الثلاثاء، 10 أبريل 2012

الرجل خلف الرجل على المسرح

Mon, 09/04/2012 - 21:00

رغم التعاويذ والأبخرة على خشبة المسرح، يشق ضوء الحقيقة طبقات الدخان والتعمية، تنقشع الغيوم عن الوجه الحجرى الصارم، الملامح المتجمدة المتجهمة، نظارة سوداء من تحتها فم مزموم متقلص مصكوك بحديد الدبابات، لكن أيها المحبطون، تذكروا أن الشعوب تنتصر فى كل زمان ومكان، إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر، ولابد لليل أن ينجلى، ولابد للقيد أن ينكسر. الملايين التى أسقطت الرجل الأول قادرة على إسقاط الرجل الثانى والثالث والمائة والألف.
كنت عاشقة للسفر بعيدا من مسقط رأسى، حتى دخلت عملية اختطاف الطائرات مجال الإرهاب السياسى، مثل عملية الانتخابات الرئاسية، وأصبح التفتيش على المسافرين فى المطارات يشبه التفتيش على مرشحى الرئاسة، والتنقيب فى أسرار عائلاتهم وجنسية أمهاتم وآبائهم. مؤهلات الرئيس تتعلق بأمه وأبيه وبنت خالته، وليس بنزاهته وبرنامجه لينهض بالتعليم والصحة والعدالة والحرية والإبداع، فقد السفر متعته القديمة، وفقدت السياسة احترامها، وفقدت الأديان جوهرها، وأصبحت الانتخابات مسرحية مضحكة.
رغم كراهيتى للسفر وعمليات التفتيش حملت حقيبتى وسافرت، فالبقاء فى مسقط الرأس فى جو ملوث أشد إيلاما من مسقط الطائرة فى البحر، للسفر أيضا سبع فوائد منها البعد عن صراع الديوك على كرسى الحكم.
كنت أعرف أن الانتخابات الرئاسية تجتاح العالم مثل حمى الخنازير وأنفلونزا الديمقراطية والطيور، لكنى لم أتصور أن الوباء وصل إلى مسرح برودواى فى نيويورك، وأن التيارات الدينية فى الولايات المتحدة تدلى بدلوها فى السياسة كما فى بلاد «تركب الأفيال»، وبلاد «النيام نيام».
الجمعة ٣٠ مارس ٢٠١٢ - مدينة نيويورك
دعيت إلى جامعة نيويورك للحوار حول روايتى الأخيرة «زينة»، بعض أساتذة وأستاذات الأدب بالجامعة ظنوا «وبعض الظن إثم» أن الرواية تنبأت بثورة الشباب والشابات وأطفال الشوارع فى وول ستريت والقاهرة، كان الحوار ممتعا لى شخصيا، بسبب قلة المتع بالموطن ومسقط الرأس، وبسبب الخوض فيما يعاقب عليه القانون، ويشمل الرأس والذات العليا، لكن الجو داخل جامعة نيويورك ليس هو السائد فى الحياة الأمريكية، فالشعب الأمريكى مثل الشعب المصرى أصبح ضحية الإعلام والتعليم الهابط.
دعتنى أستاذة الأدب «جوليا» ليلة الأحد «أول إبريل 2012» إلى مسرح جيرالد شويفيلد فى برودواى، بالقرب من الجامعة، بدأ عرض مسرحية «أفضل رجل» «ذا بست مان» للكاتب الأمريكى جور فيدال، كتبها عام 1960، أعاد إخراجها بعد 52 عاما المخرج المسرحى مايكل ويلسون.
التقيت «جور فيدال» منتصف ثمانينيات القرن الماضى، بمدينة سالسبورج، تحاورنا فى جلسة أدبية عن أمور فكرية وتاريخية لم يكف الحاضرون عن الضحك من المفارقات.
المسرحية أيضا أثارت الضحك حين كشفت التناقضات فى السياسة والانتخابات والأديان، كأنما كتب «جور فيدال» المسرحية ليصف بها الانتخابات الأمريكية والمصرية الجارية اليوم.
كشفت المسرحية زيف التدين السياسى والديمقراطية وتكنولوجيا الخداع والإعلام. بطلا المسرحية يتصارعان على كرسى الرئاسة، أحدهما «كانويل» يمثل الفساد والاعتماد على المال وإثارة الغرائز للحصول على الأصوات. غريمه «راسيل» يخدع الناس بالمبادئ، العدالة والحرية والكرامة، شخصية «كانويل» منفرة بسبب الفساد، لكنه جذاب كالشيطان، منافسه «راسيل» ممل من وطأة المبادئ، الزوجة تابعة لرجلها كالعبد، تساعده فى الدعاية لنفسه، تتستر على فضائحه الجنسية وخياناته المتكررة مثل هيلارى كلينتون، غفرت لزوجها حفاظا على السلطة والمال وصورة السيدة الأولى.
همست «جوليا» فى أذنى: أصبح الزوجان يتعاهدان منذ البداية على الخيانة حتى تستمر الحياة، المهم احترام العهد، مبدأ الصدق والخيانة فى مستنقع السياسة والحب أساس فلسفة السوق، لهذا لم أتزوج يا نوال ولم أدخل أى حزب، ضحكت السيدة الجالسة إلى جوارها وهتفت: وأنا مثلك. غضب الرجل الجالس أمامهما وطلب الصمت.
تذكرت حوارى القديم مع «جور فيدال»، كان يقول: الأغلبية يجب ألا تحكم، الحياة ليست بموافقة الأغلبية، الأغلبية عقلها مغيب بالتعليم والإعلام، دور الدولة هو تعليم الناس لفتح العقل لا غلقه بالخزعبلات والتدين، الدولة واجبها الفكر الحر وليس فرز الأصوات فى الانتخابات، ورصد آراء الأغلبية.
الانتخابات مسرحية لا يصدقها إلا الجاهلون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


Locations of Site Visitors
Powered By Blogger