الأربعاء، 13 أبريل 2011

كلمة مبارك المُسجّلة تُسقط عنه ورقة التوت الأخيرة



2011 الثلائاء 12 أبريل


أثارت كلمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك المسجلة لقناة العربية ردود فعل متباينة، فبينما أثارت سخط وغضب الغالبية العظمى من المصريين، ولاسيما السياسيين وشباب ثورة 25 يناير، وجدت تعاطفاً مع بعض ممن لا يزالون ينظرون إليه على أنه "الرئيس الأب، الذي يجب إحترامه".


القاهرة: أكد خبراء ومحللون نفسيّون أن كلمة حسني مبارك الأخيرة التي بثت مسجّلة عبر فضائية "العربيّة"، تسير على النهج نفسه الذي كان يلقي فيه خطاباته السياسية أثناء الثورة، مشيرين إلى أنها تحمل في بدايتها دعوة للتعاطف معه، ثم سرعان ما تفقد التعاطف اللحظي، بسبب نهايتها التي كانت عبارة عن تهديد ووعيد ضد كل من نشر في حقه كلمة حول تضخم ثروته.

ورغم اختلافهم السياسي حولها، إلا أنهم أجمعوا على أنها أسقطت ورقة التوت الأخيرة عنه هو وأسرته، لاسيما أنها كشفت أن صحته جيدة، وليست متدهورة.

وقال مبارك في كلمة مسجلة أذاعتها قناة العربية، إنه يتألم كثيراً بسبب ما يتعرض له هو وأسرته مما وصفها ب"حملات ظالمة وادعاءات باطلة تستهدف الإساءة إلى سمعتي والطعن في نزاهتي ومواقفي وتاريخي العسكري والسياسي الذي اجتهدت خلاله من أجل مصر وأبنائها، حرباً وسلاماً".

مشيراً إلى أنه قضى عمراً في خدمة الوطن بشرف وأمانة، وأنه لا يمتلك إلا التزام الصمت في مواجهة ما أسماه ب"تواصل حملات الزيف والافتراء والتشهير، واستمرار محاولات النيل من سمعتي ونزاهتي، والطعن في سمعة ونزاهة أسرتي. وأبدى استعداده للتقدم بأية مكاتبات أو توقيعات تمكن النائب العام المصري بأن يطلب من وزارة الخارجية المصرية الاتصال بكافة وزارات الخارجية في كل دول العالم لتؤكد لهم موافقته هو وزوجته وابنيه علاء وجمال على الكشف عن أي أرصدة لهم بالخارج منذ اشتغاله بالعمل العام عسكرياً وسياسياً، "وذلك حتى يتأكد الشعب المصري من أن رئيسه السابق يمتلك بالداخل فقط أرصدة وحسابات في أحد البنوك المصرية". و"حتى يتسنى للجميع التأكد من كذب كافة الادعاءات التي تناولتها وسائل الإعلام والصحف المحلية والأجنبية حول أصول عقارية ضخمة ومزعومة في الخارج أمتلكها أنا وأسرتي" على حد قوله.

وهدد الرئيس المصري السابق بمقاضاة " كل من تعمد النيل مني ومن سمعتي ومن سمعة أسرتي بالداخل وبالخارج".

اختلف خبراء القانون حول مدى مشروعية تلك الكلمة، فبينما يراها البعض خرقاً للإقامة الجبرية، اعتبرها البعض الآخر حقا قانونيا في الدفاع عن نفسه.

ووفقاً للدكتور جمال عمارة أستاذ القانون في جامعة القاهرة فإن كلمة الرئيس تمثل خرقاً للقانون، وأضاف لـ"إيلاف" أن مبارك يخضع للإقامة الجبرية التي تعتبر أحد مظاهر الحبس الإحتياطي، وليس من حقه الإدلاء بأية تصريحات إعلامية، إلا بعد الحصول على إذن من السلطات المختصة، ولفت عمارة إلى أن تلك الكلمة لا تعتبر حقاً قانونياً تدخل في إطار الدفاع عن النفس، لأنه من حقه الدفاع عن نفسه أمام سلطات التحقيق بنفسه أو من خلال محاميه، لاسيما أنه كان رئيساً سابقاً ولديه أنصار ومنتفعون كثيرون، قد يؤثر فيهم كلامه ويدفعهم إلى القيام بأفعال تضرّ بالبلاد والعباد، وقد تتضمن كلمته إشارات لتنفيذ مخططات ضمن ما يعرف ب"الثورة المضادة".

إلا أن المستشار بهاء الدين أبوشقة القيادي في حزب الوفد يرى أن كلمة مبارك نوع من الدفاع عن النفس في مواجهة الإنتقادات والحملات الإعلامية التي تطاله هو وأسرته منذ سقوط نظام حكمه وحتى الآن، وأضاف لـ"إيلاف" أنه في إطار القانون المنظم للصحافة فإن من حقه الرد عما ينشر ضده، مشيراً إلى أن مبارك تحدث بعد أن استشعر بوجود إجراءات حقيقية نحو تقديمه للمحاكمة في عدة إتهامات منها تضخم الثروة، ما يؤكد ما سبق وأعلنه المجلس العسكري أنه لا أحد فوق القانون، وأنها جاءت كرد فعل على خروج مئات الآلاف من المصريين في تظاهرة في ميدان التحرير فيما عرف ب"جمعة المحاكمة والتطهير"، التي طالبوا فيها بمحاكمته هو وأفراد أسرته، ولفت أبوشقة إلى أن كلمة مبارك جاءت بردود فعل عكسية، ولم تلق التعاطف الشعبي أو الرسمي الذي كان يتمناه.

كلمة مبارك لقناة العربية تؤكد أنه ما زال لديه نفوذ وأعوان يخططون وينفذون لأمور ليست في صالح الثورة، حسبما يقول الدكتور عمار علي حسن رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية لـ"إيلاف"، ويرجج حسن أن يكون لتلك الكلمة علاقة ما بأحداث فجر يوم السبت الماضي، حيث حاول أنصاره الذين هم أنصار الحزب الوطني وقياداته الوقيعة بين الجيش والثورة، باستخدام البلطجية وبتمويل من رجال الأعمال الذين كانت ترتبط مصالحهم به.

وتابع حسن قائلاً يبدو أن الخطة كانت تقوم على إحداث وقيعة وإشعال الموقف بين الشعب والجيش بحيث ينقلب كلاهما على الآخر، وتدخل البلاد في نفق العنف سريعاً، ثم يخرج مبارك بخطابه هذا ليثير تعاطف الجماهير معه شخصياً ومع نظام حكمه البائد.

ودعا حسن إلى ضرورة الإسراع بمحاكمة مبارك لقطع الطريق على الثورة المضادة، مع ضرورة محاكمة قيادات الحزب الوطني ولاسيما رجال الأعمال الذين يمتلكون الكثير من الأموال التي نهبوها من المال العام، ويتم استخدامها حالياً في تمويل الثورة المضادة.

وحول التأثير الشعبي للكلمة، قال حسن إن مبارك كان وما زال يعول على هذا التعاطف، لكنه يبدو أنه لا يدرك أنّ الغضب الشعبي المتصاعد ضده يزداد يوماً بعد الآخر، بعد أن كشفت التحقيقات عن وجود فساد ضخم جداً في شتى المجالات والمؤسسات، والتي كان هو شخصياً وأسرته متورطين فيه، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك في يوم ما أي تعاطف شعبي معه، بل كانت عمليات حشد يقوم بها الحزب الوطني من خلال الأموال أو البلطجة، ويشير حسن إلى أن مبارك فقد ما كان لديه من شعبية إذا كانت موجودة بالأساس بعد هذه الكلمة، التي بدا فيها متغطرساً، بل ويمنّ على المصريين بما يرى أنها خدمات للوطن حرباً وسلاماً، رغم أنه كان المفترض أن يعتذر عما كان من فساد واستبداد و تعذيب و قتل للمواطنين.

انقلب السحر على الساحر، حيث كان الرئيس السابق يهدف للحصول على التعاطف الشعبي معه، ومحاولة إثناء جهات التحقيق عن المضي في عملها، لكن خاب ظنه وفشل مخططه، حسبما يقول شريف صادق عضو ائتلاف شباب الثورة لـ"إيلاف"، وأضاف أن كلمة مبارك لقناة العربية زادت من سخط وغضب المصريين ضده هو وأسرته وجميع أركان نظام حكمه، مشيراً إلى أن البعض كان يتعاطف معه منذ عدة أيام، بعد نشر تقارير إعلامية تزعم تدهور صحته، لكن صوته بدا بصحة جيدة، كما أنه ظهر وكأنه هو من تنحى عن السلطة طواعية، ولم يجبر عليها بثورة شعبية أسقطت نظام حكمه، وهدّد بمقاضاة وسائل الإعلام المحلية والعالمية، لأنها تحدثت عن ثروته هو وأسرته، رغم أنه يعلم جيداً أنه شخصية عامة، ومن حق الصحافة إنتقاده، وأن ما ينشر يحدث في إطار مسؤوليته عن مصر طوال 30 عاماً.

ولفت صادق إلى أن مبارك تحدث عن الإتهامات الموجهة إليه من قبل جهات التحقيق حول تضخم ثروته هو وأسرته، ونفى أن تكون لديه أرصدة في الخارج، رغم أن الحكومة السويسرية أعلنت عن تجميد أرصدته هو وأسرته قبل سقوط نظام حكمه في 11 فبراير بأيام قليلة، وهو الأمر نفسه الذي أعلن الإتحاد الإوروبي ما يؤكد وجود أرصدة وممتلكات لهم في الخارج.

وينتقد صادق الرئيس السابق في إصراره على الظهور بمظهر الحاكم العادل والنزيه، رغم أن جميع الوقائع التاريخية تنفي ذلك، مشيراً إلى أنه إذا كان نظيف اليد ولم يستول على المال العام، فإنه ارتكب العديد من الجرائم السياسية، مثل إفساد الحياة السياسية وانتشار التعذيب وقتل المواطنين في أقسام البوليس ومقار أمن الدولة، فضلاً عن تزوير الإنتخابات النيابية سواء مجلس الشعب أو الشورى أو المحليات وأخيراً الإنتخابات الرئاسية الوحيدة التي أجريت في العام 2005.

واعتبر صادق أن كلمة مبارك في قناة فضائية تؤكد أن وجوده في مصر من دون محاكمة خطر على الثورة، لاسيما أنه يبدو على إتصال بجهات أو أجهزة تخطط له وتعمل لصالحه، والدليل أنه سجل هذه الكلمة وأرسلها لقناة العربية في دبي، مشدداً على ضرورة عدم محاكمته أمام القضاء العادي، حتى لا يطول أمد المحاكمة، ما يعطيه هو و أنصاره الفرصة للوقيعة بين الجيش والشعب أو القيام بثورة مضادة.

وتحمل كلمة مبارك العديد من الدلالات النفسية، يوضحها الدكتور هشام أبو ليلة أستاذ الطب النفسي لـ"إيلاف" بالقول إن مبارك في صحة جيدة، حيث كان صوته قوياً وليس واهناً، ما يدحض التقارير الإعلامية التي كانت تزعم أنه في حالة احتضار وأنه يعاني تدهورا شديدا في صحته، بالإضافة إلى أنه ما زال يصر على عناده، فرغم أن التحقيقات كشفت تورط أبنائه وزوجته في تضخم الثروة، منها مثلاً وضع أرصدة مكتبة الإسكندرية في حسابات زوجته الشخصية، إلا أنه يرفض الإقرار بذلك، ويبدو أنه لا يعترف بالثورة التي أسقطت نظام حكمه، حيث لم يشر إليها من قريب أو بعيد.

ويوضح أبو ليلة أن الجزء الأول من الخطاب يشي بأن مبارك محاصر نفسياً، ويعاني الإكتئاب والحزن، ويتمنى لو تعود به الأيام للوراء ليصلح ما أفسدت أسرته وحاشيته، ويحاول أن يكسب تعاطف الشعب، ويتمنى أن يرى الناس تلتف من حوله وتهتف له كما كان في السابق، بعد أن كان تعود على ذلك.

ويتوقع أن يكون من كتب لمبارك خطابيه الأخيرين قبل إسقاط حكمه هو من كتب كلمته لقناة العربية، ويوضح أنه استخدم العبارات والكلمات نفسها، و بدأ بمحاولة كسب تعاطف الشعب من خلال الحديث بلغة الأب لأبنائه، وأنه قدم لهم الكثير ولا يستحق منهم كل هذا الجحود. ولكن فات الأوان ولم تعد تجدي تلك اللغة في مخاطبة المصريين. لذلك فقد أسقطت تلك الكلمة ورقة التوت الأخيرة عن مبارك وأسرته

نقلا عن ايلاف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger