الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

حتى لا تختلط الأوراق



جمال سلطان (المصريون)16-08-2011

عن نفسي ، لو دعيت للتوقيع على الوثيقة التي أعدها الأزهر لمبادئ هادية للدستور الجديد فلن أمانع في التوقيع عليها ، رغم أي تحفظ بسيط ، ولو دعيت للتوقيع على الأفكار التي قدمها الدكتور محمد البرادعي كقيم إنسانية نحافظ عليها في الدستور الجديد فسوف أوقع عليها ، ولو دعيت للتوقيع على الوثيقة التي أعدتها مجموعة قوى وطنية بمن فيها حزب الحرية والعدالة وحزب الوفد لمبادئ دستورية ندعو إليها ونعمل من أجلها فسوف أوافق على التوقيع بدون تردد ، ولكن كل هذا شيء ، والحديث عن مبادئ دستورية يتم فرضها بقرار سيادي على الشعب المصري شيء آخر .

نحن في هذه اللحظة التاريخية نؤسس للمبدأ الجامع والأم والمرجعي لمسيرة مصر نحو الديمقراطية والحرية ، وهو أن شيئا لا يمضي بدون "ختم" الشعب المصري ، وأول ذلك يكون في الدستور الذي يمثل أبو القوانين التي تحكم هذا الشعب ، هذا مبدأ حاكم لأي مبدأ ، فلا يعقل أن يطرح البعض صيغا يدعوها "مبادئ" وهي تسقط وتهدر أبو المبادئ وأولها وأكثرها حرمة ، وهذا المبدأ تتمثل خطورته وحساسيته في أنك إذا كسرته مرة ، فقد أسقطت بنية الدولة المدنية الديمقراطية بالكامل ، ولا يتبقى منها إلا مثل مدنية الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي ، بترويج بعض القيم الأخلاقية الغربية المستوردة وخاصة في مجال المرأة والأسرة ، مما يجلب حبور ورضا بعض الدوائر الغربية ، أما الحريات العامة والتعددية وتداول السلطة واستقلال القضاء والمجتمع المدني وسيادة القانون وغير ذلك من مقومات وركائز أي دولة مدنية ديمقراطية فهو أشعار وخطب ومانشيتات صحف تتغزل في القائد البطل والمجاهد الأكبر ، دون أي رصيد لها في الواقع وحياة الناس المستباحة من قبل أجهزة أمن متوحشة ومتوشحة بثياب "مدنية الدولة ".

والذين يخلطون الأمور بالقول أن الأزهر قدم وثيقة والإخوان وافقوا على مبادئ مع حزب الوفد ونحو ذلك ، يحاولون إخفاء جوهر القضية ، وهي أن إرادة الشعب هي المرجع وهي الحكم ، وأن أي أفكار أو مشروعات أو مبادئ يقترحها هذا أو يوافق عليها ذاك ، هي مجرد التزامات أخلاقية وسياسية للطرف الذي يطرحها أو يوافق عليها ، ولكنها لا تكون مبادئ دستورية حاكمة إلا إذا أجازها الشعب نفسه من خلال استفتاء دستوري صحيح وشفاف ، وبالتالي فلا بأس أن نتحاور من الآن على مبادئ وأفكار ورؤى دستورية يطمئن إليها الجميع أو الغالبية العظمى من القوى الحية في المجتمع ، ولا بأس أيضا أن يتفق أحزاب وقوى وطنية على تلك المبادئ ، بحيث يدعون إليها عند الاستحقاق الدستوري ويدعون الشعب ـ صاحب السلطة ـ للتصويت عليها ، لكن أن يجعل طرف من الأطراف نفسه بديلا عن الشعب أو وصيا على إرادته ، فيقرر ويشرع في غيابه ، حتى لو كان من يفعل ذلك حزبا إسلاميا ، فهو ما ينبغي رفضه ومقاومته ، بل واستئناف الثورة من أجل التصدي له إذا احتاج الأمر .

والحقيقة أن من يحاولون الدعوة إلى طرح استفتاء شعبي الآن على مبادئ دستورية جديدة ، هم أنفسهم الذين دعوا من قبل إلى حدوتة "الدستور أولا" ، ولما سقطت الدعوة وفشلوا في تمريرها ، يحاولون الوصول إليها باللف والدوران ، وفين ودنك يا جحا ، لأنها دعوة تهدف في النهاية إلى إهدار البرنامج الوطني الشرعي الذي اختاره الشعب المصري في استفتاء 19 مارس المهيب ، والذي نص على أن يتم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ثم اختيار لجنة إعداد الدستور الجديد ، ولو خلصت النوايا فإنه لا يوجد أدنى مشكلة في إنجاز الدستور الجديد بعد ثلاثة أشهر ، وفي تقديري أن إنجاز برلمان وطني حر الآن وحكومة شرعية منتخبة ورئيس جمهورية منتخب بإرادة شعبية حرة أهم وأسبق ألف مرة من وضع نصوص الدستور الآن ، رغم أهميتها ، لأن مصر الآن تفتقر إلى الإرادة السياسية المدنية المدعومة شعبيا لإنجاز عملية إنقاذ الاقتصاد والأمن والمشروع السياسي ، أكثر من افتقارها إلى "نصوص" قانونية أو دستورية ، وهذه الإرادة السياسية لا تتشكل إلا من خلال برلمان حر ، وحكومة وطنية بتفويض شعبي ، ورئاسة للجمهورية تملك دعما شعبيا أيضا .

مرة ثانية وثالثة وعاشرة أكرر مخلصا ، حذار من محاولة كسر هيبة الإرادة الشعبية واستباحة "حرمة" مرجعية الشعب ، والتأسيس لفرضية أو إمكانية تجاوز اختيار الشعب ، أو التفكير في جواز تمرير قواعد وإجراءات دستورية ـ أيا كانت ـ بالرغم عن الشعب ، إذا انزلقنا إلى هذه السقطة مرة ، فقدنا القدرة على استحضارها مرة أخرى ، وفقدنا أي حصانة سياسية أو سند أخلاقي أمام الشعب وأمام أي سلطة ، وأمام المجتمع الدولي أيضا ، ونصبح جميعا ، إسلاميين ويساريين وليبراليين وغيرهم ـ ألعوبة سهلة ومسلية في يد من يملك سلطة السلاح والمال والأمن .

almesryoongamal@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger