الثلاثاء، 26 يوليو 2011

الحملة على المؤسسة العسكرية



جمال سلطان | 26-07-2011

تواجه المؤسسة العسكرية الآن حرب تشهير ، ليس فقط عبر فضائيات غسيل الأموال ، وفلول الحزب الوطني الحقيقيين وليس الموهومين ، ولكنها تواجه هذه الحرب القذرة من خلال بث الشائعات الكاذبة عبر المجموعات النشطة على شبكة الانترنت وبين مجموعات الشباب المصري الثائر والمتحمس للإصلاح والقليل الخبرة بمثل هذه اللعبة غير الشريفة ، وهذه الحرب هي أحدث محاولات كسر هيبة المؤسسة العسكرية بعد أن فشلت محاولات إرباكها وتوريطها في مواجهة مع قطاع من الثورة .

شخصيا وصلني كثير من أطراف هذه الحرب ، وهي كلها حواديت لا تصمد أمام أي نقاش موضوعي ، ولا تصمد أمام أي مطالبات بالدليل والبينة ، أو ذكر الأسماء والتواريخ والأماكن ، مجرد حكايات مرسلة الهدف منها إثارة الشكوك حول المؤسسة العسكرية وسلوكها ، وعن نفوذ بقايا الحزب الوطني ، بل ونفوذ "الهانم" سوزان ، لدرجة أن بعضهم اعتبر أنها تعزل ضباطا من الجيش حتى الآن إذا غضبت على أحدهم ، وخزعبلات صحفي متصعلك عن رؤية جمال مبارك في سيارة صيني يتجول ليلا في شوارع القاهرة، وهي كلها محض خيال وأكاذيب بقصد إثارة الرأي العام وإرباكه وإشاعة أجواء من الإحباط لدى المصريين بأن شيئا لم يتغير وأن النظام القديم ما زال باقيا وأن الثورة لم تنتصر وأنها سرقت وأنهم يخدعوننا ، وكلام طويل عريض من هذه الشاكلة السوداوية المقصودة .

ولعلنا نذكر كيف أن هذه "الحواديت" نشطت على لسان شخصيات معروفة ، ولها نفوذها المعنوي لدى قطاع مهم من الرأي العام ، مثل محمد حسنين هيكل ، صاحب خرافة أن مبارك ما زال يحكم مصر من شرم الشيخ ، وأن زكريا عزمي يدير البلد بالوكالة ، وأن الثورة مجرد وهم ، وهو ما ثبت أنه "خرف" عجوز ضعفت صلته بالواقع وقدرته على استيعاب مستجداته ، لأنه غارق في التاريخ والحواديت ، وهو نفسه الذي ادعى أنه يملك وثائق تدل على أن ثروة مبارك في الخارج بين عشرة واثني عشر مليار دولار ، فلما استدعته النيابة للتحقيق وسماع أقواله والاطلاع على أدلته المزعومة هرب من الموضوع وحمل الأكذوبة لصحيفة الأهرام ، التي باعته بعد ذلك لأنه باعها في أقرب محطة ، ونسيت الزفة الكدابة التي أجرتها له في تلك الأيام .

وحتى حكاية فلول الحزب الوطني التي تستخدم الآن كفزاعة ويذكرونها يوميا على طريقة تخويف الأطفال من "أمنا الغولة" ، هي وهم وأكذوبة ، وبعضه كلام سخيف مهين للثورة المصرية ذاتها ، لدرجة تصوير أعضاء الوطني بأنهم إذا دخلوا في الانتخابات الجديدة فسوف يكتسحونها بنفوذهم ومالهم ، وهو ما يعني ضمنيا الاعتراف بأنهم كانوا يفوزون سابقا في انتخابات حرة وشفافة ورقابة قضائية حقيقية وشاملة ، وليس كما يعرف الجميع ، بأنهم كانوا يفوزون بالتزوير الصريح والمباشر والقمع وحرمان الشعب من التصويت أحيانا وإبعاد القضاء عن الإشراف واستخدام المؤسسة الأمنية في توجيه بوصلة الانتخابات عبر أكثر من سبيل واستخدام المجالس المحلية وأدوات السلطة كاملة للتخديم عليهم ، الآن يقولون لك أنه مع اختفاء كل ذلك فإنهم أيضا سيفوزون ، ووالله لو كان هؤلاء يفوزون فعلا في انتخابات حقيقية وشفافة وحرة ونزيهة وبمشاركة شعبية حقيقية وإدارة قضائية كاملة ، في الوقت الذي يفشل فيه كل القوى السياسية والوطنية ورموزها بالكامل ، فحلال عليهم البرلمان!! .

هذا كلام لا يمكن أن يتحمله عقل صحيح ، مجرد فزاعات ، ولا يوجد لدى الحزب الوطني كوادر يمكنها أن تفوز بقدراتها الذاتية في عشر دوائر فقط ، حتى لو كانوا مليارديرات ، وهذا الحزب الوهمي رغم التزوير والقمع واستخدام كل أدوات السلطة الأمنية والإدارية فشل في انتخابات "ربع نزيهة" في العام 2005 في أن يحصل على أكثر من 37% من المقاعد ، واضطر إلى شراء انضمام أعضاء مستقلين بعد ذلك ، وكان مرشحو الوفد والتجمع والإخوان والمستقلين الوطنيين يفوزون وباكتساح في دوائر عديدة ضد رجال أعمال الوطني السمان ، في ظل انتخابات مشوهة ، فكيف إذا كانت انتخابات سليمة وحقيقية , والدوائر التي تباع وتشترى هي الدوائر الصغيرة والهامشية وهي لا تتجاوز خمسة دوائر في عموم مصر مثل دائرة قصر النيل في القاهرة فعدد الأصوات فيها لا يصل لخمسة آلاف صوت ، أما بقية دوائر الجمهورية فتتراوح أصوات الدائرة بين المائة وخمسين ألف والنصف مليون وهذا يستحيل فيها لعبة الشراء ، هذا إذا افترضنا أنه كان هناك بالفعل حزب سياسي اسمه "الحزب الوطني" ، وليس مجرد واجهة للجهاز الإداري والأمني والإعلامي والثقافي والديني الذي يدير الدولة ، يرتبط به أصحاب مصالح ، فلما سقط النظام انتهت الواجهة وذاب كل أصحاب المصالح بعيدا عن السياسة كلها .

أتمنى أن تملك الأجيال الجديدة حصانة كافية تعصمها من مثل هذا الإرباك والإحباط الممنهج والموجه ، فمصر بخير ، وثورتها انتصرت فعليا ، ونظام مبارك سقط ، وأركان هذا النظام الإجرامي بالكامل في السجن الآن ، وحركة الإصلاح انطلقت ولا يمكن أن تتوقف أو تعود إلى الوراء ، ولكنها حركة تحتاج إلى وقت كاف لكي تبرز ثمارها ونتائجها ، وهذا ـ حتى نكون صرحاء ـ لن يقدر عليه إلا حكومة وطنية منتخبة تملك تفويضا من الشعب وليس حكومة مؤقتة ومرتعشة ، والمؤسسة العسكرية لم تخذل الشعب في أي موقف صريح وذي بال حتى الآن ، ووفت بكل التزاماتها ، والحرب الموجهة إليها الآن تأتي بسبب إصرارها على أن يمضي المشروع الديمقراطي لمنتهاه حسب البرنامج المقرر في الاستفتاء الدستوري الشهير ، لأن كثيرين يعتبرون أنهم سيضيعون إذا أتت الديمقراطية الآن ، ولكن انتقاد السلوك السياسي للمجلس العسكري في أي قضية حق لكل مصري ، لأنهم بشر وليسوا ملائكة ، كما أنهم شركاء في الثورة وليسوا أوصياء عليها ، شريطة أن يكون هذا الانتقاد بالمنطق والحجة والدليل والحوار المسؤول والأخلاقي ، أما هؤلاء الشتامون الذين جعلوا تسابيح ميدان التحرير اليومية شتيمة المجلس العسكري بأحط الألفاظ ، فهؤلاء لا مكان لهم ، لا في الثورة ولا في الطريق إلى الإصلاح .

almesryoongamal@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger