السبت، 18 يونيو 2011

رئيس التحرير الجنتل

فراج إسماعيل | 18-06-2011

عاد الأستاذ محفوظ الأنصاري ليكتب مرة أخرى بعد نفي اختياري من وطنه، والوطن في حالة صحافي محترف عاش 50 عاما داخل هذه المهنة القاسية، هو "الصحافة".

غادر محفوظ الأنصاري "الصحافة" بقرار اتخذه في لحظة قوة ولحظة ضعف معاً.

لحظة قوة لأن "جريان قلمه" الذي كان كالنهر الهادر، كواحد من أفضل المقالات السياسية التي عرفتها الصحافة المصرية في النصف الأخير من القرن الماضي، أبى أن يكون مأمورا طائعا مستكينا لرئيس شبح، كما أسماه في مقال العودة الذي كتبه في "الجمهورية" يوم الخميس الماضي.

ولحظة ضعف.. لأن مغادرة الوطن، اختياريا أو إجباريا، لابد أن ترفع الضغط وتهز القلب وتدمع العين. لكن محفوظ الذي تصدى بقوة لمكالمة هاتفية غاضبة من "النجل" الذي كان يستعجل عرش مصر، قرر في ذلك الحين أن يغادر مهما كانت الدموع واللوعة والحزن لفراق الوطن الحبيب.

مقاله يوم الخميس من أجمل المقالات التي قرأتها لهذا القلم المبدع الذي شرفت بأنني عملت تحت رئاسة تحريره عدة سنوات في "الجمهورية" ورأيت أيامها الحروب التي شنوها عليه والمؤامرات التي دست، فيما هو ثابت أنيق السلوك والمظهر، أو بالبلدي "ابن ناس". رئيس التحرير "الجنتل".

جمال مبارك يقول له "إذا كلمك الرئيس فاستمع له ولا تنقل عنه فإنه لا يعرف وما يقوله غير صحيح". هذه الكلمات وغيرها من حمم الغضب التي كشف عنها الأنصاري بعد غياب لم نعرف سببه إلا يوم "الخميس"، جعلته يدرك أن مصر يحكمها شبح هو الرئيس الفعلي. لا يتحمل مسؤولية قراراته أو أفعاله، فيما الرئيس الشرعي – حسني مبارك – مغيب لا يعلم شيئا ولا يستطيع أن يتخذ قرارا، وفي هذا الجو الغائم القاتم كان جمال مبارك وزكريا عزمي وصفوت الشريف يعدون العدة ويغرقون الوطن في المؤامرات تمهيدا لنقل السلطة للوريث.

بقي محفوظ الأنصاري صامدا قويا كالصخر. لم يخضع لثورة غضب جمال مبارك، فدفع الثمن بعد ذلك عندما اتصل به صفوت الشريف ليقول له: لا تذهب للوكالة بعد غد الاثنين، فقد تم تعيين رئيس جديد لها.

في ذلك الوقت كان الأنصاري يتولى رئاسة وكالة أنباء الشرق الأوسط التي نقل إليها من "الجمهورية" التي آلت لمن أسرف في مدح مبارك وآل مبارك مستعيداً زمن شعراء الملوك، وكان ما يكتبه من مقالات وكتب عن مبارك، مثاراً للهبوط بقيمة الصحفي وموضوعيته ومكانته.

لكن ذلك كان زمنه فركبه الغرور. ومن يحميه ويسنده نفاقه للسلطة، يظن أنه في بروج مشيدة لا يدركه فيها حتى "الموت". يسير في شوارع القاهرة وسط موكب رئاسي كأنه ليس رئيسا لتحرير صحيفة بل لدولة!

هكذا كان يتم إبعاد أصحاب المواهب والجهد والضمائر كمحفوظ الأنصاري، فيما يتم تقريب أصحاب الحظوة والطأطأة والآكلين على موائد قصر الحكم، مثل هذا وذاك وغيرهما وغيرهما.

الكاتب محفوظ الأنصاري يكشف: جمال مبارك طلب مني ألا أنقل ما يقوله «الرئيس»

وتولى الأنصاري رئاسة تحرير "الجمهورية"، وهي إحدى الصحف الثلاث القومية اليومية الصباحية الكبرى، في الفترة من عام 1984 حتى 1998، ثم انتقل بعدها إلى رئاسة تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط "الرسمية" وبعد سنوات قليلة اختفى تماماً عن المشهد.

***************************

وفي تفاصيل نص مكالمة جمال مبارك أورد مايلى:

"دق جرس التليفون في ساعة مبكرة من الصباح.. رفعت السماعة.. وجاء صوت الجانب الآخر:

صباح الخير.. أنا جمال مبارك.. ما هذا الذي كتبته في الأهرام.. وما هذه "المانشيتات التي تغطي الصفحة الأولى.. وجميعها خاطئ وكاذب".

قلت: أنا لا أكتب في الأهرام.. ونشرة الوكالة التي أتولى رئاستها. نشرة داخلية. للمشتركين. وليس بها مانشيتات ولا عناوين مثيرة.. أو غير مثيرة.

قال: كيف هذا.. رئيس الأهرام قال لي الآن وفوراً إن ما هو مكتوب في الأهرام. هو كلامك أنت ومصدره الوكالة.

قلت: ربما تقصد اللقاء والحديث الذي جرى بين الرئيس وبين رؤساء التحرير. منذ عدة أيام بالطائرة الرئاسية.

وهنا يظهر أن الفتى لم يكن موجوداً في مصر.. وعاد يتعامل مع تقارير عملائه التي أعدت له.

المهم.. بغضب شديد قال: كيف تسمح لنفسك أن تكتب وتؤكد أن الدستور لن يعدل.. وأن المنادين والمتحدثين عن التعديل أبواق تردد كلمات حق يراد بها باطل. وكان هذا المقطع الأخير. أحد العناوين التي اختارها الأهرام للمانشيت.

قلت: لست أنا ولا الزملاء من أثار وتحدث عن الدستور وتعديله. أو عدم تعديله.

رئيس الجمهورية هو الذي اختار موضوع الدستور وتكلم فيه ودون أن يسأله أحد.. وأكد أنه لن يسمح بالتعديل تحت أي ظرف ومهما علت أصوات من أطلق عليهم "القلة".

وبالمناسبة.. اللقاء تطرق لموضوعات شتى وليس فقط الدستور وتعديله.. وكل ما قيل تم نشره في الصحف وأذيع في التلفزيون والإذاعة.

وجاء رد فعل "الفتى" على هذا الشرح غريباً ومستفزاً وبعيداً عن كل منطق.

قال: طيب.. خلاص. صدقنا أن هذا ما قاله الرئيس.. أنت تنشره وتذيعه ليه؟ خاصة أنه خطأ وغير صحيح، وستتغير بعض بنود الدستور بأسرع ما يمكن.

قلت: كيف لنا أن نعرف أن ما يقوله الرئيس صحيح أم غير صحيح.. وهل يجوز لرؤساء التحرير أو غيرهم أن يكونوا رقباء على رئيس الدولة.. وعلى أي حال إذا كانت هناك أمور محل خلاف بين قيادات الدولة فمن الأفضل أن تضعوا الصحافة في الصورة.. على الأقل تلميحاً لا تصريحاً.. لنتجنب سوء الفهم والوقوع في الخطأ.

فجاء ردّه كالمدفع:

هل تظن أننا "فاضيين" للصحافة.. وعلى كل.. ما كتبتموه عن الدستور وتعديلاته غير صحيح.. وستحدث التغييرات بأسرع مما تتخيل.. وعلى فكرة اسمع أنت وزملاءك الجلسات المطولة والمفتوحة التي كان يعقدها الرئيس معكم انتهت ولن تتكرر. أيضاً الأحاديث التليفونية التي لا ضوابط لها وتخوض في كل شيء ستتوقف. ولن يسمح بها بعد الآن.

واستطرد الأنصاري: لحظة هذا الحديث التليفوني المفاجئ. لم أستطع تبيان هذه الحدة.. وهذا الغضب في لهجة. مبارك الابن والوريث.

لكن سرعان ما تكشف كل شيء.. فالشاب في عجلة من أمره.. يريد أن ينتهي من عملية تجهيز المسرح للقفز على السلطة. وتحويل الحديث عن التوريث إلى واقع.

خاصة أن ملامح الخطة كانت قد وصلت من "الخارج" ومستندة إلى فكرة أساسية هي "تعديل دستوري" جذاب.. وأكثر ديمقراطية.. يقضي بأن يكون اختيار رئيس الجمهورية الجديد بالانتخاب المباشر وليس عن طريق الاستفتاء.

وعلق في مقاله الذي عاد به إلى "الجمهورية"، الخميس 16-6-2011، بأن تلك المكالمة أثارت بعض الأسئلة منها: "هل كان الرئيس يعرف ما يدور في الخفاء، وهل انتقلت سلطة اتخاذ القرار منه إلى الوريث وشلة التوريث، وأصبح الرئيس الشرعي لا يملك من أمور نفسه وأمور الدولة شيئاً".

وفي إشارة إلى جمال مبارك أضاف: "رئيس شبح لا يملك، لا يحتل من الناحية الرسمية أو الفعلية أي منصب، ولا يتولى في الدولة والحكم أية مسؤولية، ولا يخضع لمراقبة أو محاسبة، وهو قبل هذا وبعده الحاكم بأمره. هكذا كانت الأوضاع أو ما صارت إليه".

واستطرد الأنصاري أن صاحب الشرعية (الرئيس السابق) غائب أو مغيّب، وتحولت إدارة البلاد إلى "مؤامرة" تجري تفاصيلها في الخفاء.. ويتم اختيار أبطالها وفرسانها من الطامحين، والطامعين، والسراقين، والجهلاء.

وسط هذا الجو الفاسد جرى تحالف مشبوه بين الداخل والخارج.. وكل له برنامجه وأجندته.. وكل منهما في حاجة إلى مساندة الآخر.

واستمر محفوظ الأنصاري في رواية تلك المرحلة كأحد قياداتها الصحافية البارزة: "من هنا شاهدنا وعشنا حالة التفكيك والإشغال والإلهاء التي تم دفع مصر إليها بشكل متصل خلال العقد الأخير على الأقل.. أو منذ ظهر "الوريث" على السطح.. وتعددت خطط التفكيك وتنوعت.. واتسعت لتغطي كل قطاع.. ولم ينج منها نشاط صناعي أو زراعي أو خدمي.. وانتشرت (كتائب التخريب) والنهب في طول البلاد وعرضها".

وأوضح أن "القرار كان تغيير رؤساء المؤسسات الصحافية القدامى جميعاً، الذين ربطتهم بالدولة وأجهزتها وقياداتها وحتى مشروعاتها علاقات تعاطف ومحبة وقربى.. بصرف النظر عن العديد من التجاوزات.. أما الوافدون الجدد فترويضهم سهل على هذه الأسس. واستناداً إلى هذه الخلفية".

وقال الأنصاري إن ثلاثة من أقطاب النظام هم جمال مبارك، زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وصفوت الشريف رئيس مجلس الشورى (جميعهم في سجن طرة حالياً) تولوا عملية التغيير، ورغم أن اثنين من سكرتارية الرئيس مبارك اتصلا به، أحدهما بعد الآخر بأسبوعين أو أكثر قليلاً ليبلغاه رسالة مضمونها أنه ستحدث تغييرات صحافية كبيرة، إلا أن الرئيس قد استثناه منها، لكنه فوجئ بعد يوم أو يومين من الاتصال الآخير بصفوت الشريف يطلب منه ألا يذهب إلى الوكالة فقد تم تعيين رئيس جديد لها.

وعلّق الأنصاري بأنه كان الوحيد في تلك التغييرات الذي تم فصله وإبعاده تماماً من المؤسسة التي يتولى رئاستها، فيما بقي الجميع في مؤسسته، وأن القرار جاء منافياً لكل ما نقله له سكرتارية الرئيس، وقبل التنفيذ بأربع وعشرين ساعة فقط ودون مناقشة مسبقة للمؤسسة وأوضاعها.

وأشار إلى أنه بذلك خرج من مهنة عاشها 50 عاماً، وكان الخروج "من بوابة شر لا يملك أصحابها رؤية ولا علماً أو ذكاء أو معرفة.. هم مجرد أدوات هدم.. هم عمال تراحيل من نوع خاص.. وبأجور تتنوع عملية الدفع فيها، حسب الطلب والمهمة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger