الثلاثاء، 22 مايو 2012

ابتسامة أبو الفتوح…

زينب ابو المجد

يظهر حسن البنا في إحدى صوره النادرة الشهيرة وهو تعلو وجهه ابتسامة ما، ونلاحظ أن جميع قادة الإخوان المسلمين تقريبا يلصقون تلك الابتسامة ذاتها على وجوههم لصقاً بشكل دائم ثابت ملفت للنظر أثناء حديثهم وصمتهم على وجه السواء، اختلف المُنظرون بشأن تأويل ابتسامة البنا وجماعته تلك، فمنهم من يراها ساعية لطلب الصداقة والود من أتباع جُدد مُحتملين، ومنهم من يرى خلفها نزعة خفية للتآمر وإحاكة الخطط، ومنهم من يراها فقط ابتسامة..صفراء.
بتلك الابتسامة الإخوانية المعهودة يطالعنا وجه المرشح الرئاسي عبد المنعم أبوالفتوح في بوستراته ولافتاته الضخمة الفخمة المنتشرة بطول الشوارع وعرضها، وجهٌ سَمِح، خلفه تاريخ طويل من العطاء كقيادي عظيم الإسهام في الجماعة، عطاء امتد لمدة أربعين عاماً.
سوف أمر فيما يلي على تاريخ أبو الفتوح الطويل هذا، ابتداء من سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم
سأتوقف عند المراحل الرئيسية الكبرى فيه، بداية من تواطؤه مع نظام السادات لنشر التيار المتأسلم المتطرف في الجامعات المصرية، مروراً باختراقه لنقابة الأطباء والسيطرة عليها وتحويلها لحظيرة للإخوان المسلمين في الثمانينيات والتسعينيات، وكيف أصبحت العملية الناجحة لسيطرته على تلك النقابة النموذج الأمثل الذي طبقه الإخوان في غزو النقابات المهنية الأخرى في الفترة نفسها، وكيف أنه أدار لسنوات مستشفيات خيرية للإخوان المسلمين مصدر تمويلها مجهول وكانت حجر الأساس في تجنيد الفقراء للتصويت لهم في مواسم الانتخابات، ثم أخيراً كيف أنه رأس أو يرأس الآن منظمات تحمل لقب «عربية» أو «دولية» وما هي في الواقع سوى جهات خادمة لحبايب الإخوان من المتأسلمين في المنطقة.
يمثل أبو الفتوح بشخصه المنفرد كل ما هو قبيح مُقزز بشأن صعود تيار الإسلام المتطرف في الجامعات المصرية في السبعينيات، أخبرتنا كتب العلوم السياسية التي قرأناها كطلبة أن السادات أراد التخلص من الناصريين واليسار فقام بالتحالف مع المتأسلمين في هذا الأمر، قام بإخراج الإخوان من سجون عبد الناصر، وتمكين الطلبة المتطرفين من حرم الجامعات المصرية، ومنَحهم أمن الجامعات حرية الحركة المطلقة فيها، وأعطتهم إداراتها جميع الامتيازات المادية الممكنة، وتم تيسير فوزهم الكاسح في انتخابات اتحاد الطلبة على تلامذة اليسار المعارضين، قام السادات حتى بشحذ الطلبة المتأسلمين للشجار العنيف بالأيدي مع معارضيه. ويعزز من تحليل علماء السياسة حول ما حدث في الجامعات شهادات المعاصرين للمسألة من مشارب سياسية مختلفة، كأيمن الظواهري، الجهادي، ومحمد حسنين هيكل، الصحفي، واللواء النبوي إسماعيل، وزير الداخلية في عهد السادات.
كان أبو الفتوح شخصياً هو الأداة الرئيسية التي استخدمها السادات في تلك المعركة، عبر صعوده للفوز برئاسة اتحادات الطلبة، يروي لنا أبو الفتوح في مذكراته التي تحمل عنوان «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» تفاصيل تنفيذ المهمة فيخبرنا كيف أنه وزملاءه أنشأوا ما أطلقوا عليه «الجماعة الإسلامية»، وكيف أنه فجأة اكتسح بالفوز انتخابات اتحاد طلبة كلية طب قصر العيني، ثم تلاها باكتساحه لانتخابات اتحاد طلبة جامعة القاهرة في مجملها، ثم اكتسح رفقاؤه انتخابات جامعات مصر الأخرى في ظرف سنوات معدودة، يخبرنا كيف أن إدارة الجامعة العليا كانت تمنحه مساندة غير مشروطة وتتحدث معه ويقابله وزير الشباب، عقد معسكرات صيفية لغسل عقول الشباب ولم يعترضه الأمن مطلقاً في شيء داخل أو خارج الجامعة، ويحكي نوادر من مثل كيف أنه كان يتشاجر بالأيدي مع الطلبة اليساريين، وكيف أنه كان يقتحم مدرجات الجامعة على من فيها لإنهاء العروض الفنية المعقودة داخلها والأهم من كل ذلك، يخبرنا كيف أنه استخدم ميزانية اتحاد الطلبة على مآرب المتأسلمين الخاصة وليس لمصلحة الطلاب الفقراء والمحتاجين، وذلك بإنفاقها على طبع وتوزيع كتب حسن البنا وسيد قطب وجهاديين آخرين غير مصريين.
بعد أن يروى أبو الفتوح كل ذلك، يؤكد بشدة أن الأمر لم يكن مطلقاً صنيعة السادات، وإلا لكان هو نفسه قد عرف! ويُصر أنهم حققوا كل تلك الإنجازات في وقت قياسي لأن السادات فعلاً كان يؤمن بالحرية وامتاز عهده بها، يقول: «كانت الحرية حقيقية، حرية عمل وليست حرية كلام». ربما كان أبو الفتوح عندها طالباً ساذجاً لا يدرك أن المشايخ الذين اتبعهم وقادة الإخوان الذين بايعهم استخدموه لغرض، ولكن أن يستمر في إنكار ما استقرت عليه الدراسات السياسية وشهادات المعاصرين بعد أن كبر وصار كهلاً عام ٢٠٠٩، وهو عام نشر مذكراته، فهو أمر يثير الريبة والشك العميق حوله.
إذا ما قمنا اليوم بالتصويت لأبو الفتوح فإننا نبعث برسالة طيبة لورثته من الشباب المتطرف المنتشر الآن في الجامعات ويمارس نفس السلوك غير الأخلاقي المستفز مع غيره من الطلبة، الرسالة مفادها أن كن وقحاً وتواطأ مع النظام ضد زملائك اليوم ولاتقلق، سنكافئك بأن نجعلك رئيساً للجمهورية غداً، ولا مانع عندها من أن تنفق ميزانية الدولة على مآربك الأيديولوجية الخاصة وليس على صالح المواطنين المحتاجين.
ننتقل الآن للمرحلة التاريخية التالية من نضال أبو الفتوح، وهي فترة الثمانينيات بعد أن تخرج من الجامعة وأصبح عضواً بنقابة الأطباء، قاد عندها باقتدار غزوة السيطرة على تلك النقابة لصالح جماعة الإخوان المسلمين، بل وكان مهندس النموذج الأمثل الذي طبقه الإخوان في السيطرة على النقابات المهنية الأخرى، عند صعوده للسلطة، ضيق الرئيس الجديد مبارك الأمر على الإخوان فقرروا سلك سبيل الوصول للحكم من خلال التسحب لداخل النقابات وتثبيت أقدامهم فيها والفوز في انتخاباتها، قام أبو الفتوح في عام ١٩٨٤ بتصميم أول عملية اختراق إخواني لنقابة وكانت نقابة الأطباء، عندما أصبح أمين عام مساعدا لها، ثم تم تطبيق منهجه الممتاز على نقابات الصيادلة والمحامين والمهندسين والتجاريين والزراعيين والبيطريين..إلخ في السنوات التالية من حقبة الثمانينيات، وانتشر الإخوان كالسرطان في مكاتب النقابات ومجالسها، أتم أبو الفتوح عملية اختراق نقابة الأطباء عندما صعد لمنصب أمينها العام من سنة ١٩٨٨ حتى ١٩٩٢.
في نقابة الأطباء سهل أبو الفتوح سيطرة الإخوان على «أمانة الصندوق»، وتم تعيين موظفين معظمهم أقارب القيادات الإخوانية، ثم بدأ معارض السلع المعمرة والتي باعت فيها شركات الإخوان بضائعهم التجارية وكسبوا ملايين على حساب أعضاء النقابة، وانتهت إدارة أبو الفتوح الحكيمة للنقابة بسقوطها في مديونية قدرها ٦ ملايين جنيه، وتم فصل المستشار القانوني للنقابة عندما أثار مسألة فساد الإخوان.
إذا أصبح أبو الفتوح رئيساً، فلا شك أنه سوف يطبق سياسته الناجحة في إدارة النقابة على إدارة الدولة المصرية، حيث سيقوم بتعيين الإخوان وأقاربهم ويزيد عليهم أعضاء حملته الانتخابية الأوفياء في كل المؤسسات الحكومية، ولن يكون لديه مانع أن تسقط مصر كلها في الدين مقابل تنمية بيزنس الإخوان وأعضاء حملته المقربين.
ننتقل لمحطة مهمة تالية من نضال أبو الفتوح، من التسعينيات وحتى ٢٠٠٤، عندما عمل كمدير عام للجمعية الطبية الإسلامية، وهي سلسلة مستشفيات ومستوصفات يملكها الإخوان، أسس أحد أقطاب الإخوان تلك الجمعية في عصر الحريات الساداتي عام ١٩٧٧، وتدير الآن عشرات من المشروعات الصحية التي تستهدف الفقراء عبر البلاد، لا أحد يعرف بالضبط مصدر رأس المال الأصلي الذي أُنشئت به تلك المستشفيات، ولا من أين أتت بالمال حديثاً لتتوسع ببناء مركز طبي ضخم فخم بجوار سيتي ستارز، ولكن نعرف أن أبو الفتوح كان مديراً لكل ذلك نيابة عن الجماعة، يتناول الكثير من علماء السياسة في دراساتهم كيف أن حركات الإسلام السياسي عبر المنطقة يستخدمون العمل الخيري من تقديم خدمات صحية وتعليمية وسلع عينية ومبالغ مالية لكسب ود الفقراء ثم أصواتهم في صناديق الاقتراع، وهذا ما فعله الإخوان في مصر عبر مدارسهم ومستوصفاتهم وأطعمتهم، وبالتأكيد تشكر الجماعة لأبو الفتوح جهده الدؤوب عبر سنوات لاستغلال الفقراء سياسياً من خلال إدارته لمستشفيات الجمعية الطبية الإسلامية.
ننتقل الآن للسنوات الأخيرة الأحدث من العمل العام المخلص لأبو الفتوح، عندما تولى رئاسة اتحادات وتنظيمات طبية من المفترض أنها «عربية» و«دولية»، مثلاً يشغل أبو الفتوح حالياً منصب أمين عام «اتحاد الأطباء العرب»، وإذا فتحت موقع هذا الاتحاد على الإنترنت ستخرج عليك صفحة خضراء كخضار شعار الإخوان المسلمين، ثم إن تصفحت أخبار الاتحاد تجدها حظيرة للمتأسلمين وأن نشاطه الرئيسي يتلخص في دعم حكومة حماس في غزة، وحماس هي رسمياً فرع الإخوان المسلمين بفلسطين وعضو التنظيم العالمي للجماعة.
يختزل أبو الفتوح واتحاد أطبائه القضية الفلسطينية على عظمها في غزة فقط دون بقية المناطق المحتلة، ودون شتات الفلسطينيين بالخارج، لأن غزة تحكمها ابنة الجماعة حماس، وأبو الفتوح أيضاً الآن عضو لجنة أمناء «مؤسسة القدس الدولية»، وإذا ما طالعنا موقع تلك المؤسسة نجدها بالمثل منظمة متأسلمة تروج بالدعاية لأعضاء حماس، أما عن «لجنة الإغاثة والطوارئ» التي يرأسها أبو الفتوح فنجدها معقلا آخر للمتأسلمين، لها ثلاثة مكاتب خارج مصر أحدها في باكستان، أحد المراكز الدولية للجهاد، والآخر في غزة عند الحبايب، والأخير في بيروت حيث يوجد الكثير من الحلفاء، وتعمل اللجنة على إغاثة الجماعات الشقيقة المتأسلمة في العالم التي تواجه أزمات من مثل متطرفي الصومال.
سبحان الله، كلما رأيت وجهه السِمِح في اللافتات الكبيرة الغالية المتكلفة المُعلقة في كل مكان، أقول لنفسي حقاً.. ما أجمل ابتسامة أبو الفتوح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger