الاثنين، 7 يناير 2013

          
تهديدات إخوانية للأمن القومي المصري
محمد الحمامصي 

ما مفهوم الأمن القومي المصري؟ سؤال يخبط ويتخبط في رأسي ليل نهار حتى ليكاد يفقدني صوابي مجمل الوقت بحثا عن إجابة شافية رادعة تهدئ من روعي جراء الأقوال والأفعال المتصلة والموصولة التي يؤكد بعضها بعضا، وتنتهك كافة المفاهيم المتعارف عليها حوله سواء من خبراء مصريين أو أجانب، وتشكل بالنسبة لي أنا المواطن المصري البسيط تهديدا على حياتي الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والفكرية والنفسية، كون ما يترتب عليها من تداعيات ونتائج ـ أقصد الأقوال والأفعال ـ يهدم هذه الحياة ويستبيح مستقبلها، مستقبلي ومستقبل أبنائي ومن ثم مستقبل الوطن شعبا وأرضا. 

ما مفهوم الأمن القومي المصري الذي تحرص الأجهزة والمؤسسات السيادية على التأكيد على أنها تقوم على حمايته والحفاظ عليه؟ هل يتوقف وينتهي عند حماية الحدود والمنشآت والممتلكات العامة ومواجهة أي عدوان خارجي على البلاد؟ هل يتوقف وينتهي عند حماية الرئيس ـ أيا من كان ـ وحزبه وأنصاره ومؤيديه؟ هل يتوقف وينتهي عند القوة العسكرية والشرطية والأمنية الاستخباراتية؟ هل يتوقف وينتهي عند ذلك دون فعل حقيقي على الأرض يؤكد أو حتى ينفي؟ 

إن أفكاري البسيطة حول مفهوم الأمن القومي تتلخص في أنه يعني سلامة المواطن والوطن، الأرض والشعب، ضد كل ما ومن يخل باستقرارهما أو يهدده سلامتهما اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا ونفسيا، إنه يعني حفظ وحماية النسيج الوطني الحضاري والأثري والتاريخي في الحاضر والمستقبل ضد محاولات التمزيق والهدم. 

إن مفهوم الأمن القومي وفقا لذلك ينهار تحت ضربات رغبات وطموحات لبعض ممن يريدون له ـ الأمن القومي ـ أن يكون فقط لحماية الرئيس وقصره وقراراته وديكتاتوريته واستبداده، وحماية مقرات وشيوخ ورجال حزبه ومليشيات أنصاره ومؤيديه، هذا الأمن الذي لا يمكن أن يكون إلا أمن قومي القبيلة، وليس أمة العظيمة مصر، أمة المؤسسات والقانون. 

إن خطورة التهاون في مفهوم "الأمن القومي المصري" ليس من مصلحة أحد، بل سيدفع ثمنه الجميع دون تفرقة تذكر، فحين يتم ضرب الثوابت الأخلاقية والدينية والوطنية وتشويه حقائق التاريخ من وقائع وأحداث وشخصيات وطنية، وبث روح الانقسام والفرقة والفتنة، وتمزيق نسيج الوحدة الاجتماعية، ما الذي سيحدث؟ ما الذي سيترسخ في عقل ووجدان المواطن العادي البسيط؟.. سيحدث أن نجد وطنا لا يعني ولا يهم ولا يخص مواطنيه، حيث سيترسخ الإرهاب قانونا تحت سطوة الخوف وعدم الأمان، وسيستبيح المواطنون بعضهم البعض، ويكرم الأعداء والقتلة والمجرمين، وسيتم التفريط في الانتماء، ويتاجر بالدين والعرض والأرض، وسيصبح تلقي أموال من جهات أجنبية لتنفيذ مخططات لصالحها، والتخابر لصالح هذا أو ذاك، وغير ذلك أمور طبيعية لا تتنافى مع الأمن القومي للوطن. 

لنأخذ أمثلة على ما شكل ويشكل استمراره تهديدا للأمن القومي، ولا يبالي أحد به، بل لا يعني أحد اللهم إلا قلة هنا وهناك، ربما مغلوب على أمرها وربما تخشى الفتك بها أو اتهامها بالاتهامات الجاهزة كالعمالة والخيانة والخروج على الشرعية وقلب نظام الحكم، ومن ثم يكتفون بالتحذير الخجول ولكن لا حياة لمن تنادي: 

أولا يخرج مستشار الرئيس للعلاقات الخارجية والقيادي الإخواني وعضو مجلس الشورى د.عصام العريان ليقول في لقاء تليفزيوني: "يا ريت اليهود بتوعنا يرجعولنا بعد كدة، عشان يفسحوا مكان للفلسطينيين بقى، يعني الفلسطينيين يرجعوا بلدهم، واليهود العرب يرجعوا بلادهم إن شاء الله". وتابع: "اللي طردهم عبد الناصر، لازم يرجعوا.. طردهم ليه؟، أنا بناديهم الآن.. مصر أولى بيهم من إسرائيل". 

ثم يخرج د.حمدي حسن القيادي الإخواني في تصريح لأحد المواقع ليؤكد دعوة الدكتور عصام العريان لليهود المصريين بدولة فلسطين المحتلة للعودة مرة أخرى لمصر، ويبررها قائلا "تهدف في المقام الأول تفريغ فلسطين المحتلة من اليهود المصريين وغير المصريين، وإرجاعهم لبلادهم مرة أخرى وذلك بعد تغير الأوضاع في المنطقة وظهور دول الربيع العربي"، لافتا إلى أنها أكثر تأييدا للمقاومة داخل فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني. 

أليس هذا تهديد للأمن القومي باعتباره تخريبا للتاريخ لأنه ينقض على ثورة 23 يوليو 1952 ليهدمها رأسا على عقب، حيث يسمح بعودة استباحة ممتلكات مصر والمصريين التي ردتها إليهم ثورة 23 يوليو، ويفتح الطريق إلى إعادة احتلالهم مرة أخرى، فما المانع أن يأتي البريطانيون والفرنسيون وغيرهم من الأوروبيين والأتراك للمطالبة بممتلكاتهم من الأراضي والشركات التي أممتها الثورة، ما المانع أن تعود بريطانيا لتطالب ببقية حقوقها في قناة السويس؟ وكل من له شيء في مصر ليأت ليأخذه، ولتستعد مصر للقضايا التي سترفع ضدها داخليا وخارجيا ولتجهز التعويضات والممتلكات لتدفع بها لأصحابها. 

ثانيا عندما يخرج الناقد الرياضي علاء صادق ليدافع عن السقوط الاقتصادي المروع لحكومة الرئيس وجماعته، فيتهم المجلس العسكري بتدمير الاحتياطي النقدي قائلا "الأرقام لا تكذب: المجلس العسكري أفقد مصر 19 مليار دولار من الاحتياطي النقدي من 34 مليارًا في 16 شهرا، الرئيس مرسي حافظ على 15 مليار دولار للاحتياطي النقدي والإعلام الفاسد ولول لانهيار الاقتصاد. 

أليس هذا عين الأمن القومي المصري، أليس العبث بالمؤسسة العسكرية والجيش تهديدا للأمن القومي، أم أنني أهلوس، ويا ترى هل أهلوس أيضا حين أتساءل مع تيد بو عضو مجلس النواب الأميركي عن ولاية تكساس، وعضو اللجنة الفرعية القضائية بمجلس النواب المعنية بالجريمة والإرهاب والأمن الداخلي، عن منح الرئيس الأميركي أوباما ووزير الخارجية هيلارى كلينتون مبلغ 1.5 مليار دولار للإخوان المسلمين في مايو؟ 

أليس محاصرة المحكمة الدستورية العليا؟ والاعتداء على القضاء ومحاولات الانقضاض عليه بالترويع والترهيب والتهديد عين الأمن القومي، باعتبار أن القضاء مؤسسة لا تقل أهمية عن المؤسسة العسكرية والقضاة لا يقلون أهمية عن ضباط الجيش وقادته، حماة الدولة، حماة مصر والمصريين من عسكريين وقضاة متهمون بالفساد، يحاصرهم الإرهابيون والقتلة، فماذا سيفعل المواطن البسيط إلا أن يرضخ ويستسلم ليترسخ داخله أن هذا هو الصواب. 

وهل لا يحتسب تهديدا للأمن القومي تجاهل انسحاب الأقباط من الجمعية التأسيسية للدستور وتهديدهم في القرى النائية ومنعهم من التصويت على استفتاء الدستور، ووجود مادة أو أكثر في الدستور تنتهكهم وتفتح أبواب التشدد والتطرف ضدهم، هذا فضلا عما يكال لهم من إساءات وما يبث من فتن بينهم وبين إخوانهم المسلمين من جماعات وتيارات وشيوخ ودعاة ينتمون إلى مؤيدي وأنصار الرئيس، حتى لتخرج الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح لتأكد أن "مشاركة وتهنئة النصارى وأهل الملل في المناسبات الدينية التي هي من أخص ما تتمايز به الشرائع غير محللة باتفاق الأصل". 

الأمثلة كثيرة، أكثر من الهم على القلب، تتكاثر تكاثر البعوض على الجيف، في هذا الزمن الأغبر الذي لم تر مصر في تاريخها الحديث على الأقل أسوأ منه هدما للثوابت الوطنية والحضارية والأخلاقية والدينية، وكله كوم وعمليات الترويع والترهيب والتحريض باسم الدين التي تمارس ليل نهار من قيادات جماعات وتيارات الإسلام السياسي المؤيدة للرئيس، كوم تاني وثالث ورابع وهلم جرا، فهي عمليات تمارس بعشوائية بحيث يصعب ضبطها ومن ثم مقاومتها إلا من خلال عودة الهيبة لمؤسسات الدولة السيادية، فهي تمتد من منابر المساجد مروراً بالفضائيات الدينية وتنتهي بالشوارع حيث بدأ توقيف البنات والشباب ومطالبتهم بالتحشم والحياء والالتزام بالزي الإسلامي. 

ويبقى السؤال: هل من مفهوم آخر للأمن القومي المصري لا نعرفه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger