيار وأشرار. ويدرجون تحت عنوان القوى المدنية كل ما هو ايجابى وجذاب من قيم وشعارات، فى حين ينسبون إلى القوى الدينية كل ما يثير النفور ويبعث على الاستياء والخوف.

لست أدعو إلى تبرير فكرة استحواذ الإخوان التى أرفضها، ولا أريد أن يفهم أننى أسوغ ما نسب إلى الإخوان بدعوى ان الكل فى الاستحواذ سواء، وان غيرهم ليسوا أفضل منهم كثيرا. لكنى أريد التنبيه إلى أن مسألة الفسطاطين هذه (الدينى والمدنى) مغلوطة علميا وضارة سياسيا.

وكنت قد تعرضت من قبل إلى التغليط فى تلك القسمة، وقلت ان ذلك الفصل فى مجتمع متدين مثل مصر لا يخلو من افتعال وتعسف، لسبب جوهرى هو ان الكثير من الواجبات الدينية لها وجهها المدنى. والزكاة التى هى من أركان الإسلام واجب شرعى قطعى له دوره المدنى بامتياز. والوقف نموذج آخر للتصرف الذى ينطلق من الوازع الدينى لكى يصب فى المحيط المدنى. وقل مثل ذلك على ما حصر له من التكاليف التى تعتبر ان عمارة الدنيا سبيل وجسر يراد به وجه الله فى الآخرة. ناهيك عن أن توظيف الطاقات الدينية لأجل تحقيق أهداف المجتمع ومصالحه العليا، يضمن بلوغ تلك الأهداف بالكفاءة المنشودة. علما بأن الحضارة الإسلامية لم تبلغ ما بلغته من علو إلا بفضل ذلك التوظيف الايجابى للمشاعر والطاقات الإيمانية لدى النخبة فى مجتمعات تلك المرحلة.

أما كون قسمة المدنى فى مقابل الدينى خطرة وضارة بالقوى المدنية ذاتها، فمرجع ذلك أن ذلك التضاد حين يستدعى الهوية الدينية فإنه يعطى انطباعا ان الدين هو موضوع الخلاف، وان القوى المدنية لا تعارض القوى الأخرى سياسيا، وانما تخاصمها لأنها دينية. وإذا شاع ذلك الانطباع بين عامة الناس، وسئلوا هل تصوتون للقوى الدينية أو المدنية فإن الأغلبية الساحقة سوف تجد فى العنوان الدينى عنصر جذب تصعب مقاومته. وستكون النتيجة ان تفقد القوى المدنية أصواتا كثيرة كان يمكن أن تكسبها لو أنها قدمت نفسها بصيغة أكثر قبولا.

وإذا وضعنا فى الاعتبار أن المرء يمكن أن يكون إسلاميا وديمقراطيا وليبراليا ومدنيا، وانه ليس صحيحا ان تلك الصفات حكر على العلمانيين وحدهم ولكنهم «استحوذوا» عليها لتقبيح غيرهم، فإنه انصافا للحقيقة فضلا عن أنه لمصلحة الليبراليين أنفسهم، يتعين أن يكون التصنيف على أساس الوجهة السياسية وليس الهوية الدينية ــ ولأننا بحاجة إلى الجميع من إسلاميين وليبراليين ويساريين وغيرهم، فليتنا نتحدث عن ديمقراطيين وغير ديمقراطيين، أو وطنيين وغير وطنيين أو ليبراليين ومحافظين.. وهكذا ــ ذلك أن هؤلاء وهؤلاء موجودون على الجانبين.

هناك ضرر آخر يصيب المجتمع لا نستطيع أن نتجاهله، وهو ان قسمة المدنيين والدينيين من شأنها أن تدفع الأقباط للاصطفاف إلى الأولين دون الآخرين، الأمر الذى له ارتداداته السلبية على لحمة المجتمع والسلام الأهلى. وإذا كان إخواننا هؤلاء لا يعبأون بما يصيب المجتمع فلعلهم يعيدون النظر فى مقولتهم، دفاعا عن مصلحتهم على الأقل. وان ظل الأمل معقودا على عقلائهم فى ان يضعوا مصلحة الجماعة الوطنية فوق أى اعتبار آخر.

المرشد العام يتحدى مرسي ووزير الأوقاف ويبدأ عقد لقاءات لمناقشة الأوضاع في مصر وسورية بمسجد
حسنين كروم
2012-10-03


 
القاهرة - 'القدس العربي'
 حفلت الصحف المصرية الصادرة امس بالعديد من المواضيع الخلافية، فقد نشرت الصحف تصريحات المتحدث العسكري العقيد اركان حرب احمد محمد علي، التي أكد فيها ان العملية نسر مستمرة، وتم ضبط أسلحة مضادة للدبابات، وأن حل القضية في سيناء ليس حلاً أمنيا فقط، وأن الجيش سيواصل العملية، وقد أخبرنا يوم الثلاثاء زميلنا وصديقنا والرسام الموهوب عمرو سليم في 'الشروق'، بأن كتب كلمة سيناء ضخمة وباللون الأحمر، وتحتها الرئيس مرسي يقول عن الفزورة:
- قطعة غالية علينا من خمسة حروف، لو طنشنا على اللي بيحصل فيها حتروح مننا، تبقى إيه؟ بس عرفتها، سورية.
أيضاً فقد تواصلت الإضرابات والاعتصامات الفئوية. وإلى شيء من أشياء كثيرة لدينا:

المرشد يعقد لقاءات سياسية بمسجد للأوقاف

أخطر الأخبار والموضوعات في صحف مصر امس - في رأيي - لم يكن لها أي بروز أو اهتمام، وأولها نشر 'الأخبار' خبرا صغيرا، في صفحتها الرابعة نصه هو: 'اقيم امس لقاء الثلاثاء لمرشد جماعة الإخوان المسلمين بمسجد خامس الخلفاء الراشدين بمصر الجديدة، حيث التقى د. محمد بديع المرشد العام للجماعة أمس بعدد من أعضاء الجماعة والمواطنين بحضور د. عطية فياض استاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بجامعة الأزهر، وتناول اللقاء آخر المستجدات على الساحة والوضع العام في سورية وغيرها من البلدان العربية، وكانت الجماعة قد قررت إعادة لقاء الثلاثاء الذي بدأ مع دعوة الإخوان على يد مؤسسها الشيخ حسن البنا'.
وخطورة هذا التصرف من المرشد، انه بينما كان المرحوم حسن البنا ثم المرشد الثاني المرحوم أحمد حسن الهضيبي يعقدان لقاء الثلاثاء في المقر العام للجماعة في حي الحلمية الجديدة القريب من قلعة صلاح الدين، وشارع محمد علي، وهو المبنى الذي تحول بعد حل الجماعة إلى مقر لقسم شرطة الدرب الأحمر، فإن المرشد بدلا من عقد اللقاء في المقر العام للجماعة في المقطم، فإنه يعقده في مسجد تابع لوزارة الأوقاف ويتحدث في أمور سياسية أي لا يتحدى رئيس الجمهورية بالتدخل في سلطاته، فقط وانما ليثبت ايضا ان وزير الأوقاف الدكتور الشيخ طلعت عفيفي من الإخوان رغم نفيه المتكرر، ورغم ادعاءاته بأنه لن يسمح باستخدام المساجد لأهداف سياسية. ولا اعرف ما اذا كان قادة الأحزاب السياسية الأخرى سوف يطالبون بالتمتع بنفس الميزة أم لا.

اطلاق مشروع إقليم قناة

السويس بذكرى حرب اكتوبر

وأما الموضوع الثاني الذي يفوقه أهمية، فكان الاجتماع الذي عقد بمقر الأبحاث بهيئة قناة السويس في الإسماعيلية بحضور رئيسها مهاب مميش مع وزراء الإسكان والنقل والصناعة ومحافظي السويس والإسماعيلية وبورسعيد، لبحث الإعلان بمناسبة حرب أكتوبر عن مشروع محور إقليم قناة السويس، وفي ذات اليوم، هللت صحيفة حزب الإخوان 'الحرية والعدالة' للمشروع بإشارة ضخمة عنوانها - تفاصيل مشروع قناة السويس ورسم كروكي على حوالى خُمس الصفحة لا أحد يفهم منه شيئاً معتز ودنان وعرفة أبو المجد، قالا انه أول مشروع قومي من مشاريع النهضة، وقد ابتلاني الإخوان بالقراءة المتأنية له رغم اني سبق وقرأته، من أيام خطط جمال مبارك وشلته، ولا جديد فيه، ولكن المغزى هنا ان الإخوان أكدوا على عجل اجتماعا وزاريا، ورسومات كروكية نشرتها جريدتهم، مما يؤكد انه تم اعدادها في اللجنة الاقتصادية للحزب، لكن الجديد هو ان ربك اوقع هؤلاء الناس في شر اعترافاتهم بما يتفقون عليه سرا لبيع البلاد، واستئناف مسيرة جمال مبارك وشلته، ذلك ان وزير الإسكان الدكتور طارق وفيق قال، نقلا عن زميلينا في 'الشروق'احمد عبدالحفيظ وأميرة محمدين: 'سيتم تأسيس شركة قابضة عالمية لإدارة المشروع وسيكون هناك إطار قانوني لإدارة المشروع وتنفيذه والحكومة بدأت في تلقي طلبات عقود للاستثمار في هذه المنطقة'.

مفتي الإخوان يكشف الحسد السياسي لمرسي

ونبدأ بالرئيس والمعارك العنيفة الدائرة حوله، ضده أو معه، ومن الذين ساندوه كان مفتي جماعة الإخوان، والذي يخططون لأن يتولى مشيخة الأزهر، الدكتور عبدالرحمن البر، الذي كتب مقالا يوم السبت في 'الحرية والعدالة' عنوانه - الحسد السياسي - حدثنا فيه عن أن الحملات التي يتعرض لها الرئيس سببها الحسد، وأخذ يدعم اكتشافه بالآيات القرآنية، وأبيات الشعر، ومما قال: 'ما تكرر ذكره في المواقع الالكترونية وذكرته بعض الصحف من أن نائب رئيس شركة 'أوراكل' الأمريكية وأحد أعضاء الوفد الاقتصادي الأمريكي الذي زار مصر قبل أسبوعين تقريبا قال: المعارضة المصرية أعطتنا صورة سلبية ولقاءاتنا بالحكومة بددتها، وهو يشير إلى ما سبق أن نقله بعض المشاركين في هذا الاجتماع عن بعض السياسيين وبعض مرشحي الرئاسة السابقين من التيارات السياسية الليبرالية واليسارية الذين انصب اهتمامهم في الحديث على تخويف الوفد الاقتصادي من عدم الاستقرار في البلاد وعدم استتباب الأمن وقرب قيام ثورة على الرئيس مرسي وكأنهم يقولون لهم بالمختصر المفيد خذوا أموالكم واذهبوا باستثماراتكم إلى بلد آخر وأسرعوا بالهرب من مصر المضطربة، والعاقل تستبد به الحيرة من هذا المنطق الخالي من المسؤولية الذي يدل على أن بعض هؤلاء السياسيين يعملون على إفشال وسقوط الرئيس مرسي أكثر مما يعملون على إنقاذ البلاد ويرون أن سقوط البلاد أمر لا بأس به إذا اقترن به سقوط الرئيس مرسي ومشروع النهضة الذي يدعو إليه ولا أرى تفسيراً لهذا التصرف وأشكاله إلا الحسد وإنه يصدق عليهم قول القائل، حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه.
فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
حسداً وبغياً إنه لدميم
من الواضح أن النجاحات التي يحققها الرئيس مرسي والتوفيق الإلهي الذي يحالفه في كثير من القرارات التي يتخذها محلياً وإقليمياً ودولياً تثير الكثير من حسد أولئك الذين يتمنون له الفشل، لست هنا في مقام المتملق أو المدافع عن الرئيس أو المبرر لأي أخطاء قد يرتكبها هو أو الجهاز الذي يستعين به ويعمل معه لكنني أردت فقط التنبيه على خطر وخطأ هذا المسلك الموغل في التشويه والدعوة إلى الاعتدال في النقد، فليس الرئيس إلا واحداً منا غير أنه أثقلنا حملا وأعظمنا بين يدي الله مسؤولية ومن واجبنا نحوه أن ننصحه وأن نقوم انحرافه وأن نصحح خطأه وأن ننتقد غير النافع من سياساته وأن ندفعه إلى الشفافية في قراراته وأن ندعوه لتقويم المعوج من أعوانه واستبداله المنحرف من وزرائه وجهازه.
لكن من حقه ومن واجبنا أيضاً أن نثني على القرارات الصائبة التي يتخذها وأن نلتمس العذر له عن الأخطاء غير المقصورة التي قد تقع منه أو من بعض أعوانه'.

من حرض المستثمرين

الاميركان اخواني وليس صباحي

وعلى فكرة فنحن نوافقه على حكاية الحسد، وهو مذكور في القرآن، وهناك وصفة لمنعه، وهي قراءة المعوذتين ، مذكور أيضاً في الأمثال الشعبية، مثل العين فلقت الحجر، وفي الأغاني أيضاً، مثل عين الحسود فيها عود يا حلاوة، عريس قمر وعروسته نقاوة، وأغنية رشوا الملح عليه م العين.
لكن الذي لا نوافقه عليه هو أن لا يقول الصدق في الواقعة التي ينسبها إلى زميلنا وصديقنا والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية، حمدين صباحي، دون أن يذكر اسمه، والادعاء بأنه حرض رجال الأعمال الأمريكان، وللأسف فالذي أطلق هذه الكذبة شخص إخواني، وكذبها على الفور وبرجولة ونزاهة رئيس اللجنة الاقتصادية، بحزب الحرية والعدالة الذي كان حاضراً الاجتماع، وأشاد بمواقف حمدين، وحين يأتي بعدها بأكثر من اسبوع مفتي الجماعة، وشيخها الذي تريده للأزهر، ويدعي بغير ذلك، فماذا نقول عن أي فتوى تصدر عنه، خاصة وأنه أفتى مقدماً بأن هناك توفيقاً إلهياً يحالف الرئيس في كثير من القرارات، أي أن هناك عددا قليلا من القرارات يتخلى فيها الله عنه، أو يتخلى هو عن الله فيها لذلك لا يوفقه، أي يوحي إليه بها شياطين الانس، وهو قد حددهم بعبارات واضحة بقوله بالنص: 'ومن واجبنا نحوه أن ننصحه وأن نقوم انحرافه وأن نصحح خطأه، وأن ننتقد غير النافع من سياساته، وأن ندفعه الى الشفافية في قراراته، وأن ندعوه لتقديم المعوج من أعوانه واستبدال المنحرف من وزرائه وجهازه.
وفي رأيي أن هذه عبارات عنيفة جدا، جدا نحو الرئيس من عضو مكتب إرشاد ومفتي للجماعة، وتكشف عن خلافات خطيرة جدا، وأن الرئيس يفلت من سيطرة المكتب عليه، ولو كان الأمر أمر نصيحة، لاستخدم عبدالرحمن عبارات، مثل النقد للرئيس جائز أو يحدد خطأ ما في قراراته، أما أن يستخدم تعبيرات مثل انحرافه، وغير النافع من سياساته، وندفعه إلى الشفافية في قراراته بما يوحي انهم يشكون فيه، وتقويم المعوج من أعوانه بما يعني أن لهم اعتراضات على بعضهم، واستبدال المنحرف من الوزراء وجهازه بما يعني أن هناك من يستغلون سلطاتهم ومناصبهم لتحقيق منافع، ولا أريد أكثر من ذلك، في تفسير كلمة منحرف.
والسؤال الآن للمفتي، كيف جمع في الرئيس بين التوفيق الإلهي له والاتهامات المروعة التي يوجهها إليه؟

اتهامات لمرسي بالحديث عن انخفاض أسعار

المانجا لأن قيادات الإخوان يملكون مزارع لها

وحدث حادث شديد الغرابة إذ لم يلحظ البر أن هناك طابورا طويلاً من الحساد، على طريقة المطرب الراحل محمد عبدالمطلب في أغنية 'يا حاسدين الناس، مالكم ومال الناس' وأولهم كان زميلنا بـ'الجمهورية' عبدالنبي الشحات الذي قال في نفس اليوم: 'في يوم من الأيام، قال الشعب لماري انطوانيت اننا لا نجد الخبز يا جلالة الملكة، فقالت لهم: كلوا بسكويت واليوم يتكرر الموقف للشعب المصري يريد العيش والخضار فخرج علينا الرئيس مرسي قائلا: كلوا مانجا، على اعتبار أنها أرخص بكثير من الخضراوات والطماطم، وحتى لا يعتقد البعض اننا نصطاد في الماء العكر، ونتوقف عند جملة عارضة قالها الرئيس في سياق حديثه الطويل لقناة النيل لـ'الأخبار'، أود أن أؤكد أن نفس الجملة كررها السيد الرئيس في لقائه بأبناء الجالية المصرية بإيطاليا خلال زيارته الأخيرة هناك حيث قال لهم بالنص: 'المانجو وصلت 3 جنيهات والعويس بـ10 جنيهات والمحصول جيد'، وبعدين هي المانجا بقت لمستوى الحالة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الناس.
طيب والنبي إيه الفارق بين هذا التصريح وبين تصريح الأخ أحمد عز مفجر ثورة الفساد في مصر ومهندس تنظيم الحزب الوطني المنحل حينما خرج علينا وقال: 'فقر إيه اللي انتو بتقولوا عليه ما تشوفوا كم عربية دخلت مصر وكل الناس دلوقتي بقت تركب عربيات، قطعا هذا الكلام العبيط آثار غثيان الناس في الشارع حينذاك واليوم يخرجون علينا ببدعة جديدة وكأن النظام القديم وفر لنا الكوسة والنظام الجديد وفر لنا المانجا'.

مرسي يعيد كابوس سيارات مرافقي الرئيس

والثاني كان في اليوم التالي - الأحد - وهو زميلنا وصديقنا بـ'الأهرام' صلاح منتصر الذي حكى لنا عن رسالة تلقاها، قال: 'رسالة 'أ. ر' الذي اراد إخفاء اسمه حتى لا يضعه المسؤولون عن موكب الرئيس في أدمغتهم وهم قادرون على معرفة عنوانه من اسمه، تقول الرسالة، أسكن في شارع الميرغني بمصر الجديدة الذي تجتازه السيارات بسرعة لا تقل عن ستين كم في الساعة وكما نعاني قبل الثورة من تقليد سيىء للغاية وهو إغلاق المرور في هذا الشريان بواسطة شرطة الرئاسة عدة مرات في اليوم لكي ينساب موكب الرئيس السابق بسرعة الريح جيئة وذهاباً، وقد سعدنا باختفاء هذه الظاهرة الفرعونية منذ تنحي مبارك، اليوم 'الأحد 23 سبتمبر 2012' في حوالى العاشرة صباحا فوجئنا بقطع المرور في شارع الميرغني لكي يسمحوا لموكب الرئيس مرسي بالانسياب السريع عائدا من المطار الى مقره في مبنى الاتحادية 'مكتب الرئيس' المطل على الميرغني، والمفاجأة ان الرئيس مرسي لم يكن في الركب حيث كان قد استقل الطائرة إلى نيويورك، وأما هؤلاء الذين أغلقت شرطة المرور أو الرئاسة من أجلهم الطريق أمام المواطنين فكانوا سائقي الركب العائدين من المطار بسياراتهم الخالية إلا من بعض الموظفين، يعني لم نكتف بركب الرئيس في طريقه للسفر وإنما زاد عليه ركب السائقين وهم عائدون وتعطيل المرور مجاملة لهم ومزيداً من تعذيب المواطنين'.

مرسي رجل ثرثار يخرج من خطاب إلى خطاب

وترك صلاح الطابور ليتقدم زميلنا وصديقنا عبدالحليم قنديل رئيس تحرير 'صوت الأمة' ليقول لعبد الرحمن البر: 'الرئيس محمد مرسي رجل ثرثار يخرج من خطاب إلى خطاب وإذا عزت عليه المناسبة افتعل مناسبة وقد حول مناسبة صلاة الجمعة إلى فرصة أسبوعية إضافية للكلام، لا يذهب ليؤدي سنة التعبد الخاشع بصلاة الجمعة بل ليحولها إلى استعراض ديني ودنيوي، يرائي فيه الناس بصلاته ويحيط نفسه بآلاف من الجنود والضباط ويمنع آلاف المصلين من الصلاة في مساجد كبرى ويحمل أوزار وذنوب الجنود والمصلين الذين يحول وجوده وحراسته دون صلاتهم.
هذا بالطبع فوق تكليف ميزانية الدولة الخاوية ثلاثة ملايين جنيه أسبوعيا لتأمين صلاة سيادته '!' وبعد مرور مائة يوم على تنصيبه لا يزال مرسي يتصرف وكأنه في حملة انتخابية يطلق الوعود والتعهدات ويردد الاكليشيهات المحفوظة ودون أن يتذكر وعوده أيام كان لا يزال مرشحا للرئاسة لا يتذكر حكاية المائتي مليار دولار التي ستهبط على مصر فور انتخابه، ولا ملايين الأفدنة التي قال انها جاهزة للزراعة فورا و'عنده ميتها' ولا مشروع النهضة الذي تبين أنه مطب هواء ولا حكاية التعهدات الخمسة التي وعد بانجازها في المائة يوم الأولى بعد تنصيبه وهي حل مشاكل الطاقة والمرور والأمن والعيش والنظافة وقد مرت المائة يوم ودون أن تحل مشكلة واحدة ولا حتى جرى التقدم لحل المشكلة واحدة سنتيمترا واحدا بل زادت الطينة بلة وتحول المشهد العام إلى فوضى شاملة وزادت بركات مرسي المشاكل تعقيدا وأضيفت للأزمات الخمس التي وعد بحلها أزمات أخرى ومن نوع انقطاع المياه وتسمم مياه الشرب ولأن الذي يكذب ينسى ولا يعمل دائماً بالحكمة القائلة 'إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً'، فإن مرسي لا يكاد يتذكر الوعود الخمسة ويتذكر - فقط - بحسب تصريحاته المتكررة أنه تربى في جماعة الإخوان، وهكذا ثبت مرسي انه ابن حقيقي لقيادة الإخوان ومطيع نموذجي لأكاذيبها ومردد 'ببغاوي' لادعاءاتها عن العمل بشريعة الإسلام وهي الادعاءات التي ثبت عكسها بالضبط، فشريعة الإخوان هي شريعة البيزنس وقد مرت مائة يوم على حكم الرئيس الإخواني وهي فترة اختبار كافية والنتيجة على ما نعرف، فمرسي يكرر في أيامه الأولى ما فعله مبارك بالضبط في سنواته الأخيرة، كانت مصر 'عزبة خاصة' لمبارك وعائلته ومليارديراته وصارت 'غنيمة خاصة' لمرسي وجماعته ومليارديراتها إنها مائة يوم من الكذب'.

هل معقول ان يكذب الرئيس؟

وبعده أطلت علينا الجميلة نوارة نجم بطلعتها البهية لتقول في 'التحرير': ' 'لن أخون الله فيكم' هكذا ختم الرئيس محمد مرسي خطابه الأول بعد حلفه اليمين الدستورية، مشكلتي أنني أصدق الناس، يعني راجل كبير واستاذ في الجامعة ومعلم أجيال ويصلي ويشركنا معه في كل فريضة يؤديها، الرئيس صلى الفجر، الرئيس صلى الضهر، الرئيس ابتسم في وجه أحد حرسه فبكى كل من في القصر الجمهوري، معقولة بعد كل ده يكذب؟ ده حتى عيب يعني وشكله قدام عياله حيبقى وحش، لكن ما يحدث في سيناء من مهازل يهدد الأمن القومي المصري حيث ان الاشتباكات تقتصر على الطرفين إسرائيل والجماعات المسلحة بينما تقف قواتنا المسلحة المصرية التي برعت في الفندقة والمكرونة وتعبئة زيت الزيتون والحلل والطاسات تشجع اللعبة الحلوة، وملبسنا كلنا الطاسة رسمي، التهديدات انهالت على ثلاثين أسرة مسيحية بينما تم الاعتداء على محل مملوك لأحد المواطنين المسيحيين وبدلا من أن يقوم جهاز المخابرات المصري بدوره في تتبع التهديدات الموجهة بشكل طائفي لاشعال الفتنة في مصر وإفزاع المواطنين أو أن تقوم قوات الأمن أو الجيش بحماية المواطنين وإشعارهم بالأمن الذي يستتبع الشعور بالانتماء اهتم جل الناس بوصف تهجير الأسر المسيحية بـ'الطوعي'!
تهجير وطوعي! ده زي سرقة بالتراضي واغتصاب بالتوافق'.

هجرة الأقباط وأمن رفح

وقبل أن أترك هذا الموضوع إلى غيره سمعت صوتاً آتيا من السحر، يقول، كوسة، كوسة، وكان لزميلنا محمد الدسوقي سكرتير عام تحرير 'اليوم السابع'، وهو يصيح، كيف تتجاهلني وأنا قلت يوم السبت عن هجرة الأقباط وأمن رفح: 'غريبة أمر هذا الخجل، لماذا تأخر عن زيارة الرئيس محمد مرسي كل هذا الوقت؟ وغريبة أمر الرئيس محمد مرسي نفسه لأنه لم يعرف طريقه للكسوف بعد، رغم عجزه عن صد هؤلاء الذين أجبروا مواطنين آمنين على إخلاء منازلهم وترك ممتلكاتهم إلى حيث منطقة جغرافية أخرى، الأمر الحادث بخصوص تهجير أسر مسيحية من رفح استجابة لتهديدات الإرهابيين يشبه امتثالك وخضوعك وخنوعك أمام مجموعة من البلطجية وهم يدفعون أهل بيتك أو أبناء عمومتك للهجرة من منازلهم خائفين مروعين دون أن تستطيع سيادتك أن ترد عنهم كيد المعتدين، أننا لا نخشى على الرئيس محمد مرسي فهو الذي استشهد كثيراً بسيدنا عمر بن الخطاب وفترة حكمه ومنحنا الأمل في تطبيق تجربته وعدله وهو الذي قال لنا إنه لا ينام ولا يشعر براحة لو أن مواطنا مصرياً يعيش مظلوماً، وهاهم مواطنون يهجرون ويروعون وتدمر منازلهم وبيوت عبادتهم دون أن تهتز رموش الرئيس الذي ذهب ليمارس هوياته في الخطاب بعد صلاة الجمعة بأحد مساجد التجمع الخامس وكأن الملل يقتل أوقات فراغه'.

رأسمالية الإخوان

وإلى الإخوان وأخطر القضايا والملفات، وهي الاقتصاد وسعيهم للسيطرة عليه بواسطة تجارهم، وقد نشرت 'الأهرام' يوم السبت في صفحة - الاقتصاد والاستثمار - حديثا مع رجل الأعمال حسن مالك، الذي عينه الرئيس رئيساً للجنة التواصل بين الرئاسة ورجال الأعمال، ومما قاله مالك: 'ليس هناك جمعية تسمى 'تواصل' هي لجنة تم تشكيلها بمبادرة من رجال الأعمال أنفسهم والذين طلبوا عقب لقاء لهم برئيس الجمهورية أن يكون هناك تواصل يستمر مع الرئاسة، فكان رد الرئيس عليهم شكلوا لجنة تقوم بهذا الغرض، وتم تشكيل اللجنة بعد تطوير شكلها لتمثل جميع منظمات الأعمال في مصر وقد نطور فيها مستقبلا بما يحقق الغرض الأساسي لتشكيلها، اللجنة تتشكل من ممثلين اتجاه الصناعات والغرف التجارية وجمعية رجال الأعمال وشباب رجال الأعمال وقطاعات الكهرباء والتعدين والاتصالات والنسيج والمجتمع المدني، وقد نقبل عددا آخر حتى تمثل كل القطاعات، هذه اللجنة وجدنا أنها يمكن أن تؤدي دورين معاً دور تنسيقي بين جميع منظمات مجتمع الأعمال المدني كما تقوم في نفس الوقت بالتواصل مع مؤسسة الرئاسة.
وأتساءل هل من الأفضل أن يكون هناك تواصل معلن وشفاف معروف للناس مع الرئاسة، أم علاقات وصلات تدور في الخفاء؟ الإجابة لا تحتاج الى تفكير، وهي تقوم حاليا بعدة أدوار غاية في الأهمية حيث تنقل نبض قطاع الأعمال بالكامل لرئيس الجمهورية، ورفضنا أن تقوم اللجنة بنقل المشكلات فقط للرئاسة، ولكن عليها أن تقترح الحلول أيضاً بما لدى أفرادها من خبرات وذلك للمساعدة في اتخاذ القرارات الصحيحة بشكل صائب'.

قصة جمعية 'ابدأ'التي شكلها

الإخوان ويرأسها حسن مالك

والملفت للانتباه هنا أن زميلنا أحمد عبدالحكم لم يوجه إليه سؤالاً ضرورياً، وهو قصة جمعية ابدأ التي شكلها الإخوان ويرأسها حسن مالك، وتضم في عضويتها عدداً من رجال الأعمال تزايد عددهم بعد وصول الرئيس مرسي للحكم، بينما كان مفترضا أن ينضم هو الى منظمات رجال الأعمال الموجودة بالفعل، لا أن يؤسسوا منظمة جديدة، والغريب أن كل أهدافها التي أعلنت انها قامت من أجلها هي نفسها مسؤوليات وزارة التعاون الدولي، أي بصراحة، قامت حتى تحصل على منح والمعونات الأجنبية، أو جانب منها لحساب خلق طبقة من رجال الأعمال الإخوان باستخدام السلطة، أي انه لم يكن لرئيس الجمهورية الحق في أن يعينه مسؤولا عن لجنة للتواصل مع رجال الأعمال، وكان الأولى أن يعين واحدا من رؤساء المنظمات الموجودة والقوية وجاءوا بالانتخاب، لا رئيس منظمة حزبية حديثة، طالما يريد أن يكون همـــــزة الوصــل بينه وبين رجال الأعمال واحدا منـــهم، هـــذا رغم أن المهمة أصلا موجودة، وهي لوزير الاستثمار، ولأن حل أي مشاكل لرجال الأعمال المصريين والمستثمرين الأجانب هي مسؤولية الوزارة، لا الرئيس، الذي سيعرض نفسه للأقاويل باجتماعاته المستمرة مع المستثمرين، ليبحث مشروعاتهم أو مشاكلهم، وهي نفس الأقاويل التي ستثور حتماً عندما يعين زميلا له في الحزب رئيساً للجنة يتم اختراعها للتواصل مع رجال الأعمال والمستثمرين، وهي بالضبط نفس المهمة التي كان يقوم بها جمال مبارك، لكن بدون لجنة تواصل يشكلها والده.

امتلاك وزراء وقيادات 'الحرية والعدالة'

أكبر شركات الاستشارات الهندسية في مصر

وفي اليوم التالي - الأحد - نشرت 'الصباح' اليومية المستقلة، في أول عدد لها تحقيقا لزميلتنا الجميلة منة يحيى، جاء فيه: 'حصلت 'الصباح' على مستندات تكشف امتلاك عدد من وزراء حكومة الدكتور هشام قنديل وقيادات حزب 'الحرية والعدالة' لواحدة من أكبر شركات الاستشارات الهندسية في مصر والوطن العربي ومنهم الدكتور رشاد المتيني وزير النقل والدكتور مصطفى مسعد وزير التعليم العالي إلى جانب الدكتور عمرو دراج أمين عام الحرية والعدالة والدكتور عادل عبدالجواد رئيس المجلس الاستشاري لوزير التعليم العالي وعدد من قيادات حزب جماعة الإخوان المسلمين وهي شركة 'إجيك' للاستشارات الهندسية، مجموعة من الشركات في الإمارات والجبيل والرياض ومكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية وقطر وطرابلس بجانب الفرع الرئيسي في القاهرة.
وقال الدكتور عادل عبدالجواد رئيس المجلس الاستشاري لوزير التعليم العالي ورئيس القسم الهيكلي في الشرطة لـ'الصباح' أن وزيري التعليم العالي والنقل الحاليين تقدما باستقالتهما من مجلس الإدارة عقب تولي منصبيهما تبعاً للقانون إلا أنهما يحتفظان بحصصهما في الملكية، عضوية الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية في مجلس إدارة الشركة، وتابع متعجباً 'وما المانع في ذلك نحن أصدقاء وليس هناك ما يمنع الشراكة'.

شركة 'اجيك' للاستشارات الهندسية

وفي اليوم التالي - الاثنين - نشرت تحقيقاً آخر شارك في إعداده زميلانا عمار ياسر ومنة يحيى جاء فيه: 'كشف الدكتور مصطفى مسعد وزير التعليم العالي أنه لا يزال يحتفظ باستثماراته داخل شركة 'اجيك' للاستشارات الهندسية، وإنه استقال من مجلس إدارة الشركة عند توليه المنصب الوزاري تبعاً للقانون وهذه الاستثمارات لا تتعارض مع منصبه إنه ينتمي إلى حزب 'الحرية والعدالة' لكنه يتعامل بشكل حيادي داخل منصبه، يعامل جميع أعضاء هيئة التدريس والطلاب بشكل متساو تماماً وصداقاته لا تؤثر على قراراته، ان قراره عودة عمل المجلس الاستشاري لوزير التعليم العالي الذي يترأسه الدكتور عادل عبدالجواد رئيس القسم الهيكلي في شركة 'أجيك' يرجع إلى حاجته لمجموعة من المستشارين لأخذ الرأي بشأن قراراته ومواقف الوزارة.
وقال الدكتور رشاد المتيني وزير النقل انه قدم استقالته من مجلس إدارة 'اجيك' عقب توليه وزارة النقل تطبيقاً للقانون، أنه لا يزال يمتلك حصة في الشركة لكنه ترك الإدارة، وان وجوده في شركة ناجحة متخصصة في مجاله يدل على قدرته على النجاح في الوزارة وأن يترك عمله الخاص لخدمة البلاد ليس سبة، من جانبها قالت مصادر مطلعة: أن الدكتور المتيني ترك منصبه في الشركة ليخلفه ابنه الدكتور نور الذي يعمل حالياً بالمعهد القومي للنقل التابع لوزارة النقل'.

نعم الشعوب تستحق 

حكامها لكن إلى هذا الحد؟!

وبالإضافة لذلك، شاهدت في نفس اليوم وكلي ألم وحزن زميلنا بمجلة 'صباح الخير'، طارق رضوان، وهو يرفع يديه للسماء في إحدى صفحات 'التحرير' ويبكي بصوت عال، وهو يناجي ربه قائلاً: 'يا الله، لماذا تعاقبنا، ذلك العقاب وتنزل بنا تلك اللعنة، نعم الشعوب تستحق حكامها لكن إلى هذا الحد، فهذا هو العقاب الإلهي بحق ما يفعله الإخوان بمصر وبالمصريين لم يفعله اللصوص من قبلهم، من قال إني لص علانية لم يفعل بتلك الأمة وبشعبها المسكين مثلما يفعل الإخوان، الشعب داخل على مجاعة لا مفر، وهم لا يستحون أبداً، سيرفع الدعم تماماً، وتدريجياً وستشتعل الأسعار بجنون بما لا يتخيله أحد، رفع الدعم عن كل السلع المباشرة التي تمس كل المواطنين، لا فرق ما بين غني وفقير ولن يشعر أحد، هل شعر أحد بأن المياه ارتفعت أسعارها دون أن ندري؟ وهكذا سترتفع أسعار الكهرباء والطاقة بجميع فروعها ولن نلاحظ إلا عندما نجد الأسعار الغذائية، مرسي تكلم عن ان توفر المانجو في الأسواق دليل على الخير الذي يحمله الإخوان لمصر والذي يعمل البلاد، لكن أن يكون الإخوان هم ملوك مزارع المانجو في مصر فهنا لابد أن نتوقف عما يدار حولنا، فمهدي عاكف يمتلك مزرعة للمانجو هي من كبريات المزارع في مدينة الإسماعيلية.
هنا لابد أن نتحسس ما يقــــال وعندما نجد أن وزير التربية والتعليم الإخواني 'رغم أنه ينفي' هو وأخوه من كبار قيادات الإخوان ومسؤولي التعليم في الجماعة وللوزير كتيبات للتعليم تدرس لشباب الإخوان، عندما أجد هذا الرجل يسحب طبع الكتب الدراسية من المطبعة الأميرية ومن مطابع أخرى في الدولة لكي يطبع الكتب الدراسية في مطبعة الرحمة التابعة للإخوان'.
بدون تعليق


الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز رفقة مؤسس فايسبوك



التطبيع الالكتروني: فخ اسرائيلي لتضليل الشباب العربي

القدس المحتلة- 22 مليون عربى يستخدمون موقع التواصل الإجتماعى فيسبوك منهم 6 ملايين مصري، الأرقام السابقة مرت عليها معظم الحكومات العربية مرور الكرام لكن إسرائيل توقفت كثيراً أمامها ثم خططت ونفذت.

فقد أصبح فيسبوك بالنسبة للدولة الصهيونية أسهل طريقة مجانية للتواصل مع ملايين الشباب العربي للتطبيع والترويج وطرح الأكاذيب متجاوزين حاجز اللغة.

وقامت إسرائيل مثلما ورد في تقارير صحفية بتدشين عدد كبير من الصفحات الموجهة على فيسبوك تقول "إنها مصدر للمعلومات عن إسرائيل تطلع الجمهور العربي على نشاطاتها وما يحدث بالفعل هناك بعيداً عما تعرضه شاشات المحطات الفضائية العربية".

وتحرص الصفحات على تجميل وجه الكيان الصهيوني وإبراز وجه إنساني متسامح متقدم علمياً واقتصادياً.

إسرائيل دون رقابة

صفحة انضم اليها مليون شخص تقريبا وتنشر موضوعات صحفية تبرز الجانب "الجيد" لاسرائيل، منها مثلاً تحقيق عن دورات لتعليم اللغة العربية فى إسرائيل استفاد منها 70 ألف يهودي كما تعرض الصفحة أغان عبرية "مسروقة من التراث المصري" تفيض كلماتها بمعاني السلام والمحبة وعقدة الاضطهاد التى يعاني منها اليهود.

وتنشر الصفحة أيضا موضوعات تشجع الشباب العربي على زيارة إسرائيل للسياحة

اضافة الى عشرات الموضوعات الدعائية التي تقدم اسرائيل على أنها " جنة الله في الأرض".

ويستغرب الكثيرون من الأسلوب الجديد الذي تقدم به إسرائيل نفسها للشباب العربي .. وهو وجه التسامح الذي وصل لدرجة أن اخصائية تغذية كتبت مقالاً عنوانه مستوحى من حديث نبوى شريف عنوانه "صوموا تصحوا".

ونشرت الصفحة كذلك حواراً مع مطربة من أصل عربي اسمها نسرين قدري فازت في مسابقة الاغاني على القناة الاسرائيلية الثانية "إيال جولان يناديك"، وكانت نسرين فخورة بأن جمهورها في معظم الحفلات التي تحييها هو من اليهود وليس العرب.

والملفت عموماً في هذه الصفحة أنها توهم نحو مليون شخص يشتركون فيها ويتابعون كل لحظة موضوعاتها أن إسرائيل لها وجه آخر بعيد عن مشاهد الحروب والدماء والاحتلال.

إسرائيل تتكلم بالعربية
هي صفحة "فيسبوك" الرسمية لإسرائيل باللغة العربية، وقد أنشأتها وزارة الخارجية الإسرائيلية لتجميل وجه السياسات الإسرائيلية أمام الشباب العربي المشترك في الصفحة الذي يتابع أخبارها.

ومن الموضوعات المنشورة مؤخراً على هذه الصفحة مقال بعنوان "الإرهاب سلاحٌ ذو حدين" كتبه محلل سياسي اسمه شاؤول منشه، وبعيداً عن المهاترات التي كتبها بخصوص رعاية كل الدول العربية للإرهاب الفلسطيني، حسب تعبيره فقد اختتم مقاله بالآية القرآنية "أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً " صدق الله العظيم.

عربيل صوت اسرائيل

صفحة تابعة لراديو وتليفزيون إسرائيل، وتعرض عشرات البرامج الإذاعية والتليفزيونية باللغة العربية بشكل ظاهرها الموضوعية لكنها فى الواقع برامج موجهه ومبالغ فيها أيضاً، لكن اللافت هنا أن برامج الإذاعة على الصفحة تعتمد على لغة شبابية ولهجة مصرية .. مثل برامج " صحصح مع شادي"، "واحد إكس اتنين"، "يوم جديد"، "كلام من دهب".

بل ويوجد برنامج ديني يحظى بمتابعة كبيرة اسمه "نور على نور"، وحسب وصف الصفحة اليهودية للبرنامج فإنه "وقفة اسبوعية مع الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة نناقش من خلالها قضية اجتماعية مع أحد المشايخ الافاضل لحث الناس على الالتزام والتقرب إلى المولى عز وجل بما يعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم"!

قرآن. نت

أطلق باحث إسرائيلي بالتعاون مع طلابه موقعاً عبر الإنترنت يهدف إلى معالجة مشاكل الحياة اليومية من منظور قرآني.

ونقلت شبكة سي إن إن عن أستاذ الكلية الأكاديمية العربية للتعليم في جامعة حيفا البروفيسور عوفر جروسبارد قوله "نسعى إلى تحويل القرآن إلى أداة عصرية، ليجد كل شخص جواباً على أسئلته في النص القرآني من جميع النواحي النفسية والتعليمية".

ويقسم الموقع فصول من القرآن إلى مواضيع مثل "الخسارة، والمرض والمأساة،" ويقدم إجابات لهذه الأسئلة، مثل "هل الخسارة ذريعة للعدوان؟" و"ماذا نقول لشخص يرفض قبول بادرة للسلام؟".

ويعرض الموقع الإجابة على تلك الأسئلة مع الآية القرآنية ذات الصلة، تليها تعليلات نفسية للمسألة.

وقال القائمون على الموقع من خلال مقدمة كتبت على صفحاته: "يحوّل قرآن نت القرآن الكريم إلى أداة معاصرة وعملية تحت تصرف كل والد وكل معلم، وبذلك يضع الموقع القرآن الكريم وتوجيهاته العظيمة لخدمة جميع البشر بطريقة لم تكن متاحة حتى الآن".

وقال جروسبارد "الفكر الغربي والتفسيرات النفسية لا تصلح عند معالجة القضايا العربية، والطريقة الوحيدة لمعالجة تلك القضايا تكمن في القرآن".

ويرى المراقبون أن هذا الموقع وما يتبعه من مواقع أخرى ما هو إلا "أجندة سياسية" مرسومة بدقة من إسرائيل، للسيطرة على الثقافة العربية والإسلامية.


مشعل مرشح أمير قطر لخلافة القرضاوي

أمير قطر يفرض "مشعل" لخلافة القرضاوي

 
غزة - علمت "العرب" أن سبب انسحاب خالد مشعل من رئاسة المكتب السياسي لحماس لا يعود إلى كونه تعب من "النضال" ويريد أن يرتاح بل لأن مهمة أكبر تنتظره في التنظيم الدولي للإخوان.

وقالت مصادر مقربة من دوائر صنع القرار في حماس إن أبا الوليد "مشعل" من المنتظر أن يكون الشخص الأول في التنظيم الدولي للإخوان.

وأضافت المصادر أن دور مشعل سيتغير من دائرة الاهتمام بحماس والقضايا الفلسطينية ليصبح خليفة للقرضاوي اعتمادا على علاقته الجيدة بقطر، حيث ينتظر أن يتصدى لترتيب البيت الإخواني الدولي ليسير وفق ما تريده الدوحة.

وقالت المصادر إن قطر رشحت مشعل لعدة أسباب منها قدرته على الخطابة والتسويق الإيديولوجي، ونجاحه في ربط علاقات بالفصائل الفلسطينية.

لكن أهم تلك الأسباب هو قربه من أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واستعداده لتحقيق ما يطلب دون نقاش.

وذكرت المصادر أن أمير قطر رشح مشعل لخلافة القرضاوي بعد أن دبّت الخلافات داخل التنظيم الدولي حول من يخلف القرضاوي.

وكانت مصادر مقربة من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أكدت في تصريحات سابقة لـ"العرب" أن حجم الخلافات داخل القيادات المؤثرة بالاتحاد، والغضب الذي يسود الأوساط المقربة منه والداعمة له، انتهى إلى معارك وانشقاقات من وراء الستار.

فهناك صراع محموم لخلافة القرضاوي على رأس الاتحاد بين مجموعة من القيادات خاصة بين السعودي سلمان العودة والتونسي راشد الغنوشي والموريتاني محمد حسن ولد الددو، وأن القرضاوي يدعم ترشح التونسي راشد الغنوشي.

لكن رأي أمير قطر المنحاز إلى خالد مشعل سيلغي بالتأكيد طموحات الغنوشي والعودة والددو في خلافة القرضاوي رجل قطر الأبرز في الاتحاد.

يشار إلى أن اتحاد علماء المسلمين يتعرض إلى حملة نقد شديدة من منتمين إلى بعض فصائل "الإسلام السياسي"، ومن علماء مستقلين، بسبب انحيازه إلى قطر ما يضيّق على نشاطهم في دولهم، ويفقدهم خاصة الدعم السعودي.

ويواجه التنظيم الدولي للإخوان "والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إحدى واجهاته" خلافات كثيرة بسبب المواقف من ثورات "الربيع العربي" التي انتهت في صف أميركا سواء مباشرة، أو عبر وكلائها بالمنطقة مثل قطر.

وينتظر المراقبون أن تخرج تلك الخلافات إلى العلن خاصة أن الإخوان بدأوا ينهضون بنفس الدور الذي أداه الحكام السابقون مثل مبارك وبن علي، من خلال حراسة المصالح الأميركية، والاصطفاف داخل حلف واشنطن بالمنطقة.

وجاءت حوادث الاعتداء على السفارات الأميركية بمصر وليبيا وتونس لتؤكد حرص الإخوان على أن يكونوا مع أميركا ومصالحها وليس ضدها.

وقدمت قيادات إخوانية من مصر وتونس وليبيا اعتذارها لواشنطن عما حدث، وتعهدت برعاية أكبر للمصالح الأميركية، بينما هددت واشنطن بوقف المساعدات المالية والعسكرية على دول "الربيع".

يشار إلى أن خلافات قوية ثارت صلب قيادات حماس بسبب الموقف من سوريا، فهناك من ظل يعتبرها حليفا "ممانعا" و"مقاوما" وعلى حماس أن تكون معها، وهذا الفريق يمثل أقلية داخل الحركة.

وهناك شق ثان أدار لدمشق الظهر، وتناسى دعمها الدبلوماسي والأمني للحركة، وانحاز إلى طبيعته الإخوانية البراغماتية، وانسحب من دمشق وصار مع التدخل الخارجي للإطاحة بالنظام.

وتقول مصادر مقربة من قيادات الحركة إن خليفة مشعل على رأس حماس سيكون من الخط البراغماتي الذي يمد يده إلى واشنطن كما امتدت أيادي الإخوان في تونس ومصر وليبيا إليها.

وترشح ذات المصادر أن يكون ابو مرزوق هو الخليفة المنتظر لمشعل الذي رفض كل الضغوط "الإخوانية" للبقاء على رأس حماس.

وقال مسؤول كبير في حماس يقيم في الخارج طلب عدم ذكر اسمه ان اختيار رئيس الحركة سيكون "بعد اجتماعات تعقد في تشرين الثاني/نوفمبر بعد عيد الاضحى".

ورأى "في حال انتخب أبو مرزوق وهو الأوفر حظا، على القيادة أن تقرر أين سيكون مقره الدائم" مضيفا أن ابو مرزوق موجود في القاهرة "بصفة غير رسمية ويمكن اعتبار العاصمة المصرية مقرا مؤقتا لاستضافته، مثلما هي قطر حاليا بالنسبة الى مشعل، لحين رسو سفينة الثورات العربية".



فى انتظار خطة معلنة للإنقاذ



أفهم أن تختلف النخب المصرية فى الإجابة عن السؤال: إلى أين نحن ذاهبون، ولكن حين يحدث ذلك مع بعض المسئولين الكبار فى الدولة فمعناه أننا تائهون:
 
(1)
 
ذلك حدث معى على الأقل، حيث تحدثت مع عدد منهم  أحتفظ بأسمائهم  فلاحظت أن كل واحد منهم مستغرق فى تفاصيل الموقع الذى يشغله، لكنه ليس على ثقة من وجهة السفينة التى هو جزء منها. الأمر الذى أعطانى انطباعا بأن الخرائط الكلية لم تتبلور بعد وأن الرؤية الاستراتيجية للحكومة لا تزال تحت التشكيل. وهو أمر لا يفاجئنا حين يكون الرئيس قد تسلم مهامه منذ ثلاثة أشهر فقط، وحين يكون عمر الحكومة كلها لا يتجاوز شهرين، إلا أنه يقلقنا ويصدمنا إذا استمر لوقت أطول.
 
لقد قيل لى إن رئيس الجمهورية ينام ثلاث ساعات فقط فى اليوم، وأنه عاد من رحلته الآسيوية إلى القاهرة فى الساعة الخامسة مساء. ثم استدعى مساعديه إلى مكتبه فى الساعة السابعة، علمت أيضا أن رئيس الوزراء يعقد فى المتوسط عشرة اجتماعات فى اليوم، وأنه يذهب إلى مكتبه من الثامنة أو التاسعة صباحا، فى حين يبدأ اتصالاته الهاتفية من بيته بعد طلوع الشمس، نحو السادسة صباحا، وبسبب غرق كل منهما فى المهام الموكولة إليه، فهمت من المساعدين لهما أن كلا منهما لا يحسب رحلاته إلى الخارج بالأيام ولكن بالساعات، وقد استغرقت رحلة الرئيس مرسى إلى طهران سبع ساعات، فى حين أن رحلته الأخيرة إلى أنقرة طالت بعض الشىء حتى استغرقت 12 ساعة.
 
ربما يعتبر البعض ذلك من قبيل التفانى فى أداء العمل والإخلاص الزائد فى تحمل المسئولية، وهو ما أحسبه كذلك ولا أشك فى أنه يتم بنية صادقة وصافية. لكن ذلك لا ينفى أنه يعد من علامات قلة الخبرة بالإدارة أو سوئها،. وكان تعليقى على ما سمعت من معلومات عن الجهد الكبير الذى يبذله الدكتور مرسى ورئيس وزرائه الدكتور هشام قنديل، أنه ربما كان من المفيد والجيد أن يظل المرء يركض طول الوقت، ولكن الأهم أن يترتب على الركض تقدم إلى الأمام.
 
(2)
 
فى الأسبوع الماضى فاجأنا وزير المالية ببيان غير مألوف لأنه لم يجاملنا فيه، قال الرجل إن ثمة عجزا فى موازنة السنة المالية 2011/2012 يبلغ 170 مليار جنيه فى حين أنه كان مقدرا ألا يزيد العجز على 134 مليار جنيه. وذلك معناه أن هناك نحو 36 مليار جنيه زيادة فى العجز لم تكن فى الحسبان. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك العجز مصدرها زيادة الأجور التى تمت تحت ضغط مطالبات الفئات المختلفة. فقد تبين أن بند الأجور وصل إلى 122 مليار جنيه فى حين كان المستهدف 110 مليارات فقط، وهو ما يعنى أن الاستجابات التى تمت حمَّلت الميزانية عبئا قدره 12 مليار جنيه. هناك أيضا أسباب للعجز تمثلت فى انخفاظ الموارد العامة للدولة خصوصا الموارد الضريبية نتيجة توقف النشاط الاستثمارى والإضرابات والاعتصامات العمالية، الأمر الذى أدى إلى تراجع إيرادات الدولة. عن السنة المالية الحالية (20122013) قال الدكتور ممتاز السعيد إن مصروفاتها تقدر بمبلغ 533 مليار جنيه، فى حين أن الإيرادات فى حدود 392 مليار جنيه. وهو ما يعنى أن موارد الدولة لا تغطى سوى 74٪ من مصروفاتها  يعنى أيضا أن مصروفات الدولة فى السنة المالية الحالية التى تمثل 135 مليار جنيه، لا توجد لها إيرادات تغطيها. الأمر الذى تضطر معه الدولة للجوء إلى الاقتراض، الذى يترتب عليه زيادة الدين العام.
 
لم تكن صراحة البيان هى الملاحظة الوحيدة عليه، ولكن عدم الاهتمام الإعلامى به، إلى حد تجاهله من جانب بعض الصحف، كان ملاحظة أخرى مثيرة للدهشة. وفى كل الأحوال فإنه يحسب له أنه واجه الرأى العام بجرأة مطلوبة لوضع الناس فى الصورة كما يقال. صحيح أن بعض الوزراء  منهم وزير التعليم مثلا. أعلن للمطالبين بزيادة أجورهم أنه لا توجد لديه فلوس تمكنه من أن يلبى ما يطلبونه. إلا أننا لا تزال نفتقد الشفافية والمصارحة فى مخاطبة المجتمع، الأمر الذى يبدو معه ذلك الخطاب الذى مررنا به استثناء لا يحتمل التعميم.
 
وإذ تقدر مبادرة وزير المالية إلى مصارحة الرأى العام بحقائق الوضع الاقتصادى إلا أننا لابد أن نلاحظ أنه وضعنا فى صورة المشكلة ولم يتطرق إلى الحل. وهو يعذر فى ذلك لأن مفتاح الحل ليس بيده. ولكنه يكمن فى جوهر سياسة الحكومة ورؤيتها الاستراتيجية للتعامل مع الوضع الاقتصادى فى مجمله.
 
(3)
 
أمضيت الأسبوعين الآخيرين فى حوارات مع بعض الخبراء حول معالم الرؤية الاستراتيجية التى ينبغى الانطلاق منها للتعامل مع الأزمة الراهنة فى مصر، ولم يكن هناك اختلاف فى الرأى حول ضرورة اتباع سياسة المصارحة التى تجعل الرأى العام ونخبه المختلفة على إدراك كاف بحقائق الأوضاع الداخلية أولا بأول، ليس فقط التزاما بحق الناس فى المعرفة ولكن أيضا لإشراك الجميع فى المسئولية إزاء ما يجرى.
 
الرؤية التى توافقنا عليها خلصت إلى مطلبين ضروريين فى المرحلة الراهنة هما: إعلان برنامج للإنقاذ الاقتصادى يراعى التقشف الذى تبدأ فيه الحكومة بنفسها  وإطلاق طاقات الشعب المصرى واستدعائه لكى يقف فى الصف الأول لجبهة مواجهة الأزمة.
 
●● فيما خص الإنقاذ الاقتصادى تثار العناوين التالية على سبيل المثال:
 
 تخفيض وترشيد الإنفاق الحكومى والحد من صور الإسراف، التى منها الحد من سفر الوفود الرسمية التى تؤدى مهام تستطيع السفارات أن تنجزها  إعادة النظر فى المكاتب الفنية الملحقة بالسفارات والتى قيل لى إن ما يصرف عليها يعادل ميزانية وزارة الخارجية كلها  إعادة النظر فى أوجه الإنفاق التى تذهب إليها حصيلة الصناديق الخاصة وقدرت بمبلغ 36 مليار جنيه  النظر فى استثمار 53 قصرا رئاسيا و400 سيارة مرسيدس مخزنة فى الرئاسة ويتم تجديدها بين حين وآخر.
 
   الجدية والحزم فى تطبيق الحد الأقصى للدخول الذى لا تزال الحكومة تتراخى فى تنفيذه وعاجزة عن وضع يدها على الخريطة الحقيقية له على أرض الواقع، نظرا لتلاعب كبار المسئولين ومراوغتهم (أحد الأكاديميين تبين أنه يتقاضى دخلا شهريا قيمته مليون فى حين ذكر فى الأوراق الرسمية أن دخله 63 ألف جنيه فقط).
 
 إعادة النظر فى أوضاع الثروة العقارية بعدما تبين أن مساحات هائلة من الأراضى تلحق إما بالقوات المسلحة أو بوزارة الداخلية، وتستثمرها تلك الجهات لصالحها مقابل مبالغ تافهة، وأحيانا بوضع اليد وقوة السلاح.
 
 ترشيد استهلاك المياه والطاقة الكهربائية، بعدما تبين أن 25٪ من حصة مصر فى المياه تهدر سنويا ولا تستفيد منها الزراعة المصرية فى حين أن بعض الأماكن فى أشد الحاجة إليها.
 
 التعامل بشجاعة ومسئولية مع ملفات الإنتاج الصناعى والزراعى وقطاع التشييد، وكلها ملفات حافلة بالمشكلات والعقد، التى لم يتم التعامل معها بشكل جاد إلى الآن.
 
 ترشيد الدعم مع استمرار حماية الطبقات الفقيرة، بحيث يتحمل القادرون الأسعار الحقيقية للسلع، بعدما تبين مثلا أن بعض أصحاب المصانع يحصلون على الطاقة بالأسعار المدعومة، فى حين يبيعون منتجاتهم للناس بالأسعار العالمية.
 
 النظر فى أمر الأخذ بنظام الضرائب التصاعدية، بحيث يدفع كل مواطن الضرائب التى تتناسب مع دخله الحقيقى.
 
● ● المجال الآخر المتعلق بإنقاذ الاقتصاد المصرى المتمثل فى إطلاق طاقات المجتمع والإفادة من خبرات أهله وخيرات أرضه فيه كلام كثير، لأن من حدثتهم فى الأمر انتقدوا بشدة تركيز خطاب السياسيين والمسئولين على فكرة الاعتماد على الخارج فى هذا الصدد، سواء تمثل ذلك فى المسارعة إلى الاقتراض من المؤسسات الدولية، أو فى الحديث المستمر عن جذب المستثمرين الذين يصورونهم بحسبانهم المخلِّصين وطوق النجاة الذى لا غنى عنه. وهو منطق وصفه بعضهم بأنه تعبير عن الكسل العقلى ووصفه آخرون بأنه تعبير عن عدم الثقة فى النفس.
 
إن لدينا فى مصر خبرات مهدرة ومراكز للبحوث منسية ومهملة، ومشروعات للتنمية الذاتية تحارب بشراسة من قبل جبهة الاستيراد والاتكال على الخارج، كما أن لدينا ثروات غير مستغلة فى مجالات الطاقة الشمسية ورمال سيناء والساحل الشمالى والسياحة بشكل عام.
 
إن ما ذكرته مجرد أمثلة، ولا أشك أن لدينا عقولا قادرة على أن تثرى ذلك الباب، وتسهم بشكل كبير فى تحقيق الإنقاذ المطلوب، الأمر الذى يدعونى إلى طرح السؤال التالى: لماذا لا تدعى العقول المصرية المعنية بالموضوع إلى مؤتمر يمثل فيه الجميع، وتطرح فيه قضية الإنقاذ هذه على بساط البحث، بدلا من أن يتولى الأمر نفر محدود من المسئولين أو الأشباح الذين نسمع عنهم ولا نراهم.
 
(4)
 
لا أستطيع أن أنهى قبل أن أشير إلى تجربتين للإنقاذ الاقتصادى فى كل من ماليزيا والبرازيل، تمنيت أن يخضعا للدراسة من جانب أولى الأمر فى النظام المصرى، الذين ما برحوا يمدون أبصارهم خارج الحدود، فى نهاية عام 1997 ضربت الأزمة اقتصاد نمور آسيا، الذى كان يعد نموذجا للتعافى والنمو. فانهارت العملات المحلية وتدهورت البورصات وتفاقمت البطالة وتراجعت الصناعة.. إلخ. وكانت ماليزيا من ضحايا ذلك الإعصار، فسارع صندوق النقد إلى عرض مساعداته بطريقته التى أعطت الأولوية لحرية السوق بتداعياتها التقليدية. كان مهاتير محمد رئيسا للوزراء، آنذاك فقرر رفض وصفة الصندوق. وبدلا من ذلك شكل مجلسا قوميا للإنقاذ الاقتصادى ضم رئيس الوزراء ونائبه مع النقابات والمجتمع المدنى جنبا إلى جنب مع رجال البنوك والمستثمرين وممثلى الشركات.
 
أدار المجلس سياسة ماليزيا الاقتصادية طوال عامين، ظل خلالهما يعمل تحت رئاسة الدكتور مهاتير خمسة أيام كل أسبوع، بمعدل ثلاث ساعات كل يوم. واتخذ مجموعة من الإجراءات منها تثبيت العملة فى مواجهة الدولار وتقييد خروج رأس المال وساعد على هيكلة ديون الشركات الخاسرة...الخ. وفى عام ٢٠٠٠ تعافى الاقتصاد الماليزى واستعاد حيويته، بعدما ضرب عرض الحائط بنصائح صندوق النقد.
 
البرازيل كانت أسوأ حالا، بعدما خضعت طويلا لقهر الاستبداد وعفونة الفساد، وجاء رئيسها لويس اناسيو لولا فى عام 2009، رافعا شعار «البرازيل القوة العالمية الخامسة»، ومعلنا أن بلاده تملك طاقات كامنة قادرة على دفع تمكينها من ارتقاء أعلى درجات النحو، ذكّر الرجل جماهير شعبه بما تملكه بلاده من ثروات طبيعية من النفط والغاز والمياه واليورانيوم.
 
وكان بعض من سبقوه قد بذلوا جهدا ملموسا فى توفير قوة عاملة متعلمة، تنامت فى ظل التدابير التى أرست دعائم الاستقرار فى الاقتصاد البرازيلى، وتضافرت تلك الجهود التى استثمرت طاقات البلد وقدرات البشر لكى تدفع بالبرازيل إلى مصاف الدول المتقدمة والواعدة. وكانت إرادة القيادة وثقتها فى قدرة المجتمع على النجاح من العوامل التى أسهمت فى تحقيق النهوض المنشود.
 
أخيرا إذا كنت قد لاحظت أننى تحدثت عن بعض جوانب الرؤية الاستراتيجية إزاء الأوضاع الداخلية، ولم أتحدث عن السياسة الخارجية رغم أهمية الملف بالنسبة لمصر، فتفسيرى لذلك أن السياسة الداخلية هى الأساس فى أى سياسة خارجية، التى أرجو أن يكون لها حديث آخر فى وقت لاحق.


خبر وحاشية وفذلكة

 


●الخبر: قدرت ثروة كبار الأغنياء فى مصر البالغ عددهم بـ430 شخصا بمبلغ 65 مليار دولار. وقدرت ثروة ثمانية منهم بنحو 21 مليار دولار. والجزء الأول من الخبر مصدره شركة «ولتx» للاستشارات المالية فى سنغافورة. أما الجزء الثانى فمنقول عن مجلة «فوربس» الأمريكية. وهذه المعلومات نشرتها جريدة الأهرام منسوبة إلى مصادرها فى عدد الأربعاء 26/9.
 
● حاشية: ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية يوم 19/9 أن 11 بليونيرا جديدا انضموا إلى قائمة أصحاب البلايين الذين سيتبرعون بنصف ثرواتهم للأعمال الخيرية، استجابة لما دعا إليه مؤسس شركة «مايكروسوفت» بيل جيتس، ورجل الأعمال وارن بافيت وبذلك أصبح عدد المنتمين إلى هذه القائمة الذين قرروا أن يحذوا حذو جيتس وبافيت 92 بليونيرا، من بينهم ريدها ستينجز المدير العام لشركة تاجين لأشرطة الفيديو على الإنترنت «نيتفليكس»، وجوردون مور أحد مؤسسى شركة «انتل» وتشارلز برونفمن المدير السابق لشركة المشروبات الكندية «سيجرام».
 
كان الأمريكيان الأكثر ثراء بيل جيتس ووارن بافيت قد أعلنا فى يونيو 2010 أنهما سيحاولان اقناع نظرائهم بالتبرع بنصف ثرواتهم للأعمال الخيرية. ومنذ تلك الفترة، توسع نطاق هذه المبادرة ليشمل تيدتيرنر مؤسس محطة «سى ان ان» ومايكل بلومبرج رئيس بلدية نيويورك ومؤسس قناة الأخبار المالية «بلومبرج»، والمخرج جورج لوكاس (صاحب «حروب النجوم») ولارى إليسون أحد مؤسسى شركة «أوراكل» للبرمجيات.
 
معروف ان جيتس يدعم منذ سنوات المراكز الخيرية والبحوث العلمية بمبالغ طائلة، عن طريق مؤسسة بيل ومليندا جيتس التى أسسها عام 2000. وفى عام 2008 لم يعد جيتس يعمل بشكل كامل كمدير تنفيذى لشركة «مايكروسوفت» فعين مكانه ستيف بالمر رئيسا للشركة، وتفرغ لمنظمته الخيرية والممولة جزئيا من ثروته.
 
أما شريكه فى المبادرة رجل الأعمال وارن بافيت، فهو أشهر مستثمر فى البورصة الأمريكية. وهو ثالث أغنى أغنياء العالم عام 2010 بحسب مجلة «فوربس» بثروة مقدارها 44 مليار دولار أمريكى، بعد أن كان أغنى رجل فى العالم عام 2009.
 
لدى سؤاله عن دوافعه للتبرع بأكثر من سبعة بلايين دولار للأعمال الخيرة أجاب «أنا أؤمن بأن الثروات التى تتدفق من المجتمع يجب أن تعود فى جزء كبير منها إليه ليستفيد منها لأنه صاحب الفضل فيها».
 
● فذلكة تاريخية: ابتكر العقل الإسلامى فى وقت مبكر نظام الوقف، الذى بمقتضاه فتح الباب واسعا لكل فئات المجتمع،  وأصبح الوقف هو رافعة التنمية التى قام عليها المجتمع الإسلامى على مدار تاريخه. وفى وقت مبكر اعتبره بعض الباحثين عماد السياسة المدنية فى الدولة، قبل ابتذال مصطلح «المدنية» والعبث به ليصبح نقيضا للدينية. ومن خلال الوقف نشأت المساجد ومعاهد التعليم وتأسست المستشفيات وأقيمت الحصون وجهزت الجيوش وشقت الترع وبنيت الجسور. وامتدت مظلة الوقف لحماية الضعفاء من البشر بل وشملت رعاية الحيوان والطيور وصولا إلى أسبلة المياه التى تروى العطاشى والمظلات التى تقى الناس من حرارة الشمس.
 
اقتبس الغربيون فكرة الوقف من الدولة العثمانية، وحققوا من خلاله انجازات مهمة منها انه أصبح الممول الأساسى لأكبر وأهم الجامعات الأمريكية، فضلا عن الأبحاث العلمية والأعمال الخيرية، وذلك أمر طيب لا ريب، لكن النموذج فى التجربة الإسلامية تميز بأمرين هما: ان الواقفين انطلقوا من مرجعية دينية واعتبروا عمارة الدنيا سبيلا إلى عمارة الآخرة. ثم انهم لم يكونوا من الأثرياء فقط، وانما كانوا أيضا من متوسطى الحال وصغار الملاك. ثمة مؤلفات كثيرة عربية وغير عربية تناولت موضوع الأوقاف، لكن كتاب الدكتور إبراهيم البيومى غانم عن «الأوقاف والسياسة فى مصر» لا يوثق فقط دور كبار الملاك وصغارهم وإسهامهم فى اغناء التجربة، ولكنه وثق أيضا الدور الوطنى للوقف، وكيف كان أحد الأسلحة التى واجه بها المجتمع المصرى سلطان الاحتلال البريطانى (عن طريق شراء الأراضى والاستحواذ على القطن) وسعيه إلى تغريب المجتمع بفرض اللغة الإنجليزية عليه لإضعاف اللسان العربى، كما فعلت فرنسا فى الجزائر والمغرب وتونس.
 
يذكر الباحث مثلا انه خلال الفترة بين سنتى 1948 و1956 كانت مساحة الأراضى التى أوقفها كبار الملاك فى مصر تعادل نحو 75٪ من جملة الأراضى المزروعة فى البلد (محمد باشا البدراوى عاشور أوقف نحو عشرة آلاف فدان فى محافظة الدقهلية، وحسن الطرزى أوقف 2379 فدانا بنواحى منفلوط فى أسيوط). فى الصعيد كان عدد الواقفين من صغار ومتوسطى الملاك (حتى سنة 1951) 9876 شخصا. أما عدد الواقفين فى الوجه البحرى فقد كان 5684 شخصا. وفى إحدى حجج الوقف اشترط صاحب الأرض ألا  تؤجر أراضيه لأحد من ذوى الحمايات الأجنبية، أو من اتباع الدولة «الأجنبية»، لكى تكون حصيلتها للمصريين وحدهم.
 
● سؤال: بماذا نفسر اختفاء دور المليارديرات المصريين فى مواجهة الأزمة الاقتصادية التى تمر بها مصر فى الوقت الراهن، ولماذا كتب علينا أن نطل دائما على الخلف لنزهو بالماضى وحده فى حين أنهم فى الديمقراطيات الغربية يصنعون الحاضر وأعينهم معلقة بالمستقبل؟
 
 

Locations of Site Visitors
Powered By Blogger