الجمعة، 27 مارس 2015

وليد علاء الدينمراد وهبة أمْ إسلام بحيري!وليد علاء الدينالإثنين 23-03-2015 21:2826

سؤال مستفز بالطبع، لكل من يعرف الرجلين الذين يجب ألا يجتمعا في عبارة واحدة.
أما لمن يعرف أحدهما فقط، أو لا يعرف كليهما، فقليل من الصبر يُصلح العقل أحيانًا.
الطريقة التي يحاول من خلالها إسلام بحيري «تنوير» عقول الناس، لا تختلف كثيرًا عن الطريقة التي تعمل بها عقول «الظلاميين» الذين يقول إنه يحاربهم. والخطاب الذي يتبناه لتنبيه الناس إلى مخاطر «خطاب الظلاميين» يقوم في أساسياته على العناصر نفسها التي يقوم عليها خطابهم: التحقير والتقليل من شأن الآخر المختلف، انطلاقًا من توهم امتلاك الحقيقة الكاملة، كما أن أدواته تقريبًا تشبه أدواتهم: الصوت العالي والنبرة الحادة والسخرية التي تصل أحيانًا إلى قلة الذوق.
حينما يتحدث بحيري، يضيع خيط المنطق الذي يحاول أن يمرره في ثقب إبرة العقل السلفي، بين كومة من المشاعر التي لا ينجح في السيطرة عليها، تبدأ من إحساس بالكراهية والبغضاء والاحتقار والتعالي وتصور امتلاك الحقيقة. وهي مشاعر إنسانية – عادة- تخفت وتتراجع إلى أدنى حدودها عند من تهذبهم المعرفة ويسمو بهم العلم، لذلك فإنه من الغريب أن تتصاعد وتتعاظم وتجتمع معًا في شخص واحد، من المفترض أن مهمته تعليمية تثقيفية!
نحن – بالفعل- في حاجة ماسة إلى من يدحض افتراءات الخطاب السلفي الظلامي، باعتباره خطابًا أصوليًا يفترض أن رؤيته الخاصة للدين هي الحقيقة المطلقة التي لا تحتمل النقاش أو الخلاف، ولذلك فإن أصحابها يقومون بتصنيف كل من يخالف هذه الحقيقة أو يختلف عنها، بوصفه «جاهلًا» ثم يتطور الأمر إلى «كافر» أو «مارق» أو «ملحد» أو «مرتد» إلى آخره من تصنيفات لا يكتفون بأن تظل نظريًة، إنما يسعون إلى تطبيقها – كلما أمكن ذلك، أو الكمون إلى أن تكون لهم القدرة على إطلاق يدهم في هؤلاء والتنكيل بهم، بما يرضي تصورهم المطلق عن الدين.
وللإيضاح، فإن هذا الخطاب الأصولي، ليس حكرًا على دين بعينه، إنما هو طريقة تفكير. يمكنها أن تصيب رؤية الناس في كل دين، أو في كل معتقد، والتاريخ يحتفظ لنا بمساخر ومآس ومذابح وصراعات نتجت عن تلك النظرة الأصولية حين ارتبطت بأي من الأديان الثلاثة المصطلح على وصفها بالسماوية أو بغيرها من الديانات والمعتقدات، وليس فقط ما نراه هذه الأيام من أفعال الأصوليين المحسوبين على الدين الإسلامي.
ما تحتاجه مصر في الفترة الراهنة، هو تحرير عقول المجتمع من تلك النظرة تحديدًا، وليس تحرير البشر من انتماءاتهم الدينية، المطلوب إلهام الناس طريقة للتفكير في كل المعطيات وليس تلقينهم طريقة أخرى للكراهية، يستبدلون بها الكراهية التي زُرعت في عقولهم بوصفها معتقدًا دينيًا.
المطلوب استعادة القاعدة العفوية التي صاغها المجتمع لنفسه- بنفسه: «كل من له نبي يصلي عليه»، فهي وحدها كفيلة بتهيئة التربة ووضع البذرة الرئيسية لتفكير علماني صحي تتحرر معه العقول من أسر التقديس المطلق، وتتحرر من سجن المعتقد للانطلاق نحو المستقبل- من دون أي تنازل أو تخل عن الإيمان بالدين.
وقبل أن تبادر– قارئي الكريم- بنعتي بالعلماني الفاسق، اسمح لي أن أقول لك إن العلمانية ليست كما يصورونها لك بـ«فصل الدين عن الدولة» إنما هي- وفقًا لتعريف الدكتور مراد وهبة، أستاذ الفلسفة في جامعة عين شمس: «اكتفاء العقل بالتفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق».
هذا التعريف يمكن تبسيطه بأن ينظر الإنسان إلى قناعاته باعتبارها قناعات صحيحة من دون أن يعتبر قناعات الآخرين باطلة، وهنا يمكن لكافة القناعات -متمثلة في أصحابها- أن تعيش وتتعايش داخل إطار كلي واحد من دون أن تتصارع، يحكمها قانون تم تصميمه بحيث لا يُخل بحق من حقوق الجميع أو المساس بذواتهم، يعني ببساطة تطبيق القاعدة الشعبية الإنسانية العفوية: «كل من له نبي يصلي عليه».
نحن في أشد الحاجة إلى من يقوم بتعليم الناس أن العلمانية ليست عدو الدين، وليست وسيلة لتدميره أو هدمه، وإنما هي طريقة بسيطة لتفكيك الأفكار المنغلقة على ذاتها، تلك الأفكار التي صنعها بشر حول الأديان، وجمدوها في تصور خاص واعتبروه «المطلَق» الذي لا ينبغي أن يجاوره مطلق آخر. وهنا تكون العلمانية – وفقًا لمفهوم وهبة- ليست رفض الأديان أو التحقير منها، إنما هي «علمنة العقل» لتخليص البشر من الاستكانة إلى تلك التصورات المصنوعة، إلى حد عدم التفكير فيها، وبالتالي يتحول الإيمان – الذي يُفترض أنه وسيلة لطمأنة البشر- إلى تعصب مشحون بكراهية وعدوان وعنف مكبوت ضد الآخر.
علمنة العقل هي تخليصه من أسر الإنغلاق في معتقده بوصفه مطلقًا لا يقبل أن يشاركه مطلق آخر في الحيز الذي يوجد فيه، لكي يكون عقلًا مؤمنًا لا يضيره كيف يفكر الآخرون في شؤونهم، إنما كيف يشاركونه بناء المجتمع والوطن واحترام قوانينه وثوابته.
قد نتفق مع إسلام بحيري في رفضه لخطاب الأصولية الإسلامية وكل أصولية دينية، وفي عدد من المحاور الرئيسة التي يتبناها، لكنه في المحصلة يقدم خطابًا عصبيًا آخر، ويسعى لاستبدال كراهية بكراهية أخرى.
وقد نختلف مع الدكتور مراد وهبة في عدد من النقاط، إلا أنه يقدم حلًا يخلو من «اليقين المتعالي»، وهو حل مطلوب بشدة في وضعنا الراهن، لأن خطاب اليقين يقطع بينما نظن أنه يصل، ويشتت.. بينما نظن أنه يجمع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger