الخميس، 17 فبراير 2011

فاروق جويدة يكتب : هل جاء وقت الحساب؟

فى قوائم رجال الأعمال كان هناك عشرة أشخاص يتصدرون الساحة وكل واحد منهم يحمل لقب الملياردير أى أنه يملك مليارات الجنيهات.. لكل واحد من هؤلاء مشروعه الخاص فى الاحتكارات الصناعية.. منهم من احتكر صناعة الحديد وهو فى الأصل كان تاجر أدوات صحية ومنهم من احتكر الأسمنت أو السلع الغذائية أو استيراد القمح أو السلع الصناعية والسيارات.. ومنهم من احتكر أسواق المقاولات.. وإن كانوا جميعا شركاء فى تجارة الأراضى.. استولى هذا العدد من الأشخاص على موارد الدولة المصرية، وفى المقابل كان هناك عدد من كبار المسئولين الذين لعبوا دورا كبيرا فى توزيع هذه الموارد والحصول على جزء كبير منها..

فى مصر قطاعات لا أحد يعلم عنها شيئا على الإطلاق.

لا أحد يعلم سواء فى الحكومة أو خارجها شيئا عن قناة السويس وستة مليارات دولار تقريبا هى إيرادها السنوى.. قليلا ما تنشر الصحف شيئا عن موارد قناة السويس إلا بعض الأخبار القليلة التى تتحدث عن عدد السفن التى عبرت أو زيادة الموارد أو نقصها أمام الأزمة الاقتصادية العالمية.. ولكن دخل قناة السويس يعتبر من الأسرار الحربية.. أنه بعيد عن ميزانية الدولة.. وهو أيضا بعيد عن رقابة البنك المركزى والأجهزة الرقابية.. إن قناة السويس شركة خاصة لا أحد يعلم كيف تدار وأين مواردها ومن الذى يحصل على هذه الموارد رغم أنها فى أقل التقديرات تحقق موارد قدرها 3 مليارات دولار سنويا وفى تقديرات أخرى أنها 6 مليارات دولار وبقيت قناة السويس بمواردها اليومية بعيدة تماما عن المواطن المصرى.

لا أحد يعلم شيئا عن موارد مصر من البترول، إننا عادة نسمع أرقاما هولامية ولكن ما حجم صادرات مصر من البترول او الغاز وما هى قيمة صادرات مصر من الغاز إلى إسرائيل أو الأردن. وما هو حجم صادرات البترول المصرى وماذا بقى من المخزون الاحتياطى.. إن البترول أيضا أحد أسرار الدولة المصرية رغم أننا فى كل يوم نسمع عن اكتشافات جديدة واتفاقيات دولية للتنقيب وأخرى للبيع أو الشراكة.

فى الأسبوع الأول من ثورة الشباب أعلن المسئولون أن خسائر مصر من السياحة فقط مليار دولار فى أسبوع واحد.. وهذا يعنى أن دخل مصر من السياحة طبقا لهذه التقديرات هو أربعة مليارات دولار شهريا وإذا افترضنا أن هذه الأرقام تحققها السياحة الشتوية وهى ثلاثة أو أربعة شهور فنحن أمام 12 مليار دولار أى أكثر من 60 مليار جنيه.. وإذا أضيف لهذا الرقم عشرة مليارات دولار فى بقية شهور السنة فنحن أمام 22 مليار دولار من السياحة وحدها فأين ذهبت كل هذه الأرقام.

لا أحد يعلم مساحة الأراضى الزراعية التى تحولت إلى أراضى بناء خلال عشرين عاما ولكن أقل التقديرات تقول إنها مليون فدان وهناك من يرى أنها ثلاثة ملايين فدان.. وإذا توقفنا عند رقم المليون فهذا يعنى أننا أمام 420 مليون متر مربع من أراضى البناء ولو أن سعر المتر يتراوح بين مائة جنيه و500 جنيه فنحن أمام مئات المليارات.. فأين ذهبت هذه المليارات.. إذا أضفنا لذلك الاراضى الصحراوية التى تحولت إلى منتجعات وفيلات وقصور ومعها المدن الجديدة وآلاف الأفدنة التى حصل عليها رجال الأعمال لاكتشفنا حجم الأرقام التى تحولت إلى مئات المليارات التى دخلت جيوب مجموعة من الأشخاص.

على الجانب الآخر، نجد المساحات الشاسعة التى تاجر فيها كبار المسئولين فى أراضى شرم الشيخ والغردقة وطابا ومئات القرى السياحية والمنتجعات ولا أحد يعلم حجم الأموال التى حصل عليها هؤلاء طوال ثلاثين أو أربعين عاما..

هذه بعض أصول الدولة المصرية من الاراضى والموارد وإذا أضفنا لها برنامج الخصخصة وبيع شركات القطاع العام لعدد قليل من الأشخاص لاتضح لنا حجم الجريمة.

نحن أمام شركات الاتصالات الرئيسية فودافون.. واتصالات.. وموبينيل ومعها الآن 55 مليون مشترك يدفعون 35 مليار جنيه سنويا فى المكالمات التليفونية فقط.. أين تذهب هذه البلايين وما هو نصيب الشعب منها.. وأين مصلحة الضرائب.

أين المصانع التى تم بيعها وتحولت إلى عقارات وقصور وفيلات وتم تسريح عمالها وبيع معداتها. أين الفنادق الكبرى.. وأين مشروعات الصناعات الغذائيةوالاستهلاكية من عمر افندى إلى شيكوريل وهانوا وجاتينيو وشركات التجارة والاستيراد والتصدير.. لا أحد يعلم أين ذهبت كل هذه الأموال وماذا بقى منها.

على الجانب الآخر، تقف قائمة أخرى بأهم موارد الدولة المصرية من المعونات الخارجية والديون سواء الداخلية منها أو الخارجية.. لقد أسقطت الدول الأجنبية معظم ديون مصر فى بداية التسعينيات بعد أن شاركت مصر فى حرب الخليج وتحرير الكويت وكانت هذه الديون تبلغ أكثر من 30 مليار دولار.. ورغم إسقاط هذا الرقم الضخم دخلت مصر مرة أخرى دوامة الاقتراض حتى إنها اقترضت أكثر من 500 مليار جنيه فى حكومة د.نظيف وحدها طوال خمس سنوات.. والآن تجاوز حجم ديون مصر رقم التريليون منها 850 مليار جنيه للديون الداخلية وأكثر من 35 مليار دولار ديونا خارجية.. أين ذهبت هذه المليارات وما هى البلاعات الحكومية التى ابتلعت كل هذه الأرقام المخيفة.. إن قصة ديون مصر واحدة من المآسى التى لحقت بهذا الوطن فى العصر الحديث.. ورغم هذه الأرقام المذهلة فإن الخدمات تراجعت والمنشآت تآكلت ويبدو أن هذه المليارات دخلت فى مسلسل المال الضائع فى الدولة المصرية.

لم تكن ديون مصر وحدها التى يمكن أن نتوقف عندها فى مسلسل المال الضائع ولكن أمريكا تلوح دائما لنا وهى تتدخل فى الشأن الداخلى المصرى بكل بجاحة أنها قدمت للاقتصاد المصرى 35 مليار دولار فى اقل من ثلاثين عاما أى ما يزيد على 200 مليار جنيه.. ويتساءل الخبراء فى العالم: أين ذهبت كل هذه البلايين.. أسقطت دول العالم 200 مليار جنيه من ديون مصر فى حرب الخليج ولا أحد يعلم ما هى البلايين التى حصلت عليها مصر مقابل اشتراكها فى هذه الحرب وإلى أين ذهبت ومن الذى اغتصب هذه الأموال.

نحن أمام تريليون جنيه ديونا حالية.

نحن أمام 200 مليار جنيه قدمتها المعونة الأمريكية لمصر

نحن أمام 400 مليار جنيه للأراضى الزراعية

نحن أمام أكثر من 400 مليار جنيه دخل قناة السويس فى 30 عاما.

نحن أمام 200 مليار جنيه دخل للسياحة فى 20 عاما

نحن أمام صادرات الغاز والبترول ولا أحد يعلم حجم وقيمة مواردها.

هذا جزء بسيط من بعض موارد الدولة المصرية التى يشكو المسئولون فيها كل مظاهر الفقر والجوع والزيادة السكانية..

إن هذه المليارات لا تكفى فقط 85 مليون مواطن ولكنها تكفى مئات الملايين من البشر إذا تم توزيعها بقدر من العدل والمساواة بين أبناء الوطن الواحد.

لو أن البنوك الأجنبية أعلنت حجم أرصدة رجال الأعمال المصريين وكبار المسئولين فيها لا تضح لنا أن نصف هذه المليارات التى دخلت إلى مصر كانت من نصيب عدد قليل من الأشخاص الذين لم يكتفوا برقم المائة مليون ولكنهم قفزوا إلى لغة المليارات والطائرات الخاصة والقصور الفارهة فى كل أنحاء العالم وكل ذلك من دم الشعب الغلبان الذى يسكن العشوائيات ومنتجعات الخنازير ولا يجد رغيفا نظيفا أو ماء نقيا أو علاجا صحيا.

سمعت الصديق العزيز د.مصطفى الفقى المفكر والكاتب الكبير يقول على إحدى الفضائيات رن فى مصر أفراحا تتكلف 16 مليون جنيه بينما يوجد الملايين الذين لا يجدون رغيف الخبز فى عشوائيات القاهرة وهذه هى الحقيقة المؤلمة التى جعلت شباب ثورة 25 مايو يخرج إلى الشوارع ويرفض أن يعود.

إن أموال مصر التى تسربت إلى مجموعة من الأشخاص يجب أن تعود إلى أصحابها وقد حدث ذلك فى حالات كثيرة وكان آخرها أرصدة حاكم تونس الهارب وزوجته وأسرته واصهاره فقد لجأ الشعب التونسى إلى المحاكم الدولية مطالبا بمصادرة هذه الأموال وإعادتها للشعب التونسى.. فهل تعود لمصر أموالها الضائعة ومستقبلها المنهوب.. لقد جاء وقت الحساب وسداد الفواتير.
نقلا عن الشروق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger