الأحد، 23 سبتمبر 2012

هل المطلوب "عصابات وردية" لإنصاف المرأة

 العربية؟

كتب عامر راشد
لعبت المرأة دوراً ريادياً ومبادراً في الحراك الشعبي العربي، حيث تقدمت صفوف المتظاهرين، وتحملت الوزر الأكبر من المعاناة كأم وأخت وزوجة وابنة، فاستحقت عن جدارة إعجاب واحترام أبناء جلدتها والعالم أجمع بكسرها لطوطم الصورة النمطية في النظرة إليها ولدورها في المجتمع. غير أن ذلك لم ينعكس برفع الغبن التاريخي عنها وإنصافها، والتوقف عن التهميش السياسي والاجتماعي الممارس بحقها. رغم أنه ليس ثمة ما يبرر ضعف التمثيل السياسي للمرأة في العملية السياسية والمناصب القيادية الأولى، والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بعد تكلل الثورات بالنجاح في تونس ومصر وليبيا وبدء مرحلة التغيير في اليمن، وفي البلدان العربية التي شهدت إصلاحات ديمقراطية محدودة مثل المغرب، وكذلك في العراق الذي يشكِّل استبعاد المرأة فيه خرقاً للدستور الذي أوجب مشاركتها بالمساواة مع الرجل.
المثال الأكثر نفوراً تقدمه المرحلة الانتقالية بعد نجاح الثورة في تونس، التي أشعلت بركان "الربيع العربي"، فالكثير من الناشطات السياسيات أصبحن هدفاً لهجوم من مواقع انتهازية رجعية، بغرض تحجيم دورهن والنيل من مكانتهن وإخراجهن من مشهد التغيير. وعبرّت عن ذلك الناشطة السياسية التونسية المعروفة صوفيا الهمّامي بالقول: "إن المرحلة الانتقالية التي تمر بها تونس دفعت إلى الواجهة عدداً كبيراً من الوصوليين الذين يحاولون اليوم أن يقطفوا ثمار ثورة صنعها غيرهم.. وتغييب المرأة التي تصدرت الصفوف أيام الثورة، حيث غُيبت عن المنابر الإعلامية وعن التشكيلة الحكومية التي لم تضم سوى امرأتين فقط، كما غيبت المرأة في المؤسسات التشريعية والقضائية". واستشهدت الهمّامي بهذا الخصوص بحالة المدونة والناشطة لينا بن مهني، التي كانت من أنشط النساء اللائي نقلن صورة ما يجري في تونس إلى الخارج، وقد عرّفت العالم من خلال موقعها الإلكتروني منذ عام 2006 بتحولات كبيرة يشهدها هذا البلد، ثم رشحت للحصول على جائزة نوبل للسلام، لكنها تعرضت لهجوم من وصوليين بعد نجاح الثورة.
ونفور المثال التونسي يتأتى من كون المرأة التونسية كانت تتمتع بوضع جيد في التشريعات والدستور التونسي قبل الثورة على بن علي، لكنها شاركت في الثورة بفاعلية وإقدام تعطشاً للتغيير الديمقراطي والحرية.
بدورها، المرأة المصرية التي كانت حاضرة بقوة في ميدان التحرير وسط القاهرة، وميادين المدن المصرية الأخرى التي ثارت ضد نظام مبارك، لا يزال نصيبها من التغيير الديمقراطي غامضاً. وقد تعرضت الكثير من النساء خلال الثورة لانتهاك حقوقهن، وأقساها اختبارات العذرية التي أجريت على المتظاهرات اللواتي اعتقلن في كانون الثاني/يناير الماضي، لكن ذلك لم يثنِ النساء عن مواصلة المشاركة في الحراك الشعبي بنسب عالية، وكن ينتظرن تغيير الموقف بالنسبة لمشاركتهن في المجالات السياسية والاقتصادية، فجاءت رياح ما بعد الثورة بعكس ما تشتهي السفن، حيث ترى هبة مورايف من منظمة "هيومن رايتس ووتش" أنه "خلال احتجاجات ثورة 25 يناير، المئات بل الآلاف من النساء خرجن إلى الشوارع لأول مرة وشعرن حينها بالأمان، وبأنه يمكنهن المشاركة في الاحتجاجات، بل وفي بناء مستقبل البلاد.. لكن فيما بعد لم تشارك هذه المرأة في اتخاذ قرارات سياسية مصيرية وأقصيت في العديد من المناسبات. وما تحتاج إليه المرأة هو مشاركتها في مراكز صنع القرار، أي في مجلس الوزراء، وليس فقط القيام بالأدوار المألوفة مثل المساهمة في التكافل الاجتماعي وما يتعلق بشؤون المرأة.. ولهذا يجب وضع أجندة وطنية واسعة للعمل فعلاً، على تحسين المشاركة السياسية للمرأة ".
نساء اللاتي نلن فخر تفجير الثورة ضد نظام العقيد معمر القذافي، بالتظاهرات التي قامت بها نساء مدينة بنغازي، وطالبن فيها بمحاكمة من قتلوا أزواجهن وأولادهن في أول مواجهة بين كتائب القذافي والمتظاهرين، يناضلن اليوم من أجل أن تنصفهن الثورة، بإزالة الطابع الإقصائي لقانون الانتخابات المنافي لروح ثورة السابع عشر من شباط/فبراير 2011. الناشطة السياسية والحقوقية الزهراء لنقي من "منبر المرأة الليبية من أجل السلام" نوهت في هذا الخصوص إلى مخاوف المرأة الليبية من "أن يؤدي ذلك الفكر القائم على الإقصائية إلى إعادة إنتاج الأنظمة القبلية والأبوية، التي تؤدي بدورها إلى تقويض شأن ودور المرأة". وأضافت: "وُجدت الديمقراطية لتمثيل كافة الأصوات، أصوات الأغلبية بالإضافة إلى أصوات الأقلية. وطالما هناك تمييز في المجتمع يقوم على الجنس، يجب وضع تشريع لحماية المهمشين، والمهمش في هذه الحالة هو المرأة". 
وفي اليمن، التي شرّفت ابنته توكل كرمان المرأة العربية لفوزها بجائزة نوبل للسلام، والأهم من الجائزة مشاركتها القيادية في الحراك الشعبي ضد نظام عائلة علي عبد الله صالح، يظل نجاح المرأة اليمنية في كسر قيد التقاليد الاجتماعية التي فرضها المجتمع عليها، وتجاوزها للموروث الذي يحد من حركتها، دون تحصيل المرأة لحقها في المساواة مع الرجل لجهة المشاركة السياسية، وتسلم المناصب القيادية، وتمكينها اجتماعياً.
الناشطة السياسية اليمنية نورية الجرموزي عرَّت موقف القائمين على المرحلة الانتقالية بتأكيدها أن "وجود المرأة في اليمن في مناصب وزارية وإدارية ليس سوى مزايدات إعلامية وابتزاز سياسي، لكي تظهر الحكومة اليمنية أنها تعطي المرأة مناصب ومشاركة في صنع القرار، بينما الحقيقة هي أن الحكومة اليمنية والأحزاب تختار من النساء من تكون قابلة للتسيير عن بعد، وتستبعد تماماً النساء ذوات الفكر الحر، وذوات الثقافة السياسية العالية، بل وتعتبرهن من أعداء الوطن".
وضع المرأة في العراق ليس بأفضل من مثيلاته في البلدان العربية، حيث يشهد العراق حسب ما صرحت به النائبة المستقلة في البرلمان العراقي صفية السهيل "تهميشاً كبيراً يصيب دور المرأة في الحياة السياسية عموماً، وفي كل مؤسسات الدولة". وأقرّت وزارة الدولة لشؤون المرأة العراقية، في بيان رسمي صادر عنها، بأن تغييب المرأة في عضوية المفوضية العليا المستقلة للانتخابات "بمثابة تراجع مشاركة المرأة في العملية السياسية والمناصب القيادية، حيث سبق وأن شهد العراق نزولاً تدريجياً في عدد الوزيرات، الذي بدأ بـست وزيرات في أول حكومة بعد التغيير عام 2003 وانتهى بوزيرة واحدة..".
ولفت البيان إلى أن "تراجع تمثيل المرأة في الحكومة جعل العراق أمام إحراج دولي وإقليمي، فقبل سنوات قليلة كنا نتباهى ونفتخر بأعداد النساء الوزيرات والبرلمانيات وأعضاء المفوضية وغيرها من المؤسسات المهمة، لكن للأسف اليوم لا نملك جواباً مقنعاً للتساؤلات التي تردنا بين الحين والآخر أثناء مشاركتنا في المحافل الدولية، وفي لقاءاتنا مع البعثات الدبلوماسية المعنية بقضايا المرأة".
إزاء استشراء مظاهر تهميش المرأة العربية، فإن النساء العربيات بتن على ما يبدو بحاجة إلى ثورات نسائية على الثورات، لكننا نتمنى عليهن أن تكون ثورات طوق ياسمين أبيض، وألا يقتدين بنساء الهند اللاتي قامت بعضهن بتأسيس جماعة نسائية يطلق عليها "العصابة الوردية"، مهمتها ملاحقة الرجال الذين يضربون ويسيئون معاملة زوجاتهم، والقصاص منهم بضربهم بالعصي.
وحسبنا أن نذكر المتشبثين بالواقع الماضي للمجتمعات الذكورية واضطهاد المرأة بحكمة الفيلسوف والأديب الراحل توفيق الحكيم "إن عقل المرأة إذا ذبل ومات فقد ذبل عقل الأمة كلها ومات".       
(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger