الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012


وجهة نظر: ثورة العقل الصاعدة في مصر

مظاهرة سلفية في مصر
يمثل السلفيون أقلية في مصر ويعترفون بالحاجة إلى العمل داخل حدود الدستور


لقد حدث تغيير سياسي بالفعل في مصر، ولكن كيف أثرت الثورة على عقلية الأفراد العاديين؟ هذا التحليل من بي بي سي راديو 4 يتناول وجود ثقافة جديدة يقوم فيها الناس بمساءلة السلطة علانية، سواء داخل حدود الأسرة أوالسياسة، أوالدين.

ذات مرة في هذا الخريف، حضرت أحد الفصول الليلية لمحو الأمية في منطقة منيل شيحة بالقاهرة، وشاهدت بعض النساء يقمن بكتابة كلمة "مساعدة".
فتعلُم استخدام القلم، سواءٌ باللغة العربية أو الإنجليزية، ينطوي على نفس الألم والمتعة، فالشفاه تتحرك، وأصابع اليد تتشكل، وكل مقطع لفظي جديد يجلب الابتسامة.
وأثناء ملاحظتي لهذا الفصل الليلي، والذي أقيم بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عام 2011، تذكرت وصفا قديما كنت قد قرأته حول التعليم في مصر، كما كتب عالم الاجتماع آصف بيات، ومفاده أن النظام في مصر كان يُصمَم لتعزيز "الطاعة، والخضوع، والامتثال للأوامر."
وبالطبع، كان طغيان المعلمين في المدارس انعكاسا لصور أخرى من الطغيان في المجتمع، ليس فقط من النظام نفسه، فهناك كذلك ديكتاتورية مماثلة في مكاتب العمل وداخل الأسرة، حيث تفرض الصفوة، والتي عادة ما تتكون من الرجال ومن كبار السن، رأيها وتطلب خضوعا بلا تفكير.
والأشخاص الأكثر احتراما من الجميع هم الشيوخ وعلماء الدين، والذين يقف الناس أمامهم في أغلب الأحيان وهم يشعرون بالخضوع.
لكن هناك الآن في منيل شيحة عقلية تتغير، ونظام هرمي بدأ في الذوبان.

مزيد من الآراء

ويقول معلم الفصل المتطوع في مشروع محو الأمية إن معرفة القراءة والكتابة لا تقتصر فقط على الامتحانات أو قراءة لافتات الشوارع.
ويقول: "سيصبح الطلاب قادرين على التعبير عن آرائهم، وسيوفر لهم التعليم الحماية اللازمة، ففي الماضي كان يمكن أن يقدم لهم شخص ما ورقة صغيرة للتوقيع عليها، ويسرق شيئا من ممتلكاتهم".
وقد أصبح المصريون الآن أكثر تعبيرا عن آرائهم مقارنة بما كان الوضع عليه منذ عقود، والآراء بكل أنواعها يعبر عنها أصحابها في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، مع وجود مزاعم على نطاق صغير تتحدث عن رغبة الناس في الحصول على دور أكبر في صنع القرار.
ويطالب سكان المناطق الفقيرة بالسكن المناسب، ويطالب رجال القبائل بإلغاء مشروع لإنشاء محطة للطاقة النووية في منطقتهم.
والشيء المؤلم أكثر، هو شرطة المرور وعدم قدرتها على إيقاف الرشاوى التي يدفعها سائقو السيارات، فالناس ببساطة لا تقبل ذلك.
وللوهلة الأولى، قد يبدو ذلك غريبا في ظل حكومة للإخوان وصعود للتيار السلفي، وهو حركة إسلامية تدعو للعودة إلى جذور الدين ولفرض القرآن والسنة النبوية على المؤمنين.
لكن السلفيين الذين يمثلون أقلية يعترفون بالحاجة إلى العمل داخل حدود الدستور، ويقبلون بإرادة الأغلبية، وهذا هو أساس التعددية.
ويتوقع أحمد غنيم، وهو أحد النشطاء ذوي الخبرة في مجال حقوق الإنسان، أن ثورة العقل في مصر لا رجعة فيها.
ويقول غنيم إن تغيير النظام سيؤدي إلى "تغييرات في إدارة الأمور السياسية، وتغييرات في العلاقة بين المديرين والموظفين، وفي فترة لاحقة، في العلاقة بين المعلم والتلاميذ، وبين أستاذ الجامعة والطلاب، وبين الآباء والأبناء".
وسألته: "وكذلك الشيوخ؟"، فأجابني بقوله: "نحن لا نرى أن الشيوخ مقدسون".
وهذا أمر مهم، فمن علماء الدين من جامعة الأزهر في القاهرة، إلى الدعاة الذين يظهرون في القنوات التلفزيونية، وأئمة المساجد، اعتاد رجال الدين في مصر على أن تكون لهم مكانة عالية.
حيث يستشارون في الأمور السياسية بالإضافة إلى الأمور الأخلاقية، ويصدرون أحكاما بما هو مسموح وما هو محرم بموجب الشريعة الإسلامية، وبالتالي إذا انتشرت العقلية الجديدة في مصر، أو بمعنى أخر، إذا فقد المصريون تمسكهم الشديد بالشيوخ في كل الأمور، سيكون الأثر كبيرا.

سلفيو المقاهي

مظاهرة سلفية
تدعو الحركة السلفية للعودة إلى جذور الدين وتطبيق الشريعة الاسلامية.

محمد طلبه ومجموعة من السلفيين التقدميين الذي يقود حركتهم التي تعرف باسم حركة سلفيو كوستا، نسبة إلى المقهى الشهير الذي يلتقون فيه، يفكرون بهذه الطريقة.
فقد أصيب طلبه بالفزع العام الماضي عندما تجنب شيوخ السلفيين الثورة وفقا للمبدأ القائل بأن الذي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه، بينما كان يجد هو قضية مشتركة مع الليبراليين، حيث أغلق كثير من الشيوخ هواتفهم المحمولة ومضوا خارج هذه الدائرة.
ويقول طلبه: " لقد صدمنا واندهشنا، لأن الواقع كان مختلفا عما كانوا يقولون".
ويحث طلبه الناس أن يتوقفوا عن الاتباع "الأعمى" للشيوخ، وهو الشيء الذي دفع هو نفسه للقيام به.
وفي هذه الأيام، بدلا من استشارة الشيوخ في قرار صعب يواجهه، فهو يحاول استخدام ما لديه من معرفة بالإضافة إلى التعرف على ما يريده الله.
فما مدى انتشار هذا التوق للاستقلالية الروحية والفكرية؟
من المؤكد أن التوق إلى هذه الاستقلالية أكثر شيوعا الآن بين الشباب، وبين الأشخاص المثقفين بالشكل الذي يكفي لاختيار طريقتهم في التعامل مع مشكلات الحياة.
هبه غانم تقدم لنا مثالا آخر، فهي غير محجبة وتتحدث الإنجليزية والفرنسية، وهي امرأة وطنية تبلغ من العمر 27 عاما ولها آراء قوية، وابتسامة حاضرة توحي بالتغييرات التي تحدث الآن في مصر.
كانت الثورة هي المحفز لها، فانضمت هبة إلى الاحتجاجات المناهضة للحكومة دون معرفة والديها، فكانت تتظاهر بأنها مشغولة في العمل في حين أنها كانت تواجه عناصر نظام الرئيس السابق حسني مبارك.
وقد أعطاها ذلك الثقة الكافية لتتحدى القيود التي كانت تعيش في ظلها.
وتقول هبه: "بدأت عائلتي تدرك أنني أصبحت إنسانة مسؤولة بالفعل، فإمكاني أن أفعل ما أريد، فقد فعلت ما أردت أثناء الثورة وتعرضت للكثير من المواجهات".
وقد تغير موقف هبة تجاه الشيوخ، وتقول أنها أصبحت لا تثق في الكثيرين منهم، لكنها لا ترفض تماما ما يقولونه.
وبشكل عام أصبحت هبه تثق في شعورها الداخلي، وتقول: "لقد وضعت لنفسي قيما إسلامية وعربية لتساعدني في اتخاذ القرار".
لقد بدأ المصريون رحلة اجتماعية وفكرية، والتي قد تكون وجهتها مفاجأة لنا جميعا، فهي رحلة لها أوجه شبه مع المغامرات الغربية للإصلاح والتنوير، لكن مع وجود فروق مهمة.
وأحد هذه الفروق هي أن الإسلام ليس له "كنيسة" موحدة قادرة على تحريك أعداد ضخمة من المؤمنين مرة واحدة في اتجاه واحد. ووفقا للمؤرخ في شؤون الإسلام ماليز روثفين، هذا ما يجعل الإسلام مفتوحا أمام عدد كبير من التفسيرات المختلفة.
وقد تعلم المصريون من الغرب معنى الحقوق والمساءلة، لكن هذا لا يعني أن مصر تريد أن تكون مثل أوروبا أو أمريكا.
وبالنسبة لأشخاص مثل هبه، فالنموذج الذي يمكن محاكاته هو النموذج التركي، ففيه مجتمع محافظ مبني على أساس الوحدة بين أبناء المجتمع، ولكنه أيضا محب للمرح.
ومهما كانت وجهتها، فقد بدأت مصر الرحلة، وعلينا أن نقر بذلك ونشيد به، حيث أن الدافع نحو تحقيق استقلالية الفرد واحترام الذات هو أمر شائع بالنسبة لنا جميعا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger