الخميس، 27 سبتمبر 2012



واشنطن- أ ش أ:
  
"الربيع العربي" لم يصنع للولايات المتحدة أصدقاء كما كانت تأمل والدول التي شهدت الانتفاضات هي ذاتها التي تشهدت مشاعر مناهضة لها بقوة.
فلقد كانت الأسابيع القليلة الماضية على ما يبدو، تأكيدًا لوجود نظرية صدام للحضارات بين العالم الإسلامي والديمقراطية الغربية.
ويتحدث، حتى هؤلاء الذين يرفضون هذاالمصطلح لسطحيته، بأسى عما قد يكون فشلا في التفاهم بين الأميركيين على وجه خاص، والكثير من المسلمين.
ويشير الغضب والعنف الذي أشعله فيلم سيء الإنتاج، يسخر من النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) إلى هوة بين مبدأ حرية التعبير الذي يتبناه الغرب وحساسيات بعض المسلمين فيما يتعلق بما يعتبرونها حملة للإساءة لمقدساتهم.
وكما يبدو، لا يعدم الجانبان نقص في القوى التي تعمل على إذكاء التوترات أكثر فأكثر. فما إن بدأ الغضب يهدأ من هذا الفيلم حتى قامت مجلة فرنسية الأسبوع الماضي بنشر رسوم كاريكاتيرية مسيئة للنبي محمد.
وقالت زينب السويج وهي مديرة تنفيذية للمؤتمر الإسلامي الأميركي "هذا شيء سخيف"، في تعليق على العنف الذي أسفر الجمعة، عن مقتل 15 شخصًا في باكستان.
وأضافت "نعم هذا الفيديو مهين، لكن من الواضح أن رد الفعل هذا مبالغ فيه بشكل مقزز، أذكاه إسلاميون متشددون في المنطقة لخدمة أغراضهم الإيديولوجية.. وبالمحصلة، يظهر كل ذلك مدى عمق الخلاف بين الثقافتين".
ولقد بدأ العنف باحتجاجات صغيرة محدودة نسبيًا أمام السفارات، وبهجوم لمتشددين في ليبيا على القنصلية الأميركية في بنغازي، مما أسفر عن مقتل السفير الأميركي وثلاثة أميركيين آخرين، ثم امتد منذ ذلك الحين إلى أكثر من عشر دول في أنحاء الشرق الأوسط وآسيا.
ورغم التركيز على البعد الديني، فإن هناك قلة فقط ممّن يشكّون في أن هناك دوافع أخرى وراء هذه المواجهة.
ومازال الكثير من المسلمين ينظرون للهجمات التي تشنها طائرات أميركية بلا طيار، والحرب في العراق، وأفغانستان، ومعتقل جوانتانامو، على أنها تدخل غربي في شئونهم متواصل منذ قرون.
وفي الوقت ذاته يرى الكثير من الأميركيين تلك المناطق مصدرًا مبهمًا للإرهاب واحتجاز الرهائن والكراهية والفوضى، وفي أوروبا أصبحت مثل تلك المخاوف متداخلة مع معارك أخرى حول الهجرة والتعددية الثقافية.
وقال أكبر أحمد رئيس الدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية بواشنطن "إنها علاقة تتسم دائمًا بالصعوبة وفي العقود الماضية أصبحت أكثر حساسية.. وأي شأن مهما بدا بسيط يمكن أن يفسد التوازن.. ما نحتاج إليه هو مراعاة وفهم أكبر متبادل من كلا الجانبين، رغم أن ذلك يبدو من الصعب الوصول إليه"، لكن ليست كل الأنباء التي تخرج من المنطقة تشير إلى وجود فجوة لا يمكن سدها.
فقد نعى الكثير من الليبيين خاصة الشبان منهم، السفير الأميركي كريس ستيفنز بعد مقتله وأوضحوا أن المتشددين الذين قتلوه لا يعبرون عنهم، كما نظم آلاف الليبيين مسيرة في بنغازي الجمعة احتجاجًا على ميليشيات إسلامية تتهمها واشنطن بشن الهجوم، غير ان "الربيع العربي" لم يصنع أصدقاءً للولايات المتحدة كما كان يأمل الأميركيون، فالدول التي شهدت انتفاضات في 2011 مثل تونس ومصر وليبيا واليمن هي ذاتها التي شهدت مشاعر مناهضة للغرب.
وتعتقد واشنطن الآن أن النشطاء الشبان الداعين للديمقراطية الذين احتلوا الصدارة في 2011 ليس لهم ثقل كبير مما يجعل الولايات المتحدة وأوروبا مضطرة للتعامل مع جماعات مثل الاخوان المسلمين.
وهناك قلق من أن حكومة دولة مثل مصر قد تمارس "لعبة مزدوجة" أي تعلن عن موقف ما للولايات المتحدة بينما تنخرط في خطاب مناهض للغرب في الداخل، وربما يكون هذا ما يتعين على الولايات المتحدة الاعتياد عليه.
يقول جون الترمان وهو مسئول سابق في وزارة الخارجية الأميركية، متخصص في شئون الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "ما نراه الآن هو أن حكومات المنطقة أصبحت أكثر قلقًا إزاء سكانها.. أي أن الظهور بمظهر من يتمتع بقرب شديد من الولايات المتحدة أصبح يشكل عبئًا".
وتقول روزماري هوليس استاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة لندن سيتي "الحقيقة المجردة هي أن الشعب الأميركي لن يفهم أبدا المنطقة لأنه لا يطرح أبدًا الأسئلة الصحيحة. مثل: ما هو شعور الطرف الآخر في معادلة القوة الاميركية؟".
وأيًا كان من سيفوز في انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر ، فسيواجه سلسلة من التحديات في أنحاء المنطقة، فبينما تجري مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بسبب برنامجها النووي، تدعم واشنطن مقاتلي المعارضة السوريين والحكومات في الخليج.
ويزيد هذا الأمر من احتمال في استدراج الولايات المتحدة أكثر فأكثر إلى أن تكون طرفا في الخلاف بين السنة والشيعة بالمنطقة.
وتجد واشنطن نفسها مضطرة بالفعل في الوقت الحالي، لأن تتعامل مع تقلص نفوذها بالعراق، وفي الوقت ذاته، مضطرة لأن تدير عملية خروجها من أفغانستان ومحاولة الحيلولة دون سقوط باكستان بين براثن الفوضى.
كما أن لواشنطن علاقاتها مع حليفتين رئيسيتين بالمنطقة هما اسرائيل والمملكة العربية السعودية، مع ما تمثله لها كل منهما من معضلة وإن بشكل مختلف.
اذ تهدد اسرائيل بالقيام بعمل عسكري ضد إيران بسبب برنامجها النووي ويخشى المسئولون الأميركيون من أن تتحمل أميركا العواقب إذا أقدمت اسرائيل على هذه الخطوة، كما ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني ما زال قائما وفي حالة جمود.
وأشار ميت رومني المنافس الجمهوري لأوباما في انتخابات الرئاسة في تصريحات في وقت سابق من العام الجاري وكررها هذا الشهر، إلى أنه لا يرى فرصة تذكر في إحداث أي تغيير هناك.
في حين أن الكثير من الأميركيين قد يفضلون تجاهل المنطقة، فإن أوباما أوضح هذا الأسبوع أنه لا يرى هذا التجاهل خيارا مطروحا قائلا "الأمر الذي لا يمكننا القيام به هو الانسحاب"، واستطرد "ما زالت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي لا يمكنها الاستغناء عن هذه المنطقة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger