الثلاثاء، 8 مارس 2011

الجيش هو الهدف القادم لأذناب نظام مبارك


Tue, 08/03/2011

إذا كان هذا العنوان قد استفز فضولك أو أثار حفيظتك فاسمع أولا هذه الحكاية.

كان ذلك قبل سنوات، وكنت قد ذهبت مع وفد فنى وثقافى فى زيارة للتضامن مع أهالى منطقة شعبية حاول أحد رجال الأعمال المقربين من الرئيس المخلوع مبارك الاستيلاء على أراضيها بالقوة، وانحازت الشرطة إلى صفه كعادتها فى عهد مبارك، وحدثت بين الطرفين مصادمات عنيفة تطلبت تدخل قوات الجيش للسيطرة على الأوضاع فى ظل انعدام ثقة الأهالى فى الشرطة، وتمت إحالة الملف بأكمله إلى القضاء لكى يحكم فيه. عندما وصلنا إلى المنطقة أقلقتنا رؤية دوريات الجيش وهى تطوف حول المكان فى وقت لم نكن قد اعتدنا على رؤيتها كما يحدث الآن، بعض الذين شاركونا الزيارة ظهرت عليهم علامات الندم لتورطهم فى هذا الموقف المتوتر،

لكن ضحكات الأهالى ومودتهم وتعاملهم الطبيعى طمأن الجميع، أخذ الأهالى يتحدثون عن مأساتهم وإحساسهم بافتقاد الأمان وإمكانية تعرضهم للغدر فى أى لحظة من رجل الأعمال المسنود وقوات الأمن، رددت محاولا طمأنتهم بأنه طالما قرر الجيش التدخل فلن يجرؤ أحد على تجاوزه أو تحديه، وأن عليهم أن يركزوا فى إدارة المعركة من الناحية القانونية لضمان حقوقهم، ففوجئت بمن بدا أنه أحد «أعيان القوم» يقول كلاما تحريضيا ضد قوات الجيش ويتهمها بالتآمر مع رجل الأعمال ويدعو الأهالى إلى أن يقوموا بالتصعيد معها لكى يختبروا نواياها، استغربت كلامه بشدة، كان قد استقبلنا بحرارة عند مجيئنا وصافحنا فرداً فرداً وقال فى حق كل منا بقين حلوين، وبدا لنا مثقفا بأكثر مما «يستحمله» المكان.

دونما اتفاق أخذنا نفند ما قاله ونذكر الناس بخطورة هذا التوجه، لكننى لاحظت أن الناس جميعا لا يبدو أنهم أخذوا كلامه مأخذ الجد وطلبوا منا تغيير الموضوع إلى الكلام فى الفن، وكالعادة بدأوا بالسؤال عن بعض الفنانين والفنانات هل هم مسلمون أم مسيحيون، برغم أن كثيرا من الحاضرين كانوا مسيحيين، وكانت تعم المكان حالة من التآلف الوطنى الذى يجمع المصريين فى الأزمات، انتظرت حتى قام الرجل الوجيه لبعض شأنه، و«ميّلت» على أحد أبناء المنطقة الذى دعانا للحضور، لأحذره من خطورة الاستماع لكلام هذا الرجل الذى أقدر إخلاصه وحماسه، فقاطعنى ضاحكا وقال لى «إخلاص مين يا أستاذ.. سيبك منه ماحدش فينا هيسمعه.. أصل ده شغال مع أمن الدولة، وعارفين إنه عايزنا نولعها عشان يركبنا الغلط فنقوم خابطين فى الجيش وما يبقاش لينا ضهر وتضيع الأرض واللى عليها».

لا تسألنى عن مغزى الحكاية قبل أن تسمع الحكاية الثانية، وهى الأخيرة بالمناسبة إذا كنت لا تحب الحكايات، شوف يا سيدى، كنا قبل رحيل مبارك بأيام نجلس مع مجموعة من الشباب فى جلسة «عصف أفكار» نتحدث عن الخطوات التصعيدية التى يمكن أن يتم اتخاذها لكسر حالة الجمود التى فرضها مبارك على الثورة، وبدأت الاقتراحات تتوالى، لكنها بدت للبعض غير كافية لإحداث نقلة قوية، وبعد أن انتهت الجلسة وعاد بعضنا إلى بيته، اتصل بى أحد الشباب الذين أثق فيهم وأعرف دورهم الرائع فى الثورة، ليقول لى إن شابا شديد الحماس اقترح خطوة جريئة لم يعرف كيف يرد عليها، وهى أن يتم عمل مظاهرة من خمسين ألف ثائر تتوجه إلى مقر وزارة الدفاع لتحاصره، لم يكمل صاحبنا الاقتراح، فقد وجدنى أصرخ فيه فى التليفون «يانهار إسود.. إوعوا حد يفكر فى كده.. مين الواد ده.. ده أكيد تبع أمن الدولة.. إوعوا حد يكرر الاقتراح ده أبدا»، قال لى صديقى وقد استغرب مبادرتى لإدانة الشاب الذى لا أعرفه «حرام مش عايز أظلمه.. هو متحمس بس نيته حسنة»، قلت له «أتحداك إذا لم يكن عميلا فى أمن الدولة فعلى الأقل نيته الحسنة شغالة مع أمن الدولة»، بالطبع لو لم تكن المكالمة مسجلة بالتأكيد وربما تقرأ تفريغا لها على الإنترنت ذات يوم قريب فى ذات ملف لما كنت قد أشرت إليها، ولولا أننى أحتاج إلى حكايتها الآن لما كنت قد أشرت إليها أصلا.

لاحظ أن الجيش لم يكن وقتها قد تدخل لحسم الثورة، وكان مازال يتم ترويج إشارات متناقضة حول موقفه منها، وأزعم أن عناصر أمن الدولة وأذناب الحزب الوطنى كانوا يلعبون دورا سلبيا فى خلق حالة عدائية تجاه الجيش، ولا أظن أن هناك أحدا كان فى التحرير أو غيره من ميادين مصر لا يعرف ما أتحدث عنه، ولا يمكن أن ينسى كيف كانت تمارس حرب نفسية بشعة ضد الثوار طيلة أيام الثورة كادت تؤدى إلى العديد من الكوارث التى لطف الله بمصر وعبرت على خير، بفضل حكمة الثوار والجيش التى تجسدت فى ذلك الشعار الرائع «الشعب والجيش إيد واحدة»، والذى كان يرفع فى البداية توجسا وحذرا، قبل أن يخرج هادرا من الأعماق بعد تجارب إيجابية عديدة لا يتسع المقام لذكرها، فقد وعدتك أن تكون الحكاية السابقة هى الأخيرة.

ربما أصبح أغلبنا يعلم الآن أن الجيش لعب دورا تاريخيا فى حسم الثورة، وإلا لكانت قد دخلت فى نفق مظلم بسبب انقياد مبارك وراء رغبة زوجته وابنه جمال فى البقاء على كرسى الحكم حتى نهاية فترته الرئاسية، لكى يأخذ جمال فرصة أخيرة فى ترتيب أوراقه والبحث عن طريقة لتحقيق حلمه بالوصول إلى كرسى الرئاسة، وبالتالى الانتقام من كل الذين فكروا أن يطيحوا بذلك الحلم المريض، تستطيع أن ترجع إلى عشرات الوقائع التى نشرتها الصحف والمواقع الإلكترونية المصرية والعربية والأجنبية وتربط بينها لتصل إلى صورة تقريبية تعرف منها كيف حدث ذلك بالضبط، حتى نعرف قريبا حقيقة ما حدث بالتفصيل بعد أن يكون ذلك متاحا لقادة الجيش، دعنى أقل لك إننى كنت قد تمنيت على أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال لقائهم بعدد من الكتاب قبل أسابيع أن يبادروا إلى شرح تفصيلى يكشف حقيقة ما حدث للشعب المصرى للتخفيف من تأثير شبح مبارك الذى يخيم على البلاد،

كنا قد التقيناهم بعد يوم من حديث الأستاذ هيكل عن بؤرة شرم الشيخ، وهو ما أشار إليه عدد من الكتاب على رأسهم الأستاذ جمال الغيطانى، وبدا لنا أن حديث أعضاء المجلس قاطع فى نفى وجود تأثير لمبارك على البلاد أو ممارسته لأى سلطات أو اتصالات مؤثرة، وقيل لنا صراحة أن هناك إجراءات قاطعة ستتخذ من أجل استعادة أمواله ومحاسبته هو وأسرته محاسبة عادلة، بل وعندما وجه زميلنا الأستاذ محمد أمين سؤالا صريحا حول سر الطلعة الجوية التى حدثت يوم رحيل مبارك وأثارت هلع الناس، وهل كانت تعبر عن انشقاق فى الجيش حول الموقف من مبارك، جاء الرد قاطعا أن الطلعة الجوية لم تكن لإرهاب الناس، وأنه لا يوجد انشقاق فى الجيش حول الموقف من مبارك، وأنها جاءت لكى تنقل لمبارك رسالة بأن الجيش انحاز لمطالب الشعب.

يومها كان الكلام تفصيليا وواضحا ومحددا، ولولا ذلك لما شعرت شخصيا بالاطمئنان الذى حرصت على أن أنقله إلى كل من سألنى من الصحفيين والإعلاميين وعلى رأسهم السيدة منى الشاذلى فى برنامجها العاشرة مساء، بالطبع لم أستغرب قلق الناس من اطمئنانى فهم معذورون لأنه انتهى العصر الذى يجب أن يطمئن الناس فيه على بياض، ومع ذلك فقد آلمتنى حملة تشويه لكل من حضر اللقاء قام بها بعض الذين لا أدرى مع من تعمل نواياهم الحسنة، والذين استخدموا تعبيرات من نوعية «الجيش بلف الكتّاب وضحك على فلان وخدع علاّن»، لاحظت يومها كيف قام عناصر أمن الدولة على الإنترنت باستخدام معلومة نقلتها لمنى الشاذلى حول إقالة رئيس جهاز أمن الدولة حسن عبدالرحمن، وبعدها قام مكتبه بالاتصال بها على الهواء متحديا، ليقول إنه ما زال يعمل فى مكتبه، ولاحظت أن الكلام عن الواقعة يتردد فى مواقع إنترنت كثيرة بشكل يكاد أن يكون متطابقا، ويركز على فكرة واحدة هى أن الجيش يخدع الناس، وأنه يعمل لمصلحة نظام مبارك، مع أن المنطقى أن يسأل الناس أولا عن حقيقة ما حدث، وهل هناك خطأ ما فى الأمر، بدلا من أن يتم تعميم استنتاج مثل هذا لا يحتاج المرء إلى ذكاء خارق لمعرفة من المستفيد منه.

ورغم أن الأخبار حملت بعدها بيوم نبأ تجميد عمل حسن عبدالرحمن، ثم توالت أخبار تجميد أموال مبارك والبدء فى فتح ملفاته قانونيا، إلا أن نفس النبرة التشكيكية التصعيدية لم تتوقف للحظة، وظللت أتابعها باهتمام شديد حتى فى خطاب العديد من الناشطين السياسيين الأنقياء والمشاركين بفعالية فى الثورة، وكنت أحاول أن أتصل بكل من أثق فيهم من هؤلاء لأنبه إلى خطورة تلك النبرة، محاولا أن أفهم مصدرها لكى أدرك هل أنا مخطئ فى تفاؤلى، وتحملت فى سبيل ذلك بعض الرزالات التى وصفتنى بأننى «مفتون بالجيش ومسلم له على بياض»، وكنت حريصا دائما على التأكيد أن الثقة فى الجيش ليست على بياض، بل هى على أرضية تأكيد الجيش دائما وأبدا على انحيازه لمطالب الشعب واستجابته لها جميعا، وذلك التأكيد وحده هو ما يجعلنى فخورا بأن فى مصر نواة صلبة تحميها من التشرذم والتفكك، ومن واجب كل وطنى يحب مصر أن ينحاز لهذه النواة الصلبة، ويعلم أنه فى لحظات حرجة وخطيرة مثل التى نعيشها لا يمكن لكل الناس أن يحققوا كل مطالبهم ويلبوا كل رغباتهم، فلو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلى ما شاء الله.

أعلم أن أداء الجيش به بطء يثير حفيظة البعض، وهو ماسألنا عنه كثيرا فى لقائنا بالجيش خصوصا فيما يتعلق بالاستجابة لمطلبين مهمين هما تغيير حكومة شفيق، والتعامل مع ملف جهاز أمن الدولة، وقد قيل لنا يومها إن التعامل يتم بحذر مع ملف أمن الدولة خشية من حدوث اختلال أمنى كبير بسبب تغول دور هذا الجهاز ودخوله فى كل تفاصيل الحياة فى مصر لكن تمت طمأنتنا بأن هناك متابعة دقيقة له، وادعى أن شفيق ووجدى لعبا دوراً فى فرملة اتخاذ إجراءات تصعيدية ضد ذلك الجهاز، بعد أن تعهدا بالسيطرة على أدائه، بل وتم تسويق فكرة أن الجهاز يمكن أن يلعب دورا وطنيا مهما تحتاجه البلاد فى هذه الفترة الحساسة، ولعل هذا ما يفسر الاستمرار فى العزف على نغمة وجود أصابع أجنبية.

أما فيما يتعلق بحكومة شفيق فقد قيل لنا صراحة يومها وكان ذلك قبل أسابيع إنها حكومة لن تستمر طويلا، وأن الإبقاء عليها وراءه الخوف من أن تتم إقالتها فجأة ويتم تكليف رئيس وزراء جديد يأخذ عدة أيام لتشكيل حكومة تعيش فيها البلاد فى حالة فراغ سياسى يزيد من عواقب الانفلات الأمنى الذى قيل لنا بعض نماذج منه خصوصا فيما يتعلق بالتعديات على الأراضى الزراعية والبناء المخالف والتهديد بتصعيد الاحتجاجات الفئوية بشكل تدميرى وكلها وقائع تدعو للخجل والفزع، ولن يرحم التاريخ من قام بها عندما يكتب تاريخ الفترة بالتفصيل.

أعترف بأن ما قيل لنا يومها عن التمسك بحكومة شفيق لم يقنع الكثيرين، فبدأ الكلام يتردد فى جميع المنتديات السياسية عن وجود ضغوط خارجية للإبقاء على حكومة شفيق، وهو ما ثبت كذبه بمجىء حكومة عصام شرف الذى أبرأ ساحة شفيق من هذه التهمة التى كانت تروج بين الناس كأنها معلومة ثابتة، قبل أن تظهر شواهد حول وجود تقارير من جهات رفيعة تحذر من مغبة تغيير حكومة شفيق وضرورة إعطائه فرصة لتنفيذ ما تعهد به، ومع ذلك فإننى أزعم أن الجيش لم يستجب لتلك المخاوف، ولدى معلومات أنه تم تغيير حكومة شفيق بشكل مرحلى وقد تم ذلك بذكاء شديد عندما تم تغيير بعض الوزراء والاستعانة بوزراء متخصصين ذوى سمعة طيبة ساعد الدكتور يحيى الجمل فى اختيارهم، وأزعم أن ذلك كان تمهيدا للإطاحة بشفيق وتصعيد الدكتور يحيى الجمل لكى يكون رئيسا للحكومة التى تجرى الانتخابات التشريعية،

وعلى حد علمى فقد تم الإتفاق مع الدكتور يحيى على ذلك، وهناك واقعة يمكن أن أرويها - إذا تطلب الأمر - للتدليل على ذلك وقد قيلت لى قبل أسبوعين، عندما بدا للجميع أن شفيق غير مسيطر على الأمور كما يجب، وبدأ التفكير فى بدائل له وبدأ سؤال العديد من الشخصيات حول مدى ارتياح الشارع لتلك الشخصيات التى كان بعضها من داخل جهاز الدولة الحالى، وبعضها كان مقترحاً من الشخصيات العامة ومجموعات الشباب التى التقى بها المجلس العسكرى، ولعل فى كل ذلك ما يفسر لنا كيف حدث الانتقال السلس إلى حكومة الدكتور عصام شرف، كما أنه يفسر التشكيل الذى خرجت به، ويفسر أيضا حالة الارتباك التى حدثت لدى جهاز أمن الدولة ودفعته لارتكاب تلك الحماقة فى حرق ملفاته بسرعة جعلت الثائرين يهبون لاقتحام مقراته، وهو ما لم يقمعه الجيش إلا بعد أن تم تعيين وزير داخلية جديد يحظى بسمعة رائعة ويمتلك تاريخاً مشرفاً هو اللواء منصور العيسوى أعانه الله، وفى رأيى الذى سيغضب البعض أنه لم يكن ينبغى بعد تعيينه أن يبادر بعض الناشطين إلى محاولة اقتحام مقر أمن الدولة فى لاظوغلى، فقد كان فى ذلك إحراج ليس للجيش فقط بل وللحكومة التى لم تكن قد تسلمت عملها بعد،

وأزعم من خلال سؤالى عن تفاصيل ماجرى أن هناك فخاً أمنياً تم نصبه لتوريط الناشطين فى صدام مع الجيش، وذلك بعد أن تناقل الناشطون على تويتر والفيس بوك دعوة للتوجه إلى مقر لاظوغلى لأن الجيش سيسمح بدخولهم، وعندما توجه العديد من الناشطين إلى هناك فوجئوا بوجود مجموعة من البلطجية يحملون سنجا ومطاوى ويقومون بتهديد حياتهم، وقالت لى صديقتنا نوارة نجم التى أثق فيها أن هناك مجموعة كانت بين الموجودين كانت تقوم باستفزاز الجيش بتصرفاتها وطريقة تعاملها وكلماتها، وعندما تقول نوارة إنها لا تعرف أحداً من هذه المجموعة فلك أن تتأكد أنها مجموعة لا علاقة لها بالعمل السياسى، ولك أيضا أن تفهم لماذا تحول الأمر إلى صدام وصل بالجيش إلى إطلاق الرصاص فى الهواء، ليتراجع الموجودون أمام مقر أمن الدولة مبتعدين عنه فيفاجأوا بهجوم البلطجية عليهم بالسنج، فيعودوا مسرعين إلى المقر، ليقوم الجيش باحتجاز بعضهم، ويتطور الأمر بشكل كان يمكن أن يتحول إلى كارثة تطيح بالحكومة قبل إعلانها، لولا أن الله ستر.

فى تلك اللحظات العصيبة من مساء الأحد (أمس الأول) اتصلت بى الكاتبة الكبيرة نجلاء بدير لتطلب منى أن أنقل ما يحدث (من حصار للناشطين على يد البلطجية بالقرب من وزارة العدل) إلى من أستطيع من قيادات الجيش، اتصلت فورا باللواء إسماعيل عتمان مدير الشؤون المعنوية، عضو المجلس الأعلى، وكنت حسن الحظ عندما رد على إتصالى، شرحت له ما حدث، لأجد أنه مفاجأ به تماماً، وأعترف أنه سألنى سؤالاً محرجاً: «وهى الناس بتعمل إيه فى لاظوغلى إذا كانت النيابة شمعت المكان بالشمع الأحمر وحرزت الملفات وفى وزير داخلية جديد قال فى أول تصريح له إنه هيعيد النظر فى جهاز أمن الدولة وهيحاسب المخطئين على جرائمهم فى حق الشعب، مش نديله فرصة يشتغل هو والنيابة»، حاولت أن أقول له التصور الذى كونته عن وجود خدعة فى الأمر، وذكرته بمكالمة سابقة قبل أيام أبلغته فيها ببلاغات طلبت منى مراكز حقوقية أن أوصلها إليه حول وجود معتقلين تم سجنهم بعد اندلاع الثورة وتم إخفاؤهم فى سجن الوادى الجديد السحيق،

فى نفس الوقت الذى كان فيه شفيق ومحمود وجدى يتحدثان عن الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، وقال لى سيادته يومها إن القوات المسلحة ستداهم السجن فورا بعد أن تم إبلاغ سيادة المشير، وقلت له بعد تردد إننى أخشى ألا تكون المداهمة فعالة لأن تليفونى مراقب بالتأكيد، كان ردى يبدو عبثيا لكنه كان يكشف إلى أى حد كان أمن الدولة متغولا فى هذه البلاد بشكل لم يكن ممكناً أن يستمر إلى الأبد، أنهيت مكالمتى بأن طلبت من سيادته أن يربط بين هجوم البلطجية على الناشطين والصحفيين أمام مقر لاظوغلى وبين ما ذكرته وثائق تم العثور عليها فى مقر أمن الدولة بمدينة نصر تتحدث عن وجود تشكيل منظم من البلطجية يبلغ عدده أكثر من أربعمائة ألف مسجل خطر وبلطجى، وطلبت منه أن يراجع حلقة (مصر فى أسبوع) على قناة «أون تى فى» التى أشار فيها الأستاذ نصر القفاص إلى مضمون هذه الوثيقة، لدرجة أننى مازلت حتى اللحظة أعتقد أننى أحلم وأننى لم أسمع ما قيل، وأتمنى أن أكون مخطئاً فى كل ما سمعته.

بعدها بفترة قالت لى الأستاذة نجلاء بدير إن الجيش ساعد المحتجزين بجوار مقر أمن الدولة على الخروج سالمين، ثم تابعت على العديد من مواقع الإنترنت عودة النبرة التصعيدية ضد الجيش لأنه قام باحتجاز الناشطين وتطاول بعض أفراده عليهم، وتم الربط بين ما حدث وبين ما حدث قبلها من أحداث مؤسفة أمام مجلس الشعب، مع أن الجيش اعتذر عنه بشكل فى رأيى سيحسب له فى التاريخ، وهو اعتذار القوى القادر، وليس اعتذار المرتبك، كما حاولت بعض أذناب أمن الدولة أن تشيع ذلك على مواقع الإنترنت لتتهم شباب الثورة بكسر هيبة الجيش. يجب أن أؤكد هنا أنه لا يوجد شىء فى الدنيا كلها يمكن أن يبرر التطاول على إنسان أو احتجازه بشكل غير قانونى أو محاكمة ناشط سياسى أمام محكمة عسكرية يقف أمامها الخارجون على القانون.

ولكن ضميرى يجب أن يجعلنى أسأل: إذا كان هناك ما يبرر لنا أن نقتحم مقرات أمن الدولة فى ظل عدم وجود وزير داخلية لكى نحمى وثائقه من الإتلاف، وإذا كان هناك ما يبرر لنا أن نقوم بتصوير تلك الوثائق خوفاً من ضياعها وعدم وصولها إلى العدالة، فهل توجد مبررات مقنعة لمحاولة اقتحام مقر أمن الدولة بعد أن تم تعيين وزير داخلية واعد بكل خير وبعد أن قيل لنا إن النيابة العامة تحفظت على ملفاته، أؤكد هنا على كلمة قيل لنا، لأنها تطرح علينا سؤالا عن الفرق بين الرقابة الشعبية اللازمة والمهمة وبين تحولنا نحن إلى سلطة تطبق القانون بيديها، بينما نحن لا نعلم أصلاً من هو المندس بيننا ومن هو الذى تعمل نواياه الحسنة فى خدمة نظام مبارك البائد والراغب بقوة إلى العودة ولو فى شكل جديد.

لا أريد لأى تفاصيل أن تغلوش على دعوة من القلب أوجهها إلى كل من يقرأنى سواء كان مشاركاً فى الثورة أو متعاطفاً معها أو كان ذا تأثير إيجابى على أحد من المشاركين فيها أو المتعاطفين معها: يجب أن نعلم جيدا أن نظام مبارك ورموزه وأذنابه والمنتفعين منه وبه لن يستسلموا بهدوء ولن يرضخوا للواقع الجديد، ولن يفوتوا أبدا أى فرصة للانتقام ممن شاركوا فى الثورة أو ممن حموها وتوجوها، ويخطئ من يظن أنهم لا يمتلكون فى أيديهم مفاتيح كثيرة لتحقيق ذلك، فهم يعلمون جيدا مدى خطورة الوضع الاقتصادى ومدى اختلال الميزان الاجتماعى ومدى توتر الوضع الطائفى، هم يدركون جيدا أنهم خلفوا وراءهم شعباً تم تخريب وعيه وعقله ووجدانه وفهمه للدين، هم يدركون جيدا أن نشوة الثورة جعلتنا نتصور أن الشعب المصرى كله ثار وكله تغير وكله خاصم الطائفية والعنف والتحرش والعدوانية، هم يدركون جيدا أن بين شعبنا كثيرين يمكن أن ينخدعوا بالخطاب العاطفى الذى سيجرى استخدامه بكثافة خلال الأيام القادمة لمساعدة مبارك على الإفلات من الحساب، هم يدركون جيدا أن هناك ملايين لم تكن راغبة أصلاً فى استكمال الثورة ليس تواطئا منها أو فسادا بل عن قلة حيلة وخوف من المجهول ورغبة فى انتظار البلا دون وقوعه، كل هذه المداخل سيتم توظيفها لإفشال مهمة الجيش المصرى فى استكمال المرحلة الانتقالية على خير لكى تدخل البلاد فى نفق مظلم يعيد الشرعية إلى حكم مبارك، فيحدث لنا ما حدث فى العراق عندما حن الناس إلى عهد الطغيان بفعل الفوضى.

لست أطالب الجميع بأن يتخلص تماماً من أسر الخوف من العسكر، فهو خوف قديم له مبررات مشروعة ولا يمكن أن ننكره على أحد، لمجرد أن هناك من يعتقد أن الوضع تغير والدنيا تغيرت، من حق كل إنسان أن يخاف ويشك ويقلق، لكن ليس من حقه أن يحول خوفه وشكه وقلقه إلى طاقة سلبية تعصف بالثورة وتجهضها. أعتقد أن هناك فرصة ذهبية متاحة أمامنا للعبور ببلادنا إلى الأمان تتمثل فى حكومة الدكتور عصام شرف، أعلم أن البعض سيثير تحفظات على بعض رموزها، لكننى أتحدى أن يأتى أحد بحكومة تنال إجماع الكل عليها، وأتمنى أن يتذكر الجميع أنها حتى لو كانت حكومة للثورة فهى حكومة انتقالية، تذكروا أيضا أن الحرب بدأت على عصام شرف من لحظة إعلان اسمه، للحديث عن أنه أصلا كان فى الحزب الوطنى، «لما هو كده طب كان شفيق ماله»، وما إلى ذلك من كلام يريد أن يصور الأمر على أنه كان صراعاً على أشخاص وليس على مبادئ، متناسين أن هناك فرقا بين رجل من قلب النظام استقال فى لحظة حرجة وانضم إلى الناس مخاطراً بحياته وأرواحه، وبين رجل ظل حتى آخر لحظة معبراً عن نظام أفقر المصريين وأهان كرامتهم وكان تخبطه عبئا على البلاد وجب أن تتخلص منه حتى لو كانت له جاذبية لدى البعض يستحقها دون شك.

لن أتحدث باسم أحد، أنا أتحدث باسمى فقط، ولا أطلب من أحد سوى أن يفكر فيما أقوله، أنا منذ اليوم لا أثق فى أى شخص يرفع مطلباً فئوياً، وإن بدا وجيهاً وصادقاً وحسن النية، لا أنكر على أحد رغبته فى تحسين ظروفه وحياته، لكن أدعوه إلى لحظة تعقل يدرك فيها أننا جميعا مهددون بالفناء فقراء وأغنياء لو لم نرتب أولوياتنا جيدا، ولو لم نفكر جميعا فيما يمكن أن نفعله كل فى مجاله وفى موقعه لكى ندعم هذه الحكومة وننجح مهمتها، ونساعدها على تحقيق الأمن والاستقرار أولا وفى أسرع وقت، لكى نتمكن من تحسين المناخ الاقتصادى، فى نفس الوقت الذى نتيح الفرصة فيه للعدالة لأن تكون حاسمة وسريعة فى القصاص لدماء الشهداء واسترداد ثروات الشعب. دعونا هنا نقول لوزير الداخلية الجديد إنه لا أمل فى عودة الشرطة إلى الشوارع بفاعلية وكفاءة، قبل أن تتم إحالة الضباط المتورطين فى قتل الأبرياء إلى المحاكمة، وقبل أن يتم اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه مسؤولى جهاز أمن الدولة، وكل هذا يمكن أن يحدث فى ساعات، خاصة أننا لا نطالب بما هو أكثر من إحالتهم إلى محاكمة عادلة ستبرئهم أو ستدينهم،

وأعتقد أن الملايين، لو حدث ذلك، سيضعون أنفسهم جميعا تحت تصرفه لاستعادة الأمن فى الشارع. علينا فى نفس الوقت أن نقاوم فلول أمن الدولة وأذناب الحزب الوطنى مقاومة شرسة فى كل المواقع والمنتديات، فى الواقع المعاش والافتراضى، لكى نقضى تماما على نغمة التفرقة بين الجيش والثورة، علينا ألا نأخذ الثورة على أنها أمر مسلم به وأنها نجحت وانتهت بل يجب أن نتعامل معها على أنها حدث طارئ لم يفهمه بعد الناس ولم يحسوا به ولم يقدروه، ولا بد أن نأخذ كل ما لديهم من تساؤلات وشبهات مأخذ الجد وبصدر رحب، لا يفسده غضبنا على دم الشهداء والجرحى وقلقنا على مصير المعتقلين والمفقودين.

ختاما خذوها منى نصيحة مجربة: كلما تملككم الخوف أو القلق وقاربتم على الوصول إلى اليأس، أغمضوا أعينكم واستحضروا وجوه الشهداء المشرقة الطاهرة، وتذكروا أن هناك من ضحوا بأرواحهم لكى نستعيد وطننا، ولن نسمح أبداً أن يضيع الوطن منا ثانية، أيا كانت التضحيات.

تحيا مصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger