الأحد، 11 مارس 2012

عدالة اجتماعية مفتقدة بين مافيا عائدة و’انتفاضة اقتصادية’ قادمة!

بقلم محمد عبد الحكم دياب

نشرت أجهزة الإعلام مؤخرا أخبارا ومعلومات لفتت الأنظار؛ لما لها من تأثير متوقع على حاضر مصر ومستقبلها. ومن فحواها يمكن تلمس ثمرة من ثمار ‘شيطنة’ الثورة وحصاد من حصادها المر على مدى أكثر من عام، ويُشتم منها رائحة عودة عائلة مبارك وفلول حزبها المنحل إلى سابق نفوذهم الاقتصادي فوق الأرض، مع استمرار عملهم السياسي التخريبي تحتها. وما نُشر كان عن ‘برنامج لإنقاذ المصانع المتعثرة بالتعاون مع وزارة الصناعة والبنوك’.. وأُسنِدت المهمة إلى أحد مساعدي ‘الوريث المخلوع’ جمال مبارك؛ واسمه جلال الزوربة، الذي ينفذ برنامجه بالتعاون مع الحكومة والمصارف. واستطاع حصر ستمائة مصنع متعثر، تواجه صعوبات فنية وتسويقية وتمويلية. وهيأ المصارف لضخ الأموال اللازمة لتغطية تكاليف الإنقاذ.
قسم المصانع المتعثرة إلى مجموعتين.. الأولى تقل ديونها عن خمسة ملايين جنيه، ويلتزم فيها المصنع المتعثر بسداد جزء من ديونه ويُجَدول الباقي علي أقساط مناسبة، والثانية مصانع تجاوزت ديونها خمسة ملايين جنيه؛ يتم التعامل معها طبقا لظروف كل منها على حدة. والزوربة، بإجماع من يعرفونه أداة من أدوات عائلة مبارك وقريب منها، وقد خرجت من الحياة العامة من باب السياسة، وتعود حاليا من نافذة الاقتصاد، وذلك ضمن ترتيبات للتصالح تُمَكن لصوص المال العام والأرض والخصخصة من الاحتفاظ بما حصلوا عليه وسرقوه بالأمر (أو السطو) المباشر. وصدر لذلك مرسوم بقانون من المجلس الأعلى للقوات المسلحة يسمح بذلك.
تنص مادة المرسوم الأولى على إضافة مادتين جديدتين تقول إحداهما ‘يجوز التصالح مع المستثمر فى الجرائم المنصوص عليها فى الباب الرابع من الكتاب الثاني في قانون العقوبات التي ترتكب منه بصفته أو التي اشترك في ارتكابها وذلك في نطاق مباشرة الأنشطة المنصوص عليها في هذا القانون وفي أية حالة تكون عليها الدعوى الجنائية قبل صدور الحكم البات فيها ويشترط للتصالح أن يرد المستثمر كافة الأموال أو المنقولات أو الأراضي أو العقارات محل الجريمة أو ما يعادل قيمتها السوقية وقت ارتكاب الجريمة اذا استحال ردها العيني على ان يتم تحديد القيمة السوقية بمعرفة لجنة من الخبراء يصدر بتشكيلها قرار من وزير العدل’ ويجب أن نضع عدة خطوط تحت عبارة القيمة السوقية وقت ارتكاب الجريمة!!
وإذا ما نجح الزوربة تكون السلطات العسكرية والمدنية الحاكمة قد أوشكت على استكمال خطتها في إعادة إنتاج الحكم السابق مرة أخرى، ولخص الزوربة شروطه في: استقرار الأمن، ووقف السرقة والبلطجة، وتوافر عناصر السلامة للمصانع والعاملين فيها دون تدخلات أو معوقات، ومنع الاعتصامات الفئوية المعطلة للإنتاج حسب رأيه، وتحقيق الاصلاح السياسي والديمقراطي، واستكمال إجراءات اعداد الدستور وانتخاب رئيس جديد للجمهورية!!.
والسؤال من هو جلال الزوربة؟. تؤكد المعلومات إن بداية حياته الوظيفية كانت موظفا في ‘الشركة الشرقية للأقطان’ فور تخرجه من كلية التجارة بجامعة الإسكندرية 1965، ولم يمض فيها مدة طويلة وسافر إلى ليبيا مديرا ماليا لشركة ‘ليبيا للتأمين’. وبعد 3 سنوات ذهب إلى الولايات المتحدة، وعمل مع ‘الشركة الأهلية الأمريكية للتأمين’، وقبيل عودته لمصر سنة 1989 شغل وظيفة رئيس ‘شركة التجارة العالمية’ في لوس أنجلوس، ومكنه نشاطها الممتد في أمريكا وآسيا من الارتباط بشبكة علاقات واسعة؛ تعرف خلالها على جمال مبارك في بداية عمله في ‘بنك أوف أميركا’.
ونال الزوربة دعم ‘الوريث المخلوع’ فنمت ثروته وتضخمت، وخلفه في رئاسة الجانب المصري في مجلس الأعمال الأمريكي، ثم رئيسا لجمعية المصدرين، ورئيسا لاتحاد الصناعات، وعضوا في مجلس إدارة المنتدى الاقتصادي الدولي المصري، وعضوا في مجلس إدارة جمعية جيل المستقبل، التي تأسست في بداية مشوار التوريث في تسعينات القرن الماضي، وعضوا في لجنة سياسات جمال مبارك، وفي مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة، وامتلك شركة النيل القابضة للملابس الجاهزة، وتضم 5 شركات كبرى، وحصل على قروض بثلاثة مليارات جنيه لم تُسدد بعد.
وسر ذلك الثراء هو ‘التطبيع’ ودوره الذي لعبه في ‘صهينة’ الاقتصاد المصري، ولم يكن يخجل من ذلك. وكان دائم الدفاع عن المناطق الصناعية المؤهلة (المصهينة) ‘الكويز’؛ مدعيا أنها تزيد صادرات الملابس الجاهزة بنحو مليار دولار سنويا. وحين تمَنّع ولم يُلَب أول دعوة من اتحاد الصناعات الصهيوني؛ وجد من يُرتب له لقاء مع رئيس نفس الاتحاد أثناء زيارة له لمصر، وقتها التقى ‘الضيف’ الصهيوني برجل الأعمال عبد المنعم سعودي ومعه أحمد عز، وكان حينها وكيلا لاتحاد الصناعات؛ وتم اللقاء في أحد فنادق القاهرة لمدة ساعة ونصف الساعة، بعدها أبلغ سعودي المسؤولين بخطورة التطبيع الصناعي. وبعد سنوات قليلة من اللقاء، جاء من يطلب من الزوربة التفاوض لتوقيع اتفاق فتح السوق الأمريكية أمام الملابس والمنسوجات المصرية؛ بشرط احتوائها على مكون صهيوني نسبته 10′، وقبل الزوربة وأحمد عز الاتفاق (الكويز)، وقد وُقع في ديسمبر 2004، وأُبعد سعودي من رئاسة اتحاد الصناعات وحل جلال الزوربة مكانه. على صعيد آخر تحرك اتحاد الصناعات الذي يرأسه الزوربة وعقد مؤتمرا صحافيا الاثنين قبل الماضي لرفض رفع الضرائب إلى 30′ على صافي الربح، بحجة أثره السلبي على الاستثمار. واستبدل باقتراح آخر يلغي بمقتضاه حد التسجيل لضريبة المبيعات، لتشمل ما يعرف بمنتجات ‘بير السلم’ والصناعات غير المدرجة. فيحول دون إلغاء دعم الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة من غاز وكهرباء وسولار، ليستمر استحواذ ‘حيتان’ السوق على ارباحهم الفلكية؛ ويتم تهريب معظمها للخارج.
في نفس التوقيت تواترت أخبار تأسيس أحد أكبر إثنين من كبار رجال الأعمال لـ’الجمعية المصرية للأعمال والاستثمار’، وسُميت اختصارا ‘إبدأ’؛ وتعد لمؤتمر دولي في الرابع والعشرين من هذا الشهر؛ يحضره كبار رجال الأعمال الإسلاميين، ونقل موقع ‘إخوان أون لاين’ أن هدف الجمعية تنفيذ مشروعات استثمارية؛ تسهم فيما أسماه الناطق باسمها في إحداث ‘انتفاضة اقتصادية’ تضع مصر في مصاف الدول المتقدمة!. وذلك بعودة نشاط هذين الرجلين لزيادة عدد شركاتهما في السوق، وجذب شركات واستثمارات الإخوان المسلمين إلى حظيرة الاقتصاد المصري بشكل رسمي بعد سنوات الحظر. وجاء إعلان الجمعية بعد أسبوع من صدور قرار رفع التحفظ عن أموالهما.
الرجلان المعنيان هما خيرت الشاطر النائب الأول للمرشد العام ورجل الأعمال حسن مالك أكبر أثرياء الجماعة. وكانا قد منعا من التصرف في أموالهما أو إدارتها بحكم من القضاء العسكري في القضية رقم 2 لسنة 2007 جنايات عسكرية؛ المعروفة بقضية مليشيات الأزهر. وكان من السهل عودتهما إلى السوق بهدوء دون ضجة، لكن يبدو أن هناك رسالة لها مغزى يراد لها أن تصل إلى من يهمه الأمر!.
وبالرجوع لدراسة نشرت في آخر كانون الثاني/يناير الماضي لأستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، ورئيس مركز الدراسات الاقتصادية صلاح جودة عن ‘امبراطورية خيرت الشاطر وحسن مالك’؛ وجدناه يبدأ دراسته بتصريح لحسن مالك لوكالة رويترز يقول فيه ‘تحاشينا افتتاح مصانع أو شركات كبيرة، لأنه كان من السهل على النظام أن يرصدنا، ولم نتمكن حينها من توسيع نشاطنا.. لكن الوضع تغير الآن’. وأوردت الدراسة أرقاما عن حجم اقتصاد الأحزاب والجماعات الإسلامية، وذكرت أنه يتراوح ما بين 22′ إلى 28′ من حجم الاقتصاد المصري؛ ومشاركته في الناتج القومي تبلغ 400 مليار جنيه مصري!، ومعظمه في التجارة والمقاولات، مع نسبة صغيرة في الصناعة.
وتبلغ سيطرة الإسلاميين على المقاولات والسلع الغذائية ما نسبته 28′ من حجم الاستثمارات في مناطق القاهرة التجارية والشعبية والمحافظات. وتأسيس الجمعية بداية لجذب الاستثمارات الخارجية. خاصة أن أعضاءها ينتمون لـ’حزب الحرية والعدالة’ مع بعض المستثمرين الإسلاميين الآخرين؛ مثل سمير النجار، عضو مجلس تصدير الحاصلات الزراعية، وصفوان ثابت، رئيس ‘مجموعة جهينة للصناعات الغذائية’، وعضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، وصهر مأمون الهضيبي المرشد الأسبق، ويستحوذ على أكثر من 35′ من سوق الألبان، وزاد أسعارها منذ قيام ثورة يناير حتى الآن بأكثر من 25′، وعادل العزبي نائب رئيس شعبة المستثمرين باتحاد الغرف التجارية، وعبد الرحمن سعودي، رئيس اتحاد الصناعات الأسبق. ويقود ‘الانتفاضة الاقتصادية’ إلى جانب الشاطر ومالك صاحب ‘محلات التوحيد والنور’ رجب السويركي. ويشترك الشاطر ومالك في ملكية معارض أثاث ‘استقبال’ ومحلات ملابس ‘الفريدة’ وشركة ‘سنابل’ للتجارة بنسبة 37.5′ لكل منهما، وشركة ‘الشهاب’ للسيارات وشركة ‘فيرجينيا’ للسياحة، ويساهم فيها حسن مالك بنسبة 33′، ويملك حسن مالك 52′ من شركة الإنشاءات العصرية ‘رامز قنديل وشركاه’، بجانب شركة المزارع السمكية المملوكة لعبدالرحمن سعودي وحسن مالك وخيرت الشاطر، وكذلك شركة ‘مصر’ للمقاولات. ويشارك سعد محمد شيخة حسن مالك في شركة ‘حسن مالك’ للملابس الجاهزة بالمنصورة. وتملك زوجة الشاطر وحسن مالك شركة ‘سيوة’ لاستصلاح الأراضي. وشركة ‘أجياد’ للخدمات يمتلكها حسن مالك وخيرت الشاطر، هي ودار الطباعة والنشر الإسلامية، وشركة ‘اليجي’ بالجزائر لصاحبها أيمن عبدالغني؛ زوج ابنة خيرت الشاطر ومعهما أحمد شوشة.
وبدأت ‘الانتفاضة الاقتصادية’ الإسلامية في وقت يسترد فيه ‘حيتان’ عائلة مبارك عافيتهم، ليبقى ميزان القوى الاقتصادي والمالي على حاله وخلله لصالح رجال الأعمال فقط ودعم كامل لهم وتلبية كافة شروطهم، وغاب أي ملمح نحو العدالة الاجتماعية عن الطرفين، وهي أحد أهداف الثورة، التي ما زالت ‘فريضة غائبة’. تنكرها مافيا مبارك كما اعتادت، ويتجاهلها الاستثمار ‘الإسلامي’ كما أرادوه له؛ بكل ما يحمل ذلك من شبهة زواج حرام بين المال والسياسة، وتحصين الاستغلال الرأسمالي بالدين، وتلاقت بذلك مصلحة مافيا مبارك العائدة بـ’الانتفاضة الاقتصادية’ الإسلامية القادمة!.
‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger