الأحد، 28 أغسطس 2011

مخاطر أمام الانتقال الديمقراطي المصري عبد الفتاح ماضى


 عبد الفتاح ماضى

  الشارع ليس بديلا عن المؤسسات
بناء الثقة بين النخب
مبادئ الدستور الجديد
الشباب والثورة

طبيعي أن تشهد فترات ما بعد الثورات بعض الاضطرابات وعدم الاستقرار، وأن يختلف الناس حول بعض القضايا خلال المرحلة الانتقالية. لكن من الضروري أن تصل القوى السياسية والنخب الوطنية، في لحظة تاريخية ما، إلى التوافقات التي تحتاجها مرحلة البناء، والتي تعالج، بحسم وحكمة، مخاطر المرحلة الانتقالية.
يتناول المقال ثلاثة مخاطر تواجهها مصر من الداخل، وبعض المقترحات للتصدي لها ومعالجتها.
الشارع ليس بديلا عن المؤسسات
"
حققت الضغوط الشعبية الكثير من الإنجازات، فلولا مليونية 8 يوليو/تموز لما شاهدنا محاكمات أركان النظام.. إلا أن الأمر يحتاج إلى معالجة مؤسسية مبكرة
"
الخطر الأول هو تصور قطاعات واسعة من الناس أن بإمكانهم النزول إلى الشارع متى أرادوا لتحقيق ما يرغبون فيه. صحيح أن الثورات يعقبها، في معظم الحالات، انكسار حالة الخوف لدى الجماهير، إلا أن استمرار هذا التصور قد يكون مصدر تهديد للثورة ذاتها، بتعود الجماهير على اختراق القواعد والقوانين وعلى النزول للشارع، وتصورهم أن بالإمكان إدارة الدولة بفرض ما يعتقدون أنه في مصالحهم. والأخطر هو استمرار هذه الحالة بعد وضع الدستور وبناء المؤسسات الديمقراطية.
بالطبع حققت الضغوط الشعبية الكثير من الإنجازات فلولا مليونية 8 يوليو/تموز لما شاهدنا محاكمات أركان النظام.. إلا أن الأمر يحتاج إلى معالجة مؤسسية مبكرة.
لابد هنا من الانتباه إلى عدة أمور، أولها إدراك الناس (وتوعية وتثقيف الناس بحقيقة) أن انكسار حالة الخوف لابد أن تُستثمر بالشكل الذي يخدم مصالح الثورة، فلا أحد فوق القانون، ولا تستر على فساد، ولا تنازل عن الحقوق، ولا تهاون في أداء الواجبات وفي المساهمة في إعمار المجتمع.
ويتطلب هذا أطرا مؤسسية تقوم على دولة المؤسسات وحكم القانون، أي لابد أن تصل البلاد إلى وضع لا يحتاج الناس فيه إلى الخروج إلى الشارع لنيل حقوقهم.
وهذا بدوره يتطلب التصدي لمحاولات إطالة الفترة الانتقالية، والوصول إلى إجراءات محددة لمسار بناء النظام الديمقراطي ومعالم الدستور المنشود، عن طريق إجراء أكبر قدر من التوافقات الواسعة، والأهم تجنب  تصدير خلافات القوى والنخب إلى الشارع قبل التوافق حولها.
ولا شك أن هذا يحتاج إلى حكومة وطنية انتقالية بصلاحيات حقيقية ونهائية، تمتلك من الحسم والجرأة ما يمكنها من إدارة هذه المرحلة بنجاح ومن تسيير قطاعات الدولة المختلفة وتحقيق القدر الأكبر من مطالب الجماهير التي عبرت عنها أثناء الثورة، وذلك بالطبع حسب الإمكانات المتاحة في الوقت الراهن.
ويرتبط ما سبق بمهمة إعادة الأمن إلى الشارع وبناء جهاز الشرطة على أسس جديدة تراعى فيها حقوق المواطن وكرامته، وتوفر الأمن الحقيقي للشعب قبيل الاستحقاق الانتخابي القادم، وتحمي أيضا حقوق أعضاء الجهاز الأمني أنفسهم ومنع تسييسهم واستخدامهم مرة أخرى في قمع الحريات والحقوق.
بناء الثقة بين النخب
"
يجب على النخب إدراك أن المراحل الانتقالية التي تعقب الثورات لا تحتمل أن ينتصر فريق لرأيه على حساب الفريق الآخر دون حوار وتوافق وشفافية "
الخطر الثاني هو الانقسام السياسي والاستقطاب الأيديولوجي بين التيارات السياسية القائمة، وبدء  بعض القوى في جني الثمار قبل الانتهاء من البناء، أو تصور البعض أن المكاسب التي لن يحصل عليها الآن لن يمكن الحصول عليها في المستقبل.
بالطبع ثمة مبررات لهذا الوضع وثمة إرث من عدم اقتناص الفرص التاريخية.. لكن هناك أيضا مخاطر حقيقية في مسار الثورة تحتم علينا جميعا التنبه والنظر إلى مجمل الصورة وليس إلى جانب واحد منها.
ولمعالجة هذا الأمر، يجب على النخب إدراك أن المراحل الانتقالية التي تعقب الثورات لا تحتمل أن ينتصر فريق لرأيه على حساب الفريق الآخر دون حوار وتوافق وشفافية، كما لا تحتمل أي غموض وارتباك في المواقف ولا إثارة للقضايا الخلافية.
ولابد هنا من اعتدال الخطاب السياسي لكافة القوى السياسية، وإجراء ضبط ذاتي على كل كلمة أو عبارة تقال عن الآخر. إن التعميم والاستسهال في إلقاء التهم قبل التدبر واستجلاء الأمور والعودة إلى أهل الذكر أمر مدمر في المراحل الانتقالية.
وعلى جانب القوى الإسلامية، يجب إدراك أننا لا نعاني في مصر من أزمة هُوية لا على مستوى النصوص الدستورية، ولا في الواقع. لا يجب تصور أن هناك مخططا لضرب الإسلاميين ومحو الهوية العربية والإسلامية للبلاد، وأن هناك "أتاتوركا مصريا" يقبع وراء القوى الليبرالية أو اليسارية القائمة. فعلى العكس، هناك إجماع وطني على الهوية العربية والإسلامية وعلى المادة الثانية من الدستور.
الاختلاف الحادث حول مبادئ الدستور اختلاف في الشكل وليس في المضمون. وهو اختلاف يغذيه للأسف الإعلام غير الهادف تارة، وضيق أفق بعض النخب، التي صارت تتصدى لقضايا مصيرية فجأة دون التدبر في مجمل الأوضاع ودون تشاور، تارة أخرى.
وأتصور أننا ما زلنا في حاجة إلى أن يحسم بعض المحسوبين على التيار الإسلامي مواقفهم نهائيا من نظام الحكم الديمقراطي الذي لا يتعارض مع الإسلام، والذي يجب أن يعمل الإسلاميون أنفسهم على توطينه في ثقافة جماهيرهم (انظر مقالنا "الديمقراطية مذهب سياسي أم ابتكار بشري؟" بتاريخ 11/11/2011).
وأتصور أيضا ضرورة أن تعرف جماهير القوى الإسلامية أن اللحظة التاريخية الراهنة تحتم علينا جميعا التركيز على هدف محدد هو بناء مصر ونهضتها في كافة المجالات، وأن الوقت ليس وقت تحقيق غايات أبعد من هذا أو حسم قضايا خلافية كبرى. هناك أولويات لكل مرحلة تاريخية، وعلى العقلاء التدبر مليا.

"
لا يجب أن تتصور قوى ليبرالية أو يسارية أن الإسلاميين سيحصلون على الأغلبية وأنهم سينقلبون على الديمقراطية متى وصلوا إلى الحكم
"
وعلى الجانب الآخر، لا يجب أن تتصور قوى ليبرالية أو يسارية أن الإسلاميين سيحصلون على الأغلبية وأنهم سينقلبون على الديمقراطية متى وصلوا إلى الحكم. ولا يجب عليهم استدعاء التاريخ أو الدخول في النوايا المستقبلية في كل مرة يتعاملون فيها مع الإسلاميين. كما لا يجب تصور أنه بالإمكان تجاوز أو تحييد الدين نهائيا في مستقبل مصر السياسي. 
هذه أزمة عدم ثقة، ويمكن للعقلاء والحكماء في الطرفين التعامل معها عن طريق اهتمام كل الأطراف بالتوافق على القواعد والإجراءات والترتيبات الدستورية والقانونية والإجرائية التي تمنع أي طرف من إقصاء الآخر، أو الانقلاب على الديمقراطية، أو الاستثمار في الديمقراطية دون التقيد بقواعدها داخل القوى السياسية ذاتها.
وهناك ضمانة أخرى على الجميع إدراكها، وهي طبيعة الثورة ذاتها التي قامت بها فئات واسعة من الشعب من أجل هدم دولة الاستبداد والقمع وإقامة دولة ديمقراطية تقوم على القانون والعدالة والكرامة.
ولهذا فإن خروج أي من القوى عن هذا الهدف سيقابل بموجات ثورية أخرى، والشعب لن يترك ثورته بعد أن انكسر حاجز الخوف للأبد، ولا سيما في ظل هذا الجو من الفضاءات، الإعلامية والاتصالية، المفتوحة.
مبادئ الدستور الجديدوفي هذا السياق يمكن قبول فكرة التوافق على عدد من المبادئ العامة التي يقوم عليها الدستور الجديد، والتي وقعت القوى المختلفة على وثائق تتضمن مبادئ مثيلة. لا يجب أن تتخوف القوى الإسلامية من الفكرة بشرط مشاركة كافة القوى السياسية الوطنية في مناقشتها وإصدارها بعد إجماع هذه القوى عليها.

"
لا يجب أن تتخوف القوى الإسلامية من فكرة التوافق على عدد من المبادئ العامة بشرط مشاركة كافة القوى السياسية الوطنية في مناقشتها وإصدارها بعد إجماع هذه القوى عليها
"
وأتصور هنا أن هذه المواد لا ينبغي أن تكون مطولة، فالغرض الأساسي منها هو وضع ضمانتين لتهدئة نوعين من المخاوف: الضمانة الأولى "ضمانة ديمقراطية" لمنع عودة الاستبداد والانقلاب على الديمقراطية ومنع وجود سلطة عسكرية أو ثيوقراطية. والضمانة الثانية "ضمانة هوية ومرجعية" لمنع المساس بالهُوية العربية والإسلامية للدولة المصرية، أي المادة الثانية من الدستور السابق، مع إضافة ضمانات لحقوق الأقباط والأقليات.
هكذا سارت الأمور في عدد من حالات الانتقال، ولعل ما تم في إسبانيا مهم هنا. ففي اتفاق أول بين أطراف رئيسية ثلاثة هي الحكومة والمعارضة والاتحادات العمالية، تم التوافق على مواجهة التحديات الرئيسية هناك (مواجهة الإرهاب والدعوات الانفصالية، ومواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها الجماهير)، ثم ترجم الجميع، في خطوة تالية، توافقاتهم في دستور جديد بعد جملة من المساومات والتنازلات المتبادلة، ليحتوي الدستور الجديد على ضمانات وتطمينات متبادلة جديدة لكل الأطراف وخاصة لقوى النظام الرأسمالي ورجال المال والأعمال، والكنيسة، والجيش. 
الشباب والثورةوأخيرا يأتي الخطر الثالث من بعض الشباب. فعدم وجود قيادة موحدة للثورة وللائتلافات الشبابية التي ظهرت أثناء الثورة، وعدم وضوح مسار الانتقال والتأخر في الحوار مع هذه القوى الشبابية بشكل عام، أدت جميعها إلى ظهور كيانات أسمت نفسها "ائتلافات شبابية وثورية"، احتلت حضورا في الإعلام رغم أن معظم أعضائها لا علاقة لهم بالثورة، والكثير منهم يتحدثون في أشياء لا يعرفون تفاصيلها ولا أبعادها.
والأخطر من هذا فقدان بوصلة مطالب الثورة وتشتت مطالب بعض الشباب. فالبعض لا يرى أهمية الآن في التركيز على الديمقراطية وإقامة النظام المنشود.. والبعض الآخر لا يدرك خطورة تسييس الجيش والتقدم له بمطالب لا يجب أن يتحمل الجيش أعباءها.. بل وهناك من يرى أن الحالة الثورية لابد أن تستمر حتى تتحقق كل المطالب الاجتماعية والاقتصادية، أو تنتهي كل صور السلطة والإكراه المادي.
الخطورة هنا هي في عدم إدراك البعض كيفية إدارة الدول المعاصرة ولا أنظمة الحكم الحديثة.. هذه الإدارة عملية معقدة، وتتضمن الكثير من الفرص التي لابد من يُستعد لها والمخاطر التي لابد أن تُحسب جيدا.. وتتطلب، بالتالي، الاهتمام بإقامة النظام السياسي الذي يقوم على حكم القانون والمؤسسات الديمقراطية المنتخبة وعلى المتخصصين الأكفاء.
هذا النوع من الأنظمة هو وحده القادر على التعامل، بشكل مؤسسي، مع كل المطالب الاجتماعية المشروعة، وذلك بما يتوفر له من شرعية شعبية عبر آلية الانتخابات الديمقراطية، وقنوات شرعية ومؤسسية لنقل مطالب الناس وتحويلها إلى سياسات وقرارات.
هناك مبادرات عدة يعمل على إنجازها الكثير من المخلصين لمعالجة هذا الأمر، يجب تشجيعها والمساهمة فيها. هناك مبادرات من المجتمع المدني لدمج الشباب في كافة ميادين المجتمع بدلا من التركيز على الاحتجاج في ميدان التحرير، على أهمية استمرار الضغط الشعبي متى استدعت الحاجة.

"
عدم وجود قيادة موحدة للثورة وللائتلافات الشبابية التي ظهرت أثناء الثورة، يجعل التنسيق بين هذه الائتلافات الثورية وتطوير قيادة موحدة، أو مجلس أمناء موحد، من الأمور المهمة في المرحلة الحالية
"
وأتصور أن التنسيق بين الائتلافات الثورية وتطوير قيادة موحدة، أو مجلس أمناء موحد، من الأمور المهمة في هذه المرحلة التاريخية.
كما يجب أن تنفتح الأحزاب السياسية القائمة على الشباب، وتعمل على القيام بعمليات تفاعل صحية بين الجيل القديم وجيل الشباب الراغب في العمل السياسي.
فالمطالب الاجتماعية الاقتصادية المشروعة لن تتحقق إلا على يد حكومات شرعية وقوية، وهذه الحكومات لن يتم تشكيلها إلا بتنافس أحزاب سياسية حقيقية عبر صناديق انتخابات ديمقراطية. ومن هنا فانضمام الشباب للأحزاب وممارستهم للعمل السياسي عبر قنوات رسمية وفعالة أمر لا مفر منه. 
وأخيرا فإن فشل الثورات وإجهاضها يرتبط بأسباب عدة، من ضمنها الطريقة الثورية في التغيير، التي هي أصعب طرق التغيير وأكثرها تكلفة.. ولهذا على العقلاء في هذا الوطن، وعلى رأسهم أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأعضاء الحكومة وكافة النخب السياسية وقادة الائتلافات الشبابية، الارتفاع إلى مستوى المسؤولية التاريخية والإسراع في ترجمة أهداف الثورة المصرية وطموحات أبنائها إلى مبادئ عمل ومواد دستورية وترتيبات مؤسسية بطرق توافقية غير إقصائية. وقديما قال الشاعر العربي الحكيم:
لا يَصْلُحُ الناسُ فَوضَى لا سَراةَ لَهُمْ .. ولا سَـراةَ إذا جُهالُهُـمْ ســادُوا
تُهْدَى الْأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ .. فإنْ تَوَلَّتْ فبِالأَشْرارِ تَنْقادُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger